محمد راشد الشحي مواطن يعشق تراب بلده الطيب، يهوى صعود القمم والجبال فارتقى العديد من المناصب الإدارية المهمة، ولايزال يحتفظ بمكان في مقاعد الدراسات العليا، سنوات عمره هي سنوات دولة الاتحاد، يجسد من خلالها قصة نجاح وتميز تتشكل خيوطها من بريق الحاضر وأمل المستقبل.

ضيفنا يفخر بالنهضة والتطور اللذين وصلت إليهما بلده الإمارات، يؤمن بمقولة المغفور له الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بأن من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل «فتراثها الجميل هو ينبوع الثقافة والأصالة الذي يغذي وعينا القومي، يحافظ على عادات وتقاليد أهلها العربية الإسلامية الأصيلة، يجتهد ليشارك بفاعلية في مسيرة التنمية الوطنية كأحد الأبناء الأبرار لهذا البلد المعطاء.

في أول لقاء مع محمد راشد الشحي نائب مدير المنطقة الطبية في رأس الخيمة بعد توليه منصبه الجديد منذ بضعة أشهر وحاليا مكلف بإدارة المنطقة الطبية في رأس الخيمة بالإنابة، يتذكر معنا طفولته ومراحل شبابه التي يعيش أحلى أيامها. نتعرف عليها من خلال وهج ذاكرته الذي لا ينطفئ.

ابن الاتحاد

بدأ محمد راشد حديث ذكرياته مفتخرا بأنه أحد أبناء الاتحاد لما وصل إليه وطنه حيث جعل من الحلم حقيقة ملموسة يعيشها كل مواطن ومقيم على هذه الأرض الغالية الطيبة، لما وصلت إليه دولتنا الفتية من تقدم وازدهار ورقي في مختلف المجالات وعلى جميع الأصعدة بفضل جهود والدنا المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات،

معاهدا ببذل العطاء المتجدد والولاء والإخلاص الدائم لمن ثبت جذور شجرة الاتحاد الوارفة بقوة في الأرض حتى أثمرت الرخاء ورغد العيش الذي نعيش فيه، وادعوا الله عز وجل أن يحفظ لنا وطننا الغالي ومقدراته، وان يوفق أبناء الدولة في المحافظة على تلك المقدرات، والاجتهاد في المشاركة الايجابية في مسيرة التنمية الشاملة ورفعة شأنه، في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه.

من شب على شيء

يقتنع «أبو سيف» بالمثل القائل «من شب على شيء شاب عليه» فقد عوده الأهل منذ نعومة اظفاره على تحمل المسؤولية وقال: لم اشعر في صغري أنني أعيش مرحلة الطفولة مثل باقي الأطفال فدائما كان الوالد جزاه الله خيرا يغرس فيّ شيم الرجولة ومعانيها، ويحثني دائما على التصرف مثل الكبار،

وإذا فعلت شيئا على غير رغبته يقول «ليش تتصرف تشي هذي أفعال يهال مو رياييل» مما زرع بداخلي أنني رجل صغير واكبر ممن هم في مثل سني ولابد ان أتحمل أعباء أي مسؤولية تلقى علي، والحمد لله كنت عند حسن ظنهم بي دائما، وفي رأيي ان طريقة تربيتهم لي نموذجية، لان هذا في حد ذاته ساهم في تكوين شخصيتي وصقلها، وجعلني جادا في التعامل مع مختلف الأمور وأحسن طرق حل المشكلات واتخاذ القرارات وتفادي الصعوبات في محيط الأسرة والعمل.

وأتمنى ان يستوعب الآباء اليوم مدى أهمية تعليم الأبناء الثقة في النفس وتحمل المسوؤلية، وحقيقة فأنا اتبع نفس أسلوب التربية مع أبنائي ليشبوا رجالا قادرين على اتخاذ القرار المناسب ويساهموا في خدمة وطنهم الغالي.

واستطرد قائلا: والدي كان دائما يردد علينا القول المأثور «لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن» وكذلك بيت الشعر القائل:

شاور سواك إذا نابتك نائبة

ولوكنت من أهل المشورات

فالعين ترى ما دنا ونأى

ولا ترى نفسها الا بمرآة

وذلك لغرس الصفات الحميدة فينا حيث دعانا إليها كتاب الله سبحانه وتعالى وسنه نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ومنها الامتناع عن الغيبة والنميمة وكذلك طلب المشورة من الآخرين عند حدوث أي حدث مهم أو نائبة لا قدر الله، وفي كل الأحوال السعي لإرضاء الله عز وجل.

