من خلال استعراض للتغطية الإعلامية لتلفزيوني «بي.بي.سي 1» و«آي.تي.في» خلال الفترة الأولى من الانتفاضة يكشف المؤلفان عن الكم الكبير من التحيز الذي اتسمت به هذه التغطية لصالح إسرائيل، ويدعمان ذلك بالعديد من الأمثلة يقومان بتحليل كامل لمضمونها ونصها.
وقد جاء التركيز على هاتين القناتين حسبما أشرنا سابقاً باعتبار أنهما أكثر القنوات شعبية ويجتذبان الكثير من المشاهدين، فضلا عن ذلك فقد لجأ الباحثان إلى استخدام وسائل إعلامية أخرى بغرض المقارنة وبما يمكنهما من تحديد نمط وطبيعة التغطية الإعلامية للوسيلتين محل الدراسة.
وقد ركزت العينة الأولى للدراسة في محاولتها لتحديد شكل التغطية الإعلامية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الفترة الأولى من الانتفاضة وبالتحديد الفترة من 28 سبتمبر وحتى 16 أكتوبر 2000. ولتحقيق ذلك قام الباحثان بتحليل نحو 91 نشرة تضمنت نشرات الظهيرة والمساء المبكر والمساء المتأخر لـ «بي.بي.سي 1» و قناة «آي.تي.في».
ومن خلال هذه العينة كان هناك أربعة عناصر هي: تحليل الجوانب الرئيسية المتعلقة بتغطية الصراع، الأولى تمثلت في الصور التي قدمت بشأن الصراع ووصفه، الثانية تتعلق بتغطية الجنازات للأشخاص الذين لقوا مصرعهم بسبب تطورات الصراع، الثالثة تتعلق بمناقشة مفاوضات السلام واحتمالاته، أما الرابعة فتتعلق بمناقشة التكتيكات التي استخدمت من قبل السياسيين والعسكريين وأيضا ردود الأفعال من قبل الأشخاص العاديين.
وأخيراً تحديد الأسباب الرئيسية للصراع والعودة إلى جذوره التاريخية. بالنسبة لتغطية أحداث العنف، يذكر الباحثان أنه صاحبها بشكل كبير بث صور تشير إلى هذا العنف مع توصيفات لما يدور وإشارات عامة إلى النزاع. وقد تضمنت هذه الأحداث المظاهرات وقذف الحجارة وعمليات الطعن وإطلاق الرصاص والاختطاف وعمليات احتجاج وهجمات اتخذت الطابع العسكري.
غير أنهما يعودان للحديث عن المحور الرئيسي للدراسة والذي يتمثل في مدى تقديم صورة شاملة عن النزاع فيشيران إلى أن تحليل تلك الفترة الأولى من الانتفاضة يؤكد الفرضية التي ينطلقان منها والمتمثلة في أن التغطية لا تقدم شيئاً ذا قيمة بالنسبة لتاريخ النزاع بما يمكن المشاهد من فهمه على الوجه الصحيح.
ويقدم الباحثان نماذج على ذلك ومنها النموذج التالي والذي يمثل حسبما يشيران نموذجا معاشا للأحداث التي كانت تجري على صعيد تطورات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سواء في بداية الانتفاضة أو في مختلف مراحلها. ويشير التقرير الذي يعرض له الكتاب إلى تغطية لمراسل الـ «بي.بي.سي 1» في 6 أكتوبر 2000 من القدس القديمة حيث تزايدات حدة المواجهات بين الفلسطينيين واليهود.
وفي سياق التغطية يشير المراسل إلى حريق يشب في مركز للشرطة الإسرائيلية مضيفا أن ذلك إنما وقع بفعل المتظاهرين الفلسطينيين خلال اضطرابات حدثت في ذلك اليوم. ويضيف أنه قبل لحظة من وصوله قام المتظاهرون الفلسطينيون الذين خرجوا في حالة من الغضب بعد أداء صلاة الجمعة ـ ويظهر البث هنا تجمعات من الفلسطينيين - وقد حملوا في أيديهم الحجارة وبدأوا في إلقائها على مركز الشرطة الإسرائيلية والتي أخذت بدورها في إطلاق النار عليهم.
