يعرض هذا الكتاب دراسة حول موضوع في غاية الأهمية بالنسبة للصراع العربي ـ الصهيوني وهو التغطية الإعلامية لهذا الصراع والتحيز الغربي في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة لصالح إسرائيل وما يجره هذا التحيز من تأثير على المواطن العادي في الدول الغربية.

وفي كثير من الأحيان يؤدي هذا الانحياز لصالح إسرائيل إلى قلب الحقائق، بحيث يقلب المعتدي إلى ضحية والضحية إلى معتدي

في هذه الحلقة من عرض الكتاب، يعرض المؤلفان غريغ فيلو ومايك بيري من المجموعة الإعلامية التابعة لجامعة جلاسكو نتائج دراسة مسحية استطلعت آراء شريحة واسعة من المواطنين في بريطانيا حول الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، ومدى تأثير وسائل الإعلام على تلك الآراء.

وتوضح الدراسة التي ننشر نتائجها أن وسائل الإعلام الغربية تمارس دوراً تضليلياً للمواطن لأنها لا تقدم شرحاً وافياً وصحيحاً حول خلفية الصراع وحقيقة ما يجري على الأرض وتفتقر إلى النزاهة والتوازن في طريقة عرضها للأخبار. إذا لم تفهم أزمة الشرق الأوسط فإن ذلك ربما يعود إلى أنك تتابع أخبارها على التلفزيون..

هذه هي الخلاصة التي تنتهي إليها بمجرد أن تفرغ من قراءة هذا الكتاب، فالتغطية الإعلامية للصراع العربي الإسرائيلي وبشكل أكثر تحديدا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إنما تركز على مشاهد القتال، أحداث العنف، والجوانب المأساوية، غير أنها لا تتطرق سوى بشكل بالغ المحدودية إلى تفسير ما يحدث.

وتحاول هذه الدراسة تقديم رصد شامل للتغطية التلفزيونية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإلى أي مدى تشكل هذه التغطية فهم المشاهدين واتجاهاتهم ومواقفهم تجاه هذا الصراع. وتفترض أن التغطية التلفزيونية للصراع أربكت المشاهدين وأنها ركزت بشكل رئيسي على إبراز مواقف الحكومة الإسرائيلية.

وحسبما يشير الباحثان غريغ فيلو ومايك بيري فإن الهدف من الدراسة ليس مراقبة وسائل الإعلام أو انتقاد الصحافيين كأفراد وإنما مناقشة الضغوط والبيئة التي يعملون في إطارها لتبيان تأثيراتها على مضمون الأخبار وتحديد دور وسائل الإعلام في بنية المعرفة لدى الجمهور،

فضلا عن أن الدراسة تثير العديد من القضايا النظرية بشأن وسائل الاتصال الجماهيري وخاصة التلفزيون في ضوء أن الأخبار التلفزيونية تعد المصدر الرئيسي للمعلومات لنحو 80% من الجمهور ومع ذلك فإن نوعية ما يشاهدونه ويسمعونه مربك بشكل كبير إلى الحد الذي يصعب معه إثارة نقاش ذي معنى بشأن القضية المطروحة أو سبل حلها.

وقد تناولت الدراسة بالتحليل كلا من قناتي بي بي سي 1 و «آي تي في» من خلال 200 برنامج على مدى سنتين. وجاء اختيار الدراسة لهاتين القناتين باعتبار أنهما من القنوات الأكثر شعبية ويجذبان الكثير من المشاهدين. كما أجرى الباحثان مقابلات وحلقة نقاش مع مجموعات من الأفراد مختلفة الأعمار والاتجاهات وصل مجموعهم إلى 800 شخص وتم طرح مجموعة من الأسئلة عليهم حول الصراع وما تضيفه إليهم المتابعة التلفزيونية على شاشة التلفزيون؟.

