تعد مسألة تقويم الأداء في العملية التعليمية من أكثر القضايا التي تشغل حيزا كبيرا من اهتمام الباحثين التربويين والتعليميين في العالم وذلك في ضوء أثرها البالغ في سير العملية التعليمية بشكل عام. والتقويم الذي عادة ما يتناوله الباحثون لا يشمل الطلاب فحسب وإنما يستهدف بشكل رئيسي أيضا أداء المعلمين والقائمين على المنظومة الدراسية في أي بلد.
يقول الباحث التربوي توماس إيه أنجيلو، الذي له مؤلفات عديدة تتناول القضايا التعليمية بمختلف أبعادها، إن أصحاب النظريات التعليمية المختلفة بدأوا منذ عقد التسعينات من القرن الماضي البحث عن إجابات لسؤالين جوهريين. أما الأول فهو كيف يمكن للطلاب التعلم بشكل جيد؟ والثاني هو كيف يمكن للمعلمين التدريس بشكل فعال ومثمر؟
و يشير الباحث في دراسة له أوردها في أحد كتبه بعنوان: « تقنيات تقويم أداء الفصول الدراسية» إلى أن الأبحاث التي تقوم بها الجهات المعنية في هذا الشأن تتناول بشكل مباشر معظم المخاوف المرتبطة بالارتقاء بالعملية التربوية والتدريس بشكل أكثر فعالية. تقول الدراسة إن تلك الأساليب التقويمية تهدف في المقام الأول إلى تشجيع مدرسي الجامعات على تبني أساليب أكثر تنظيما وارتباطا بنوعية الطلاب الذين يخاطبونهم داخل الفصل الدراسي تجعلهم شديدي الحساسية والاستجابة لاحتياجات الطلبة في إطار التعامل اليومي معهم.
إن الجامعات، بحسب الدراسة، تملك فرصة استثنائية لاستخدام فصولها الدراسية كمعامل تحليل لدراسة عملية التعلم بشكل دقيق وتطوير تفهم أفضل للعملية التعليمية وأثر أنشطة الجامعة في هذا الصدد. ومن هنا يأتي دور الوحدات القائمة على تقويم العملية التعليمية بعنصريها الرئيسيين المعلم والطالب لتمد الجامعات بمعلومات وبيانات تقويمية لأدائها تبين مدى فعالية قيامها بالرسالة التعليمية وتُعرف الطلبة بمدى التطور الذي يحققونه في إطار دورهم كمتعلمين.
وتضيف الدراسة أنه في ضوء أن تلك المعامل التقويمية تتكون بشكل رئيسي من المدرسين في الجامعات بجانب مجموعة من الخبراء والتربويين فإن فرصة تطبيق المعايير التي تستخدم في العملية التقويمية داخل الفصول الدراسية هي فرصة عالية للغاية ويجب أن يوصى بها بشدة من جانب الجامعات وذلك من أجل تعريف الطلاب بتلك الأساليب بشكل مباشر وبالتالي تحويلهم إلى أدوات فاعلة في العملية التقويمية.
يقول أنجلو إنه من خلال الملاحظة القريبة والحثيثة والمنتظمة للطلاب، فإن المدرسين وإدارة المؤسسة التعليمية المعنية يكتسبون قدرا أكبر من المعرفة بشأن القدرة التحصيلية لهؤلاء الطلاب وكيفية أدائهم في العملية التعليمية واستجاباتهم لطرق التدريس ومن ثم تكون لدى تلك الجهات القدرة على تطوير الأداء من خلال تطوير المناهج في المقام الأول والارتقاء بمستوى الطلبة بالشكل المناسب الذي يخدم العملية التعليمية بشكل عام.
وتشير الدراسة إلى أن مدرسي الكليات الذين يفترضون أن طلابهم يفهمون بالقدر المطلوب ما يتم تدريسه لهم عادة ما يصابون بالإحباط عندما يجدون أن نتائج الاختبارات التي يضعونها تأتي بشكل مخالف تماما لتوقعاتهم. فالذي يحدث غالبا هو أن الطلبة لا يتعلمون بالقدر المتوقع. فهناك فجوات بين ما يتم تدريسه وما يتم تعلمه، وأحيانا تكون تلك الفجوات عميقة وتتطلب تعاملاً من نوع خاص. وحالما تدرك الكلية تلك الفجوات يكون غالبا قد فات الأوان لعلاج المشكلة.