وبعد أن يشير إلى مقتل شخص على الأقل نتيجة هذه الإضرابات يقول إن نطاق التوترات اتسع ليشمل باقي مدن الضفة الغربية حيث أفادت التقارير وقوع اضطرابات في رام الله وفي أجزاء أخرى من الضفة أسفرت عن وقوع إصابات عديدة. ثم يضيف المراسل لقد كان الاعتقاد أن الأمور تتجه إلى التهدئة إثر الجهود الدبلوماسية التي تبذل في هذا الصدد غير أن ما حدث اليوم أشعل الموقف مرة ثانية وينذر بجولة أخرى من المصادمات.
وفي تحليلهما للتقرير يشير الباحثان إلى أنه يؤكد الموقف الساخن الذي يسود على صعيد الأوضاع في القدس وباقي أنحاء الضفة، فيما يتجاهل أي تفسير لهذه التطورات وأسبابها. وهنا يعيدا الإشارة إلى ما ذكره أحد الصحافيين من «بي.بي.سي» ممن تم استطلاع رأيهم في إطار الدراسة من أن التعليمات لديهم كانت تتمثل في عدم الغوص في الشرح وأن كل المطلوب هو جذب انتباه أكبر عدد من المشاهدين، وهو ما يعلقان عليه بالقول إنه على الصعيد العملي أدى هذا التوجه إلى إرباك قطاع كبير من الجمهور.
* نموذج صارخ للتحيز
ثم تقدم الدراسة نموذجاً آخر لتغطية «بي بي سي» في 9 أكتوبر تشير فيه إلى أنه رغم توجيه نداءات إلى الفلسطينيين بتهدئة الأوضاع إلا أن ردهم على الإسرائيليين كان هو المزيد من الحجارة في رام الله بالضفة الغربية (مشاهد لتجمعات فلسطينيين وأصوات إطلاق نار). ويذكر التقرير أن الصبية وكذلك النساء انضموا إلى ما يسمى «الانتفاضة الجديدة».
ويضيف أن المتظاهرين يؤكدون على أنهم لن يتأثروا بالتهديدات الإسرائيلية.. إنهم يشعرون أنه ليس لديهم ما يخسرونه وأنهم لم ينالوا الكثير جراء عملية السلام التي هي على شفا الانهيار في هذه الفترة. ثم يشير إلى أن الفلسطينيين يرفعون صور صدام فيما يدعوه البعض إلى شن هجوم على إسرائيل. ويضيف المراسل بأن المتظاهرين جلبوا معهم الحجارة لاستخدامها في المظاهرات وأن بعضهم أخبره بأن ما يسعون إليه هو السلاح.
هنا يوضح الباحثان أن التقرير لم يقدم تفسيراً ذا قيمة باستثناء إشارته إلى اعتقاد الفلسطينيين أنهم لم يحصلوا على الكثير من عملية السلام غير أن المراسل لم يكد يشير إلى ذلك حتى عاد إلى نغمة الحديث عن الحجارة والرغبة في الحصول على السلاح، وهو الأمر الذي يخلصان منه إلى أن المشاهدين في حاجة إلى معرفة أسباب التصعيد الذي يجري من قبل الفلسطينيين وهو الأمر الذي تفتقده هذه النوعية من التغطية بالغرق في الصور الدرامية والتعليقات على المصادمات.
ثم يقدمان نموذجاً آخر، ولكن من قناة «آي.تي.في» وهو يشير إلى المظاهرات التي وقعت يوم الجمعة أيضا وتقريبا بالمفردات نفسها، حيث يذكر أنه بعد دقائق من انتهاء الصلاة استأنف المصلون أعمال المظاهرات في القدس وهاجم المئات من الفلسطينيين قوات الأمن الإسرائيلية ووقعت اشتباكات في أزقة المدينة القديمة وسط دعوات إلى التهدئة تم تجاهلها.