وكان من بين الأسئلة الأساسية التي طرحت على الأفراد محل البحث ما يرد في ذهنهم لدى سماعهم كلمة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ ثم إتباعه بسؤال حول المصدر الذي استقوا منه هذا الانطباع؟ لقد حددت الأغلبية - نحو 82% من الأشخاص المستطلعة آراؤهم ـ التلفزيون باعتباره المصدر لهذه الخلفية وأظهرت إجاباتهم تأثرهم الكامل بالمحتوى الرئيسي للتناول الإخباري بشأن النزاع

وأحداث العنف التي تقدمها التغطية لهذا الصراع غير أن مجموعة كبيرة من الأشخاص كان لديها إلمام ومعرفة واضحين بأبعاد وأسباب النزاع وجذوره.. وهو الأمر الذي ترجعه الدراسة إلى أن التفسير غالبا ما لا يتم تقديمه مع التغطية الإخبارية وحتى عندما يتم ذلك فإن الصحافيين يتطرقون إليه بشكل غير مناسب وغير معبر عن طبيعة الصراع وحقائقه، فضلا عن تقديمه بشكل بالغ الاختصار.

ويكسب ذلك الطابع للدراسة أهمية خاصة تجعلها فريدة من نوعها إزاء قيامها بتحليل كل من القائمين على الإعلام والمشاهدين العاديين في إطار مجموعات بحثية وتحليل أسلوب تقديم الأخبار للجمهور وكيف يمكن تحسين أداء هذه الوسائل. ومن الأمور الجديرة بالإشارة إليها هنا أنها تعد جزءا من برنامج بحثي واسع لجامعة جلاسكو يحلل رؤى وفهم المشاهدين أو المستمعين عبر نطاق مختلف من الموضوعات.

* التضليل الإعلامي

يكشف الكتاب بشكل عام بحق عن الدور الحيوي الذي يلعبه التلفزيون في صياغة الرأي العام وتشكيله والتأثير الهائل الذي يمكن أن يمثله بشأن رؤيتنا وفهمنا للعالم، وكيف يمكن ان يصل هذا الدور إلى حد التضليل والتعمية بالشكل الذي يجعل منه وسيلة لتعزيز عدم فهم قضية ما، وهو يحاول في الوقت ذاته الوصول إلى اقترابات مختلفة ومبتكرة من أجل تحسين نوعية الأخبار والتعامل مع بعض القضايا الأكثر صعوبة التي يواجهها الصحافيون.

أما على صعيد موضوعه فالكتاب يتجاوز كونه دراسة ميدانية بشأن تحديد طبيعة التعاطي الإعلامي مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ قيام الانتفاضة تحديدا إلى كونه رصداً للتحيزات الإعلامية لصالح إسرائيل في الإعلام الغربي، وهو في محاولته للقيام بهذه المهمة إنما يمارسها من خلال منهج علمي صارم لا يحكمه في ذلك سوى هدف الوصول إلى الحقيقة،

وبشكل لا يمكن إلا أن تحسد معه الباحثين إلى جانب المجموعة التي شاركت في البحث على قدرتهم على خوض غمار الموضوع مع التسلح بكل هذا القدر من الموضوعية رغم الطابع الشائك الذي تتخذه القضية خاصة في الغرب في ضوء ان انتقاد إسرائيل، وكما أشارت الدراسة ذاتها، أصبح يعد أحد المحرمات التي من الصعب انتهاك قداستها!

وتتجاوز الدراسة من أجل تحقيق هدفها منهج تحليل المضمون إلى منهج تحليل النصوص بشكل يكشف عن دأب علمي حقيقي بشأن قضية لم يكلف أصحابها، عربا كانوا أو فلسطينيين بشكل خاص أنفسهم عبء القيام بمثلها، وهو الأمر الذي يزيد من غرابته اتساع نطاق الدراسات التي تتناول هذا الموضوع في الغرب ومنها تلك التي عرضنا لها هنا في هذا المكان من قبل حول «تغطية الانتفاضة» للباحث الأميركي جوشوا موارفشيك.