و لذا فإنه من أجل تجنب تلك المفاجآت غير السارة فإن الكلية والطلبة في حاجة ماسة إلى تبني أساليب جديدة في التعامل مع العملية التعليمية على امتداد الفصل الدراسي. وإذا أردنا مزيداً من التحديد في هذا الصدد، بحسب الدراسة، فإن المدرسين في حاجة إلى تدفق متواصل من المعلومات الدقيقة الخاصة بمدى التقدم الذي يحرزه الطلاب في عملية التعلم.
على سبيل المثال فإنه إذا كان هدف المدرس مساعدة الطلبة على تعليم نقاط منهجية معينة تبدأ مثلا من النقطة « أ» إلى النقطة «ه» فإنه يتعين عليه أولا أن يضمن أن جميع الطلاب الذين يخاطبهم بالفعل مشتركون في الحد الأدنى من المعرفة التي تسمح لهم بالبدء من النقطة « أ»، وذلك لأنه إذا كان هناك من هو خلاف ذلك فإنه سيكون هناك طلبة غير قادرين على المتابعة والاندماج وسط المجموعة.
وتضيف الدراسة أنه من أجل تحقيق عملية تعليمية جيدة تفرز النتائج المرجوة اقتصادياً واجتماعياً، فإنه لا يمكن الاكتفاء باختبار الطلاب عند الانتهاء من مرحلة معينة من المنهج. فعملية التقدير داخل الفصل الدراسي تُعتبر من الأدوات المهمة اللازمة للوقوف على مدى استيعاب الطلبة لما يجري تدريسه لهم وذلك في ضوء حقيقة أن الاختبارات في أحيان كثيرة لا تكون معبرة بالقدر الكافي أو الصحيح لحالة الطالب وبالتالي تبيان ما إذا كان ما يجري تدريسه كافيا من ناحية الكم والكيف أم لا.
ومن شأن تلك العمليات التقويمية المتواصلة أن تطور من مستوى الطالب على عدة أصعدة منها الثقة بالنفس والتوجه الفكري. وبشكل عام فإن الغرض من التقويم داخل الفصل الدراسي هو تمكين كل من المدرسين والطلبة من تحسين جودة عملية التعلم داخل الفصل الدراسي.
و توضح الدراسة أن هناك سبعة افتراضات رئيسية تقوم عليها عملية التقويم السليم داخل الفصل الدراسي:
1 ـ أن تكون جودة عملية التعلم التي يقوم بها الطالب مرتبطة بجودة العملية التدريسية التي يتلقاها. ولهذا فإن أفضل وسيلة لتحسين عملية التعلم هي تحسين منظومة التدريس في الأساس.
2 ـ كي يتم تحسين فعالية أدائهم، فإن المدرسين في حاجة أولا لأن يحددوا أهدافهم بشكل واضح وعام ثم يأخذوا في تلقي ردود الأفعال على ما يحققونه من أهداف.
3 ـ يحتاج الطلبة إلى تلقي ردود أفعال مبكرة على أدائهم وكذلك يحتاجون إلى تعلم كيفية تقويم أدائهم التعليمي.
4 ـ أنسب أساليب التقويم التي من شأنها تحسين الآلية التدريسية والتعليمية هي تلك التي تُنفذ من قبل الكلية بغية الإجابة عن أسئلة قامت تلك الكليات بصياغتها بأنفسها وتخص القضايا والمشكلات التي يقابلونها في العملية التدريسية.
5 ـ التحديات الفكرية والاستفسارات المنتظمة تعد كلها مصادر تحفيز قوية للأداء سواء للطلبة أو للمدرسين.
6 ـ التقويم الفصلي لا يتطلب تدريبا تخصصيا، إذ يمكن القيام به من قبل مدرسين متفرغين من مختلف المجالات والعلوم.
7 ـ إشراك الطلبة في العملية التقويمية يزيد من ثقتهم في أنفسهم ويصقل قدراتهم التعليمية.
وتخلص الدراسة إلى أن للعملية التقويمية فوائد جمة يمكن تلخيصها في الآتي:
ـ التقويم يساعد المدرسين على تطوير علاقات عميقة مع الطلبة لا تنحصر داخل الفصل الدراسي.
ـ التقويم يساعد الطالب على معرفة قدر نفسه وتجنب الثقة الزائدة.
ـ التقويم المنهجي السليم يساعد على ارتباط الطالب بالحياة العملية وعدم الاقتصار على النواحي النظرية فحسب.
ـ التقويم الجيد يساعد المدرسين على وضع خطط مستقبلية فعالة تخدم احتياجات الطلبة والمنظومة التعليمية برمتها.
حاتم حسين