ويشير التقرير إلى مركز الشرطة الإسرائيلية الذي يحترق داخل مدينة القدس ـ مدينة السلام ـ فيما يمثل محاولة بالطبع لإلقاء اللوم على الفلسطينيين الذين انتهكوا حرمة هذه المدينة بالاضطرابات التي تسببوا فيها، وهو النهج الذي ينتقده الباحثان. ثم يضيف المراسل بأن الجنود الإسرائيليين حوصروا داخل نقطة الشرطة فيما راحوا يطلقون النار على الحشود التي تبدو في حالة هياج.
ثم ينتقل من الحديث عن الاضطرابات إلى نقطة تتعلق بسبب النزاع قائلا إن القدس ومن يفترض أن يكون له السيادة عليها تمثل محور الصراع. وفي تعليقهما على هذه التغطية يشير الباحثان إلى أنها تمثل اختزالاً سيئاً للنزاع فالإشارة إلى أن القدس هي محور الصراع إشارة قد تكون مفهومة لمن يتابع الصراع في الشرق الأوسط غير أنها بالنسبة للمشاهد العادي تجعله يعتقد أن الأمر لا يتجاوز صراع مجموعتين على السيطرة على المدينة المقدسة ومن يكون له حق رفع علمه عليها،
ويدعمان رأيهما ذلك بالإشارة إلى أن أحد المستطلعة آراؤهم الذين كانوا ضمن عينات الدراسة ذهبوا إلى هذا التوجه! ثم يستعرض الباحثان الجانب المتعلق بالجنازات وهي التي تعكس مظهراً من مظاهر الصراع بين الطرفين وتكون مصحوبة بمشاهد مؤلمة تثير الحزن. والفرضية الرئيسية هنا حسبما تشير الدراسة هي أن هذه الأوضاع تقود إلى مزيد من العنف وأنه في هذا الإطار يتم الإشارة إلى الحرب المقدسة بشأن القدس غير أنه في الوقت ذاته ليس هناك أي طرح بشأن نشأة الصراع.
وعلى المنوال نفسه تقدم الدراسة أمثلة على ما تشير إليه ومن ذلك ما بثته قناة «آي تي في» في 2 أكتوبر بشأن جنازة أحد الفلسطينيين حيث راح المراسل يشير إلى تجمع أعداد كبيرة من الفلسطينيين لتشييع الجنازة مشيرا إلى أنهم يعتبرون الموت شهادة في إطار الحرب الدينية ـ حسب نص المراسل ـ بشأن السيطرة على القدس. مضيفا كم ستستغرق هذه العمليات من وقت وضحايا؟
مجيبا بأن ذلك إنما يعتمد على موقفهم والذي يحدده في إشارته إلى أن هناك الكثير منهم يعد نفسه للموت أو الشهادة. ويعلق المراسل: إن هذه هي إحدى الجنازات التي خرجت في الضفة الغربية اليوم وأنها ليست تعبيراً عن حالة الحزن فقط، بل إنها دعوة إلى حمل السلاح.. دعوة إلى الانتقام. ويوضح الباحثان أن البث كان مليئاً بالمشاهد التي تبعث على الأسى والحزن ولكن من دون أي فرصة ذات قيمة لفهم الموقف والأسباب التي أدت إلى هذه الحالة. ثم ينتقلان إلى عرض أمثلة من «بي.بي.سي».
وفي التقرير يقول المراسل في3 أكتوبر: إن الفلسطينيين عندما لا يكونون في حالة قتال فإنهم يكونون مشغولين بدفن موتاهم.. ولا تعد هذه الجنازات بمثابة مجال للتعبير عن الحزن فقط ولكنها أيضا مجال للتعبير عن الغضب والسخط الفلسطيني، وفي ظل هذه الحالة فإن أقارب المتوفى يتحدثون بسخرية عن الهدنة.