وعلى ذلك يصل الكتاب من خلال الدراسة المتأنية لعناصر البحث وتشمل التلفزيون والقائمين على العملية الإخبارية وهم الصحافيون إلى جانب المشاهدين إلى نتائج بالغة الأهمية ينبغي وضعها في الاعتبار لدى أي حديث عن اتجاهات الرأي العام الغربي تجاه ليس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقط بل ومجمل قضايا الشرق الأوسط. بل إنه يتجاوز ذلك ضمن ثناياه ليكشف لنا ـ بشكل غير مباشر ـ عن عملية التأثير على المواقف السياسية في الغرب تجاه هذا الصراع.

والأهمية الكبرى هنا أن النتائج التي تصل إليها الدراسة تتجاوز الانطباعات العامة التي يرددها الكثيرون ممن يبنون مواقف مساندة للقضية الفلسطينية خاصة على المستوى العربي والذي من الواضح أنه لم يكلف نفسه عناء البحث وراء الموضوع إلى تقديم خلاصات مؤيدة بشواهد على حجم التحامل على القضية الفلسطينية الناجم عن سوء التعاطي الإعلامي معها.

وحتى لا نتوه في زحام المادة المفصلة والموسعة التي تقدمها الدراسة نشير بداية إلى مجموعة من النتائج الأساسية التي توصلت إليها والتي تثير الدهشة البالغة رغم أنها تعد نتيجة منطقية لطبيعة التناول الإعلامي للقضية محل البحث. ومن هذه النتائج أن هناك نوع من عدم التوازن في تغطية مواقف أطراف الصراع حيث هناك أولوية للمواقف الإسرائيلية في الطرح

وبشكل خاص في «بي بي سي 1» حيث يتم نقل ما يذكره الإسرائيليون وما يدلون به من تصريحات وأحاديث بشكل يتجاوز الضعفين مقارنة بالفلسطينيين ويوجد الكثير من جوانب الاختلاف في اللغة التي تستخدم مواقف الطرفين، ويتم هذا الأمر بشكل لصالح إسرائيل بما يؤثر على فهم المشاهدين للصراع.

فضلا عن ذلك فإنه يتم تقديم مواقف المسؤولين الأميركيين الذين يساندون إسرائيل بشكل أكثر بروزا، فضلا عن ظهورهم على شاشات التلفزيون أكثر من أي سياسيين آخرين من أي دولة أخرى بما في ذلك المسؤولين البريطانيين. وبمقياس عددي فإنهم يظهرون بمعدل ضعف ما يظهر به البريطانيون.

من ناحية أخرى تشير الدراسة إلى أن الأخبار التلفزيونية لا تتطرق بشكل ذي قيمة إلى تاريخ أو جذور الصراع. وفي ضوء حقيقة أن الغالبية العظمى من المشاهدين تعتمد على التغطية التلفزيونية كوسيلتهم الرئيسية للحصول على الأخبار بشأن الصراع، فإن ذلك يتسبب في نقص معرفتهم بحقيقته بمستوى يقارب غياب هذه الحقيقة في التغطية التلفزيونية.

وهنا فإن الدارسة تكشف عن نتائج تثير الدهشة، ومن ذلك مثلا أن الكثيرين لا يعرفون ان الفلسطينيين تم طردهم من وطنهم ومغادرة منازلهم عندما أقيمت إسرائيل عام 1948، بل إن قطاعا كبيرا من المشاهدين أبدوا استغرابهم لدى معرفتهم أن إسرائيل إنما قامت عام 1948. فضلا عن ذلك فإن الكثيرين لا يعرفون أن إسرائيل احتلت بالقوة بقية الأرض الفلسطينية في 1967. بل ويصل الجهل مداه حين يصل البعض في تصوره إلى حد أن اللاجئين الفلسطينيين إنما قدموا من أفغانستان أو العراق أو كوسوفو.

* المستوطنون فلسطينيون!