وبالرغم من انه واحد من شباب اليوم الا انه يختلف عنهم، ورأيه فيهم ان بعضهم اتكاليون لا يتحملون المسؤولية، بل ويهربون منها.

هوايات شاقة

ويعشق «بو سيف» الهوايات الشاقة ومنها الصعود إلى قمم الجبال، ويحكي ذكرياته معها قائلا :

لقد مَن الله علينا بطبيعة ربانية خلابة ورائعة الجمال في الجبال فأحببت اكتشافها والتعرف إليها والاستمتاع بها خصوصا جبال الشحوح، لكن الطريق لصعود الجبل طريق شاق ويعتريه العديد من المخاطر، ومن الصعب ان يستمر فيه إلا من عرف كيف يتسلق ومتى يستريح والاهم هو تحديد الهدف، فوضع أهداف معينة مطلب ضروري لكل إنسان في حياته العلمية والعملية والاجتماعية والاقتصادية وبدونها يفشل، فالطريق لصعود الجبل شاق وقد تعلمت منه الصبر والمثابرة وتحديد الهدف.

وللأسف يجهل كثيرون طرق الاستمتاع بالطبيعة، ويقضون العطلات في الانشغال بالتسوق وقضاء أوقات كثيرة في المقاهي والأماكن غير المفيدة.

فرصة للتأمل

ويعتبر صيد السمك من هواياته المحببة إلى نفسه ويعتبرها خروجاً من روتين الحياة وفرصة للتأمل والتفكير، ويقول: أجد متعة كبيرة في قضاء أوقات طويلة في الصيد على شواطئ رأس الخيمة، استمتع بمنظر المياه الزرقاء وأغير روتين الحياة، ومن هواياتي المفضلة إلى نفسي أن أجلس أمام البحر لساعات طويلة بانتظار سمكة صغيرة قد لا تكون مكافئة للوقت لكن سعادتي بها اكبر من حجمها أو أخرى كبيرة «انا ورزقي»، وذلك لأنني اعتبر ان النجاح هو الوصول إلى الهدف والسعادة في شرف المحاولة.

ومن أفضل الأوقات للصيد عند المد وارتفاع منسوب مياه البحر حيث يحمل المد معه مجموعات كبيرة من الأسماك وعند الجزر تصعب عودتها بالسرعة نفسها التي جاءت بها فيسهل اصطيادها بما في السنارة من طعم.

وأتذكر الآن موقفا طريفا حدث لي خلال إحدى رحلاتي في الصيد، وكنت جالسا على احد الشواطئ الصخرية اصطاد وخلفي «حفرة» وكان رزقي يومها وفيرا فقد رزقني الله بأكثر من 10 سمكات متوسطة الحجم والحمد لله، وكل ما اصطاد سمكة ارميها خلفي في الحفرة، وفجأة حدث مد مائي عالٍ جدا وسريع، وعندما نظرت خلفي لم أجد ولا سمكة واحدة، فقد فضلت الأسماك العودة إلى البحر مع المد بدلا من البقاء عندي وهذا علمني ان الإنسان لن يأخذ غير نصيبه فالأرزاق مقدرة.

عموما فهواية الصيد تعلم الحكمة وطول البال وتمنحني مسافة زمنية تساعدني على الغوص في بحر التفكير وإعادة ترتيب الأمور.

تراث الأجداد

ويلفت محمد راشد النظر إلى ضرورة المحافظة على تراث الأجداد ويقول:خلال الفترة الأخيرة اهتم كثير من المواطنين بإحياء الأهازيج الشعبية بقوالب حديثة، وقامت بعض الفرق من الشباب بعمل شرائط كاسيت تباع في الأسواق وعليها إقبال كبير، يستمع إليها كثيرون بدلا من الأغاني الهابطة التي تغمرنا من خلال موجات الإذاعة وعبر شاشات التلفزيون،

وهذا شيء جميل لأنهم احيوا الأهازيج الشعبية بما يتماشى مع العصر، لذا كانت الفنون الشعبية وما يرتبط بها أو ما تسجله من عادات وتقاليد من الملامح المميزة للتراث الحضاري للمجتمع. ومن الأشياء الرائعة أيضا ان بعض المواطنين قاموا بعمل متاحف شخصية في بيوتهم خاصة بالتراث للمحافظة عليه من الاندثار بالرغم من أنها تكلفهم مبالغ طائلة، لكن حرصهم ووعيهم ان المحافظة على التراث لا يقدر بمال فهم يبذلون كل جهودهم في سبيل ذلك، وهذا يدل على ان تراثنا الشعبي هو ينبوع الثقافة والأصالة الذي يغذي وعينا القومي.