ويخلص الباحثان من تناول هذا الجانب إلى الإشارة إلى أن مثل هذه الصور التي تشير إلى الجنازات تكون مهمة وتظل عالقة في أذهان المشاهدين غير أن المشكلة أنه وكما أكدت الدراسة التي أجرياها على عينة من المشاهدين أن العلاقة بين هذه المشاهد وأسس الصراع وتاريخه تبقى غير قائمة.
* فرص السلام
تنتقل الدراسة بعد ذلك إلى تناول الجهود التي بذلت في تلك الفترة لإحلال السلام والمفاوضات التي جرت بين طرفي الصراع والتي كانت تعد مادة رئيسية في نشرات الأخبار فتشير إلى أنه كان هناك سلسلة من الاجتماعات بين القادة السياسيين في تلك الفترة ومن ذلك اللقاء الذي تم في باريس في 4 أكتوبر 2000 عندما التقى وفدان من الإسرائيليين والفلسطينيين مع وزير الخارجية الأميركي.
وقد طار الأمين العام للأمم المتحدة إلى إسرائيل في 9 أكتوبر وكانت هناك قمة عالمية في ذلك الوقت في 16 أكتوبر في مصر بمشاركة الرئيس الأميركي. وقد ركزت التغطية في تلك الفترة على القادة الذين كانوا يتوافدون على المنطقة وتراجع الآمال بتحقيق تقدم في المفاوضات بما يمكن أن يحقق هدف التوصل إلى حل للأزمة.
وقد بثت «آي.تي.في» في 4 أكتوبر تقريراً أشار إلى أنه يوجد القليل من الابتسامات في القمة ما يعكس الأجواء غير المواتية، حيث أنه فيما يلتقي قادة إسرائيل وفلسطين فإنهم تركوا خلفهم حالة من الفوضى والمرارة في الضفة الغربية وغزة. ويضيف التقرير أن الأمل معلق على الوساطة الأميركية التي تقودها مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية التي تحاول التوصل إلى وقف لإطلاق النار على الأرض ثم التوصل إلى جدول زمني بشأن المفاوضات، وحتى الآن فإن الأمر يبدو وكأنه خارج متناول يدها.
وعلى «بي.بي.سي» أيضاً تم التطرق إلى القمة التي عقدت في مصر في مقدمة إحدى النشرات على النحو التالي: قمة الشرق الأوسط تبدأ أعمالها فيما لا توجد أي مؤشرات على إمكانية تحقيق اختراق، وفيما يحاول القادة الوصول إلى نهاية لحمامات الدم فإن عمليات القتل مستمرة في الطرقات.
ومن هذه التغطية تشير الدراسة إلى أن من النقاط الملحوظة فيها الإشارة بشكل كبير إلى الدور الأميركي وكيف أن طرح هذا الدور وفق ما تقدمه التغطية يلقي بتأثيره على فهم المشاهدين للصراع. ووفق هذا الطرح فإن ما يريد الباحثان الإشارة إليه هو أن التغطية الصحافية على أرضية الموقف الأميركي إنما تعد غير منصفة حيث أنها تقدم هذا الموقف على أنه الساعي للوساطة وتحقيق السلام وهو ما يعنى أنه يمكن أن يمثل المرجعية في تحديد الطرف المؤيد للسلام والمعارض له ،
وأنه في ضوء تبني الإدارة الأميركية بل والإدارات الأميركية المتعاقبة للمواقف الإسرائيلية فإن ذلك يمثل إجحافاً بالموقف الفلسطيني حيث سيبدو في هذه الحالة وكأنه الطرف الذي يعرقل السلام. وحسبما تشير الدراسة فإنه في هذا الوقت كان يتم الإشارة إلى الولايات المتحدة على أنها منخرطة كلية في تحركات السلام ولهذا مثلا نجد «آي.تي.في» تشير إلى أن الأميركيين يبذلون محاولات يائسة من أجل التوصل إلى هدنة طويلة ومستقرة بين الطرفين.