الأكثر مدعاة للدهشة ما كشفت عنه الدراسة من أن الكثير من المشاهدين لا يعرفون ان الفلسطينيين يعيشون بالتالي تحت حكم الاحتلال العسكري الإسرائيلي، بل يصل الأمر ببعض أفراد العينة محل البحث إلى حد تصور أن الفلسطينيين هم المحتلون وأن المستوطنين فلسطينيون! فيما يذهب آخرون وبنسبة غير قليلة إلى أن الصراع إنما هو نزاع حدودي بين دولتين يتصارعان على أرض تقع بينهما، وعلى حد ما وصفه أحد المشاهدين «الانطباع الذي أخذته من الأخبار أن الفلسطينيين عاشوا حول هذه المنطقة ويحاولون الآن العودة واخذوا الكثير من الأرض لهم.

ولم أدرك أنهم طردوا من أرضهم في حروب سابقة». هذا فضلا عن عدم معرفة أن الإسرائيليين يسيطرون على المصادر الرئيسية مثل الماء، أو حجم الخسائر التي ألحقتها إسرائيل بالاقتصاد الفلسطيني. وإزاء ما تبدو عليه هذه التوجهات من غرابة لا شك أن المشاهدين ليس لهم الذنب الأكبر فيها، وما يمكن أن تعكسه من جهل بطبيعة الصراع، فإن الدراسة تؤكد هنا على نقطة محورية تمثل أساسها الذي تقوم عليه ولا تتوانى عن الإشارة إليها على مدى صفحات الكتاب

باعتبارها النتيجة التي قد تنطبق على التغطية التلفزيونية بشكل عام وعلى تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تحديدا هي أنه في ظل غياب الشرح المقدم مع الأخبار فإن ذلك يتسبب في قدر كبير من الخلط وعدم وضوح الرؤية لدى المشاهد إلى الحد الذي يصل معه إلى عدم القدرة على تحديد من يحتل الأراضي المحتلة!

إلى جانب ما سبق ولغياب السياق التاريخي من التغطية مثل خسارة الفلسطينيين لمنازلهم فإنه يوجد اتجاه لدى المشاهدين لرؤية المشاكل على أنها تبدأ بالفعل الفلسطيني، خاصة أنه في سياق الأخبار التي تقدم لتغطية أحداث الصراع يكون هناك توجه لشرح المواقف الإسرائيلية على أنها مجرد استجابة لما يتم فعله من قبل الفلسطينيين.

ودون استباق لما سيرد في التفاصيل نشير سريعا إلى أنه مثلا في النماذج التي أوردتها الدراسة خلال عام 2001 تم تقديم المواقف الإسرائيلية على أنها رد فعل على ما يقوم به الفلسطينيون نحو ست أضعاف ما قدمت عليه المواقف الفلسطينية على هذا النحو.

وبالطبع فإن هذا التناول يبدو مؤثرا على الكثير من المشاهدين الذين لا يجدون أمامهم سوى إلقاء اللوم على الفلسطينيين بشأن الصراع،على شاكلة ذلك التعليق من قبل اثنين ممن يبلغون 20 عاما، حيث أشارا إلى أنهما ينظران إلى الفلسطينيين على أنهم عدوانيون بسبب القصص التي يسمعونها في نشرات الأخبار. مضيفين: نعتقد دائما أن الإسرائيليين إنما يشنون الهجمات ردا على تلك التي يتعرضون لها.

من النتائج المهمة الأخرى التي توصلت إليها الدراسة أنه يوجد تأكيدات قوية على الخسائر الإسرائيلية في الأخبار بشكل نسبي مقارنة بالحديث عن الفلسطينيين، رغم أن عدد القتلى على الجانب الفلسطيني يقارب ثلاثة أضعاف العدد على الجانب الإسرائيلي. ولا يقتصر الأمر على ذلك فقط بل إنه يتعداه إلى اللغة المستخدمة من قبل الصحافيين بشأن عمليات القتل فعبارات مثل جريمة وحشية، قتل جماعي، القتل بدم بارد، الإعدام بدون محاكمة قانونية، الذبح..

