تلبيب إسماعيل حرمتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية من الالتحاق بالتعليم العام، إلا أن حبها للعلم ورغبتها القوية في تحصيل المعرفة ظلت كامنة في أعماقها لم تستطع الأجواء السلبية المحيطة بها أن تنزع عنها رغبتها أو تقتل فيها إرادتها، فقد استطاعت أن تقهر هذه الأجواء وتنتصر لإرادتها.

قررت الالتحاق بمراكز تعليم الكبار ولم تكتف تلبيب بأن تكون وحدها على مقعد الدراسة بل قررت اصطحاب أمها لتكون معها على المقعد نفسه بالرغم من عمرها المديد لتحقق لها رغبتها في الانتقال من عالم الظلام إلى النور الذي ظل يراودها على مدار عقود من الزمان، إلا أن الأوضاع آن ذاك لم تكن كفيلة بأن تحقق لها هذا الحلم مثلما حالت الظروف نفسها دون التحاق ابنتها بالتعليم.

«الجيل» التقى تلبيب وأمها بعدما وجدهما جنباً إلى جنب على مقعد الدراسة في ظاهرة فريدة من نوعها تؤكد مدى التلاحم بينهما والإصرار على تعويض ما فاتهما، حيث تقول تلبيب: إن حبي للدراسة ورغبتي في أن أكون معلمة لم تقتلهما السنين والأيام رغم عدم قدرتي على الالتحاق بالتعليم العام نتيجة للظروف التي ألمت بالعائلة حيث لم يكن لدينا أوراق ثبوتية في ذلك الوقت، وكانت ظروفنا الاجتماعية والاقتصادية لا تسمح بالالتحاق بالتعليم وعندما تغيرت هذه الظروف قررت أنا ووالدتي الالتحاق فوراً بمركز تعليم الكبار لتعويض ما فاتنا.

وتواصل قائلة: إنني أبذل جهداً كبيراً ليس من أجل النجاح فقط وإنما من أجل التفوق والتميز حتى استطعت الحصول على جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز خلال السنة الدراسية رغم أنني ما زلت أدرس في المراحل الدراسية الأولى «الثاني التكميلي» وسوف أستمر في دراستي بالقوة والتفوق نفسيهما لتحقيق أحلامي في الالتحاق بالجامعة وأصبح معلمة حتى أستطيع مساعدة من فاتهن الالتحاق بالتعليم بعد أن حرمت من السير في تحقيق هذا الحلم لسنوات طويلة.

تبحث عن وظيفة

وبالرغم من تفوقها الدراسي إلا أن تلبيب تبذل جهداً من نوع آخر في سبيل الحصول على وظيفة من أجل مساعدة أسرتها حيث تجد نفسها مسؤولة عنها باعتبارها الأكبر سناً.

أما أمها فتقول إنها كانت تحلم بأن تربي أولادها بطريقة صحيحة عمادها العلم والمعرفة وتساعدهم في الحصول على تحصيل دروسهم إضافة إلى حفظ القرآن الكريم، إلا أن عدم التحاقها بالتعليم حال دون تحقيق هذا الحلم الذي لم يذبل يوماً من الأيام بل كان يتوهج أكثر وأكثر مع مرور الوقت، فقررت أن تكون بجانب ابنتها تلبيب في فصول مراكز تعليم الكبار من أجل تعويض ما فاتها من تربية أحفادها بالشكل الذي كانت تحلم به دائماً على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي تجدها في تحصيل الدروس إلا أنها تعد على مواصلة التعليم حيث تتطلع إلى المزيد من العلم والمعرفة بأنواعها كافة.

ولم تكتف تلبيب وأمها بأن يجمعهما مقعد واحد وفصل دراسي واحد في مراكز تعليم الكبار بل تقومان بمذاكرة الدروس سوياً وتقول تلبيب إنها تحرص على تشجيع أمها على المذاكرة وتأخذ بيدها نظراً لتقدمها في العمر مما يصعب عليها الإلمام بالدروس إلا أن إرادتها دائماً تتفوق على هذه الصعوبات.

موهوبون بلا دعم

وقالت فاطمة المالك مديرة مركز قرطبة لتعليم الكبار: ان تلبيب وأمها حاولتا اقتناص الفرصة بعدما فاتهن قطار التعليم العام ولم يستطعن اللحاق به نتيجة للظروف التي مرت بهن مثلهن في ذلك مثل كثير من النساء والرجال على حد سواء إلا أن الغريب في هذه الحالة هو حرصهما المشترك على مواصلة الدراسة ومساعدة كل منهن للأخرى، مشيرة إلى أن تلبيب من الدارسات المتفوقات بالمركز وتأمل مواصلة تعليمها حتى النهاية لتحقيق أحلامها وطموحاتها كما استطاعت بإرادتها أن تحصل على أهم جائزة في الميدان التربوي وهي جائزة حمدان بن راشد.

وأكدت أن المركز يحرص على تقديم الدعم اللازم لكافة الدارسين على الرغم من عدم وجود ميزانية حيث تعتبر الجهود الذاتية وتبرعات العاملين والغيورين على خدمة وطنهم وأبنائهم مصدر الدخل الوحيد للمركز لتلبية الاحتياجات التي تتطلبها العملية التعليمية داعية وزارة التربية والتعليم لتخصيص ميزانية للمراكز حتى تتمكن من رعاية الموهوبين والمتفوقين أسوة بما هو معمول به في التعليم العام،

لا سيما أن عدداً كبيراً منهم حاصل على جوائز عديدة من بينها جائزة حمدان بن راشد للتفوق العلمي، كما أن رغبة الدارسين في تعليم الكبار لا تقل رغبة عن دارسي التعليم العام إضافة إلى حقهم القانوني في التعليم وفقاً لما تنص عليه قوانين الدولة.

رمضان العباسي