فيما أشار موجز للأخبار إلى اندلاع المزيد من الاشتباكات في الشرق الأوسط فيما تحاول إدارة كلينتون التدخل في النزاع. وعلى «بي.بي.سي» أيضاً تم الإشارة إلى الرئيس كلينتون على أن له تاريخاً طويلاً من التدخل والسعي للتوصل إلى سلام دائم. وفي سياق تعزيز طرحهما بشأن التساؤلات التي تحيط بالدور الأميركي تعرض الدراسة لحوار بين صحافيين بثته «آي.تي.في»
وفيه يشير الصحافي الأول إلى أنه رغم الضغوط التي من المفترض أن إدارة كلينتون تتعرض لها والتي يشار إلى أنها تأتي من اللوبي الصهيوني وكذلك بعض وسائل الإعلام إلا أنه لا يتوقع أن تأتي مثل هذه الضغوط بنتيجة في ضوء أن سياسة الإدارة الأميركية والتي أكدت عليها دوما هي أن الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها الإبقاء على تأثيرها في الشرق الأوسط هي الحياد النسبي والعمل على أن تكون وسيطاً أميناً.
ومع ذلك يشير الباحثان إلى أنه كانت هناك تعليقات أخرى في وسائل إعلام أخرى تشير إلى الموقف المعاكس. بل أنهما يشيران إلى أخبار وتقارير بثتها «آي.تي.في» توضح أن الكثير من الفلسطينيين لا يثقون في الولايات المتحدة ونزاهة وساطتها، غير أنهما يعلقان أن هذا هو ما نسمعه على هذه القناة دون أن يتم تقديم التوضيح الكافي بشأن الأسباب التي أوصلت الفلسطينيين إلى هذا الموقف.
ويحاول الباحثان الإجابة عن السؤال الذي يطرحونه بخصوص أبعاد فقدان ثقة الفلسطينيين في الوساطة الأميركية وهو الأمر الذي يريان أنه كان من المفترض على «آي.تي.في» توضيحه لتقديم صورة متكاملة بشأن هذا الجانب. وهنا يشيران إلى أن أحد تلك الأسباب هو أن الولايات المتحدة تمد إسرائيل بنحو 3 مليارات دولار سنوياً وأن جزءا كبيرا من هذا المبلغ يتم توجيهه إلى مجالات الحصول على المزيد من الإمدادات العسكرية. بمعنى آخر، وفق المؤلفان، أن الولايات المتحدة تمد طرفا واحدا بالسلاح.
ومع ذلك فإن هذا الجانب نادرا ما يتم التطرق إليه في الأخبار. وحسب الدراسة فإن أخبارا أخرى عرضت لفلسطينيين يحرقون العلم الأميركي غير أنها لم تشر، مرة أخرى، إلى السبب وراء ذلك أو تشير إلى معلومة أن الولايات المتحدة تمد إسرائيل بالسلاح الذي تستخدمه في هجماتها على الفلسطينيين. ومرة ثانية يشير الباحثان إلى أنه قد تعثر على مثل هذه الإشارة في بعض الأخبار غير أنه نادرا ما تذكر وإذا تم ذلك فإنه يكون في هامش هذه الأخبار.
وهما يشيران هنا إلى نموذج بثته القناة الرابعة البريطانية وهي ليست ضمن الوسائل التي تخضع للدراسة حيث قالت: إن الولايات المتحدة تمد إسرائيل بنحو ملياري دولار سنويا ينفق الكثير منها على التسلح ما جعل من إسرائيل قوة إقليمية في المنطقة، فيما لا يتلقى الفلسطينيون منها سوى طائرات الأباتشي التي تقصفهم بها إسرائيل، وكذلك الأمر بالنسبة لجنوب لبنان حيث لا يتلقى حزب الله من الولايات المتحدة سوى الأسلحة الأميركية التي تقصفه بها إسرائيل وتمدها بها الولايات المتحدة.