كلها عبارات كانت تستخدم بشأن القتلى من الإسرائيليين وليس بشأن الفلسطينيين، فيما أن كلمة إرهابي كانت تستخدم لوصف الفلسطينيين من قبل الصحافيين ولكن عندما تقوم جماعة إسرائيلية بمحاولة تفجير مدرسة فلسطينية مثلا فإنه يتم الإشارة إليهم على أنهم خارجون على القانون أو في أسوأ الأحوال متطرفون. وقد ألقت هذه التغطية بتأثيرها على المشاهدين في اتجاه الاعتقاد بأن معظم القتلى من الإسرائيليين!

* تشويه حقائق الصراع

بالطبع تحاول الدراسة أن تتطرق إلى الأسباب التي تؤدي بالتغطية للصراع إلى أن تكون هذا النحو المشوه لحقائقه، غير أنها تقدم لذلك بشيء من عدم التفصيل باعتبار أن هدفها الأساسي هو رصد أسلوب التغطية، وإن كانت هناك أجزاء تتعرض إلى جانب من أبعاد هذا النمط من التغطية في ثاني فصول الكتاب خاصة لجهة الإشارة إلى الدور الأميركي وتحليل أثر جماعات الضغط الصهيونية على هذا التوجه،

وهو الأمر الذي سنتطرق إليه في حينه، غير أننا هنا نشير إلى أحد الأسباب العامة التي أشار إليها الباحثان في سياق دراستهما والتي تكمن في طبيعة العمل التلفزيوني - بل والصحافي عامة - فأحد أسباب ذلك النمط الذي يتسم بأدنى درجات الموضوعية هو أن الأخبار يتم بثها في سوق تجاري كبير يركز اهتمامه على جذب المشاهد حيث تهيمن الصور والأفعال ومن الأفضل،

وفقا للقائمين على الرسالة الإعلامية، أن يتم تقديم صور ضخمة تجعل المشاهد في قلب الحدث مع الصحافيين وهم يحاولون تجنب الحجارة التي يتم تقاذفها عن أن يتم شرح أبعاد هذا الصراع، وهو الأمر الذي يمكن القول بأنه تم التعبير عنه عربيا، وإن بصورة كاريكاتورية، من خلال الفيلم المصري «جاءنا البيان التالي».

ورغم عمومية هذا السبب إلا أن الدراسة تشير إلى نماذج محددة تكشف عن وجود نوع من التعمد في الانحياز لوجهة النظر الإسرائيلية. ورغم ان غوص الدراسة في متابعة تفاصيل ودقائق التغطية الإخبارية قد يبدو للقارئ غير المتخصص مملاً بعض الشيء، إلا أنها تقدم من جانب أخر جوانب تبدو بالغة الأهمية،

وبشكل قد يبدو مشوقا أحيانا لمن يريد متابعة ورصد مثل هذا النوع من الأعمال التي تكشف دقائق ومفارقات العمل الصحفي - وهو هنا يشمل التلفزيون وليس فقط الصحافة المكتوبة حسب التصور السائد في عالمنا العربي - الأمر الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى حد تقديم مواقف أو رؤى تتسم بالتناقض والازدواجية.

ورغم ان الدراسة تخصص جزءا لتناول تحليل تغطية القنوات محل البحث وجزءا آخر يتعلق باتجاهات المشاهدين تجاه الصراع بناء على متابعتهم لتطوراته على شاشات التلفزيون، إلا أنها تحاول المزج في حدود الممكن بين النتائج التي يتم التوصل إليها بما يمكن القارئ من الربط بين تأثير التغطية التلفزيونية على المشاهد حيث تقدم في سياق تناولها لكل جزء ما يعزز النتيجة التي تصل إليها بالإشارة إلى النتائج التي تم التوصل إليها في سياق الجزء الآخر.

وإذا كان لذلك من سلبية تتمثل في وجود نوع من التداخل بين أجزاء الدراسة إلا أنه ليس بالشكل الذي يؤدي إلى التكرار، فضلا عن كون هذا الأسلوب يفيد القارئ في التأكيد على النتائج التي تريد التوصل إليه عمليا من خلال الربط بين نمط التغطية وتوجهات المشاهدين.

وفي محاولة لتقديم صورة شاملة بشأن الصراع وحتى لا تقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه التغطية التلفزيونية تحاول الدراسة تقديم رؤية عامة تلخص مجمل تطورات قضية الصراع العربي مع إسرائيل في مظهره الفلسطيني، تمثل مدخلا لإعداد القارئ لمتابعة موضوعه المتمثل في التغطية التلفزيونية للانتفاضة الفلسطينية الثانية منذ اندلاعها في سبتمبر عام 2000.

ويشير جريج فيلو ومايك بيري في هذا الخصوص إلى أن الحديث بشأن أسباب الانتفاضة من قبل الأطراف المختلفة معقد ومثير للجدل، وهو الأمر الذي يمكن أن يبدو واضحا وملحوظا حسبما يقرران إذا نظرنا إلى القضايا الرئيسية للصراع مثل جذور قضية اللاجئين وتاريخها. وهنا يعرضان لهذه القضية مشيرين إلى أن الفلسطينيين تم طردهم من أرضهم مع قيام دولة إسرائيل عام 1948 وتختلف التقارير التي تتناول هذا الجانب، وعلى هذا الأساس يعرض الباحثان لمختلف الرؤى التي تقدم في هذا الشأن.

ووفقا لهما فإن إسرائيل ظلت طوال سنوات تزعم أن الفلسطينيين إنما فروا خلال القتال عام 1948 أو أنهم أمروا بالرحيل من قبل قادتهم. وقد قدم المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم حديثا تقريرا دعمه بالوثائق يشير إلى أن معظم هؤلاء إنما أجبروا على الرحيل أو بمعنى أخر طردوا وأن الأعمال العسكرية على المناطق المدنية بدأت قبل فترة من إندلاع أعمال الحرب التي نشبت إثر اعلان قيام إسرائيل في 15 مايو 1948، وحسبما يشير شلايم في موضع آخر فإنها تمت في أبريل من ذلك العام.

وقد أشار إلى أن القوات العسكرية والتي أصبحت نواة الجيش فيما بعد شنت هجوما كبيرا تم خلاله تدمير القرى العربية وإجبار المدنيين على الرحيل. وكان السبب وراء ذلك هو القضاء على أية عناصر عربية معادية يمكن أن تبقى قائمة في الدولة العبرية في ضوء الرغبة في قيام دولة إسرائيلية لا تضم بين جنباتها سوى العنصر إليهودي.

* دايان.. وكراهية العرب

يشير آفي شلايم، والذي تقتبس الدراسة منه الكثير من الإشارات إلى تاريخ الصراع، إلى أن عملية طرد الفلسطينيين ونتائجها أمر تم الاعتراف به من قبل قادة إسرائيليين مثل موشيه دايان أحد قادة إسرائيل البارزين سياسيا وعسكريا حيث راح يتساءل عام 1955 في جنازة أحد الإسرائيليين قتل على يد عربي عن السبب الذي يجعل الإسرائيليين يشتكون من كراهية العرب الشديدة لهم في فلسطين مشيراً إلى أن ذلك يعد وفقا له مبررا كافياً

مضيفًا: لمدة ثمانية أعوام وهم - الفلسطينيون - يجلسون في مخيماتهم التي لجأوا إليها في غزة، فيما نحن نستولي وعلى مرأى منهم على أرضهم وقراهم التي عاشوا فيها هم وأجدادهم.أما بالنسبة للرؤية الفلسطينية فهي تتمثل في أنهم بالفعل تم طردهم من أراضيهم في عام 1948وقد كان عليهم حينئذ العيش كلاجئين في أقطار مثل لبنان وسوريا والأردن وفي الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد تبع ذلك سلسلة من المواجهات في أوقات مختلفة شملت حروبا بين إسرائيل وجاراتها العرب. وقد كان الفصل الرئيسي من بين مجمل هذه التطورات ذلك الذي وقع عام 1967 خلال حرب الأيام الستة والتي استطاعت إسرائيل خلالها احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية والتي كانت تخضع للإدارة الأردنية، وقطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية ومرتفعات الجولان( فضلا عن سيناء وهو ما لم تشر إليه الدراسة).