* الانتقاد محظور
من دون هذه التفصيلات والخلفيات يكون من الصعب على المشاهدين فهم أفعال وأسباب التصرفات التي يقوم بها الفلسطينيون الذين يتم التركيز على مواقفهم في نشرات الأخبار. وتدليلا على ذلك يشير الباحثان إلى أنه في الدراسة الميدانية وجها سؤالا إلى العينة التي تمثل فئة الشباب أو صغيري السن بشأن السبب الذي يجعل الفلسطينيين ينتقدون الموقف الأميركي أو السبب وراء قيامهم بحرق العلم الأميركي وكانت النتيجة الملموسة التي تم الكشف عنها هي أن معظم هؤلاء لا يعرفون أن الولايات المتحدة تمد إسرائيل بمساعدات مالية وتزودها بالسلاح.
وتشير الدراسة إلى أن الإشارة إلى مثل هذه القضية يعد أمرا معقدا نظراً لطبيعة العلاقة الخاصة التي تربط بريطانيا مع الولايات المتحدة. وقد كشفت دراستهما للتغطية التلفزيونية عن محدودية الانتقاد للسياسة الأميركية وأن الأمر تحول إلى ما يشبه المحرمات المحظورة بعد أحداث 11سبتمبر. وهنا يشيران إلى اعتذار تم من قبل المدير العام لـ «بي بي سي» على ما ورد في أحد البرامج من انتقاد للولايات المتحدة بعد فترة قليلة من أحداث سبتمبر.
وتخلص الدراسة إلى نتيجة مؤداها أن ذلك قد يكون مصدره التصور أن التوسع في تقديم مواقف هؤلاء الذين يعارضون السياسة الأميركية ربما يؤدي إلى حالة من الجدل بشأن مواقفها، فيما يرى القائمون على إدارة العملية الإعلامية أنه من الأسلم تجنب مثل هذه التفسيرات أو أن يتم التطرق لها ولكن في مواضع هامشية من أخبار التلفزيون والراديو، ولكن المشكلة إزاء هذا النهج وفقا لما يذهب إليه الباحثان هي أن ذلك يترك المشاهدين في حالة عدم الاطلاع على القضية أو الجهل بها بمعنى أصح!
* إغفال جذور الصراع
لقد كان هذا الموضوع من القضايا الأساسية لتحليل فهم الجمهور للأحداث وأسبابها. وقد كشف البحث الميداني الذي أجري على عينة من المشاهدين عن أن الكثير منهم ليس لديهم سوى معرفة محدودة بشأن جذور الصراع وأسبابه. فلفهم جذور الأزمة يوجد على الأقل جانبان من الجوانب المتعلقة بالصراع يتعين الإطلاع على تسلسل الأحداث بشأنهما من قبل المشاهدين.
الأول يتعلق بنشأة إسرائيل في 1948 حيث تم طرد أعداد كبيرة من الفلسطينيين من منازلهم وأصبحوا لاجئين. الثاني أنه على إثر هذا التطور عاش الكثير من هؤلاء في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة وهي المناطق التي تم احتلالها كليا من قبل إسرائيل خلال حرب 1967. وقد عاش الفلسطينيون فيما بعد ذلك تحت الاحتلال العسكري حيث عانوا من قساوته.
وانطلاقاً من هذا التوصيف تشير الدراسة إلى أنه من الطبيعي وجود أطروحات عدة يحاول كل طرف أن يقدمها في معرض تفسير ما آلت إليه الأوضاع ومحاولة إضفاء الشرعية على موقفه. وعلى هذا يذكر الباحثان بالنقطة التي تعد الأساس الذي تقوم عليه دراستهما ويحرصان على التأكيد عليه في مختلف صفحات الدراسة وهي أنه من دون معرفة هذه الأحداث فإنه يكون من الصعوبة البالغة فهم أسباب ما يجري على أرض الواقع.
وهذه المعرفة لم تكن متاحة أو متوفر بكثرة في الأخبار، وهو ما أدى في التحليل النهائي إلى تحول التغطية إلى وسيلة لإرباك المشاهدين. فعندما بدأت الانتفاضة في سبتمبر 2000 بدت بعض التقارير الإخبارية غير واضحة بشأن مكان وقوع الانتفاضة وأنها إنما تقع في الأراضي المحتلة التي تخضع لسيطرة عسكرية، على العكس بدا في بعض الأحيان وكأنها تقع في قلب إسرائيل.
وعلى سبيل المثال فإن برنامجا من بين البرامج الإخبارية لقناة «آي.تي.في» احتوى على مشاهد للأحداث مطلقة عليها «العنف في إسرائيل» فيما كانت الأحداث التي تتناولها تقع في القدس الشرقية المحتلة. فيما لخص المراسل الصحافي الأحداث على النحو التالي: إن المعارك أو القتال يدور على موقع مقدس في إسرائيل. كما أن «بي.بي.سي»أيضا وصفت الأراضي الفلسطينية المحتلة على أنها الضفة الغربية التي تتبع إسرائيل أو الضفة الغربية الإسرائيلية.
كما أن أحداث أخرى وقعت في مدينة رام الله الفلسطينية راحت «بي.بي.سي» تصفها على أنها أحداث «عنف جماهيري في إسرائيل». فضلا عن ذلك فإن «آي.تي.في» بدت في بعض الأحيان غير واضحة بشأن ما إذا كان لإسرائيل السيادة على القدس الشرقية.
يفسر هذا الإرباك الذي يصيب المشاهد الغربي إزاء هذه التوصيفات حيث أن هذا المثال يجعله على غير دراية بطبيعة الأحداث ومن هنا قد يتولد لديه معارضة لأية أعمال مقاومة في المدينة باعتبار أنها تخضع للسيادة الإسرائيلية وفق السياق الذي تقدمه قناة «آي.تي.في» أو غيرها، وعلى هذا الأساس سوف يدرجها تلقائيا في إطار أنها أعمال عنف خارجة عن الشرعية.
ويكشف هذا النمط غير المنصف من قبل «آي.تي.في» مثلا ما بثه مراسل قناة «بي.بي.سي 4» بشكل بدا لا يحتمل اللبس في تناوله للأحداث حيث راح يقول إن كل الدول باستثناء واحدة فقط تؤكد على عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هي إسرائيل. كما أن مراسل «الغارديان» أشار إلى أنه وفقا للقانون الدولي فإن القدس الشرقية تعتبر محتلة من قبل إسرائيل منذ عام 1967 وهذا ما يفسر لماذا لا تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل سوى دولتين فقط هما كوستاريكا والسلفادور اللتين أقامتا سفارتين هناك.
وفي إطار حرصها على تعزيز المقارنة تشير الدراسة إلى مثال آخر بشأن القضية السابقة يؤكد تحيز أو عدم عدالة تغطية «آي.تي.في» حيث بثت القناة في هذا الخصوص أن الفلسطينيين رفعوا علمهم في نقطة واحدة متحدين السيادة الإسرائيلية ، رغم أن توصيف السيادة لا يمكن أن ينطبق على وضع السلطة التي تدير أرضا محتلة، مضيفة أن السيطرة على القدس ومن يكون له ذلك تعد من القضايا المحورية في النزاع.
وفي الإطار نفسه وعلى المنوال نفسه تواصل القناة بثها المغلوط، مشيرة في إحدى نشراتها في 6 أكتوبر 2000 إلى الحرم القدسي الشريف قائلة إنه يعد بالنسبة للمسلمين ثالث الحرمين. ولكنها تتحفظ بعد ذلك قائلة: ومع ذلك فإن هذا الموقع يعد مقدسا بالنسبة للإسرائيليين ولهم السيادة عليه ومن الواضح أن الإسرائيليين غير مستعدين للتخلي عن موقفهم.