وأدت هذه الحرب إلى تشريد المزيد من الفلسطينيين وإلى احتلال قضية القدس مرتبة رئيسية في الصراع في ضوء مكانتها لدى الطرفين. كما أقامت إسرائيل أيضا مستوطنات في الأراضي التي احتلتها في غزة والضفة وقامت باستغلال مواردها المائية وسيطرت بششكل جزئي على تلك الموارد.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأفعال القائمة على الاحتلال واستغلال مثل هذه الموارد تعد بمثابة انتهاك للقانون الدولي ولهذا السبب فإن الصحف في بريطانيا مثل الغارديان تشير بشكل روتيني إلى المستوطنات الإسرائيلية على أنها غير شرعية، وهو الأمر الذي اصبح يعكس أيضا وجهة نظر الحكومة البريطانية،

ففي عام 1997 أشار مالكوم ريفكند، وزير الخارجية في حكومة المحافظين إلى بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة في القدس الشرقية على النحو التالي: إن البدء في البناء لا يمكن سوى أن يضر بعملية السلام.. ومثل كل المستوطنات فإن مثل هذه العملية غير قانونية أو شرعية.

وكما ذهب آفي شلايم، فإن هذه المستوطنات تعد أكثر من مجرد بيوت أو منازل يتم بناؤها أو مزارع وإنما هي جزء من سياسة منظمة من أجل إحكام السيطرة على هذه المناطق وفرض واقع جديد عليها.أما في داخل إسرائيل فإنه يوجد انقسام بشأن سياسة الاحتلال والاستيطان، فبينما يطالب بإعادة الأراضي المحتلة إلى الفلسطينيين في إطار اتفاق سلام نهائي بين الطرفين فإن الكثيرين في إسرائيل يدافعون عن الاحتلال منطلقين في ذلك من رؤى ومزاعم دينية قائمة على التوراة بشأن الأرض والقدس.

ويؤكد هذا الفريق الأخير أيضا على أن احتياجات إسرائيل الأمنية إنما يمكن تحقيقها فقط من خلال توسيع نطاق حدودها، وهو الأمر الذي عكست فلسفته قيام إسرائيل في عام 1982 بضم جزء من جنوب لبنان وإلحاقه بسيطرتها كمنطقة عازلة أو أمنية. غير أن هذا العمل أدى إلى توسيع نطاق الصراع مع ميليشيا حزب الله في لبنان وهو الأمر الذي انتهى إلى انسحاب إسرائيل في عام 2000 بعد أن عانت من خسائر كبيرة.

أما على صعيد تطورات الصراع مع الفلسطينيين فقد شهدت فيما بعد، وقوع انتفاضتين في 1987 وفي عام 2000.وفي الفترة الواقعة بين الانتفاضتين كان هناك محاولات للسلام تقودها الولايات المتحدة وعلى رأسها اتفاقات أوسلو في 1993 و1995 واتفاق واي ريفر في 1998.

وقد أدى ذلك على أرض الواقع إلى حصول الفلسطينيين على الحكم الذاتي في أجزاء من الضفة الغربية وغزة. في ذات الوقت الذي واصل فيه الجيش الإسرائيلي سيطرته على الطرق والانتقال وإغلاق المناطق الفلسطينية ما أدى إلى إحكام قبضته على حركة الاقتصاد الفلسطيني. كما واصل أيضاً السيطرة على موارد المياه واستغلالها وكذلك المحافظة على وجود عسكري وأمني واسع.