زمان.. والآن

ويرجع محمد راشد بذاكرته إلى أيام تعليمه زمان.. حيث قضى المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدرسة سعيد بن جبير، مؤكدا إقبال المواطنين على التعليم في هذه الفترة وكان عدد طلاب الفصل آنذاك حوالي 20 طالباً، ولم تكن هناك كثافة طلابية في الفصول كما نسمع حاليا، والطلاب ملتزمون، ولديهم اهتمام كبير بالتعليم بالرغم من عدم وجود أي إمكانات أيامها، وكنا نحترم المعلم ونقدر مكانته، ولم تكن هناك المشاغبات والخلافات الموجودة حاليا بين الطالب والمعلم، ومن خلال تدريس المناهج القديمة تخرج في الدولة كبار المسؤولين حاليا في جميع المجالات سفراء ووزراء ومديرين.

وأود ان انوه هنا إلى ان التغيير إذا كان للأفضل فهو مطلوب، ولكن بما يتوافق مع ظروفنا البيئية وثقافتنا العربية الأصيلة وعاداتنا وتقاليدنا الإسلامية، ومن خبرتي مع أبنائي فقد وجدت ان المناهج الجديدة لا تراعي الفئة العمرية للأطفال الصغار، لأنها صعبة والمعلومات الموجودة فيها فعلا اكبر من سنهم، وتفتقر إلى التدريب على المهارات الأساسية في اللغة العربية،

وأتوجه إلى السادة المسؤولين مراعاة قدرات أطفال التعليم الأساسي وما يعانوه في فهم وتطبيق المناهج الجديدة التي لا تجد فيها طفلا متوسط المستوى ولكن اما متميزاً أو ضعيفا مع وجود وسائل التعليم الالكترونية الحديثة التي تسهل عمليتي التعليم والتعلم.

وفي معرض حديثه تذكر الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة لشبابها وقال: ما أود ان أشير إليه الدور الذي يقوم به صندوق الزواج في تشجيع زواج المواطنين من المواطنات وإزالة العقبات التي تواجههم، وتقديم المنح المالية لمواطني الدولة من ذوي الإمكانات المحدودة لإعانتهم على تحمل تكاليف الزواج، للحد من ظاهرة الزواج من أجنبيات والتوعية بآثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والمساهمة في تحقيق الاستقرار العائلي للمجتمع والقيام بحملات للتوعية الدينية والثقافية والاجتماعية والسلوكية

وذلك بالتنسيق مع الوزارات والجهات المختصة، وكذلك من خلال مسابقة الأسرة السعيدة في مدارس الدولة والتي لاقت إقبالاً كبيرا لتوعية الشباب والفتيات بفكرة إقامة الأعراس الجماعية التي تعد كخطوة أولية في الطريق الصحيح والتفهم من قبل أفراد المجتمع بمخاطر المغالاة في المهور وما يترتب عليها من سلبيات ومنها التأخر في الزواج وظاهرة العنوسة علاوة على الأمراض النفسية للشباب من هذه المعاناة، وبما يحقق الاستقرار والأمن والصلاح والذي تنعكس آثاره الايجابية على المجتمع بأكمله.

ويقول: في حياتي الشخصية اتخذت قرارين مهمين جدا أولهما ندمت عليه لأني أجلت استكمال دراسة الماجستير بعد انتهاء الجامعة مباشرة، وضاعت عليّ سنوات عدة، ولكني استدركت الأمر وحاليا في السنة الثانية للماجستير والله يعيني على استكمال رحلة الدراسة العليا.

أما القرار الثاني فكان قرارا صائبا 100% وهو قرار مرافقتي لشقيقتي الكبرى رحمها الله في رحلتها إلى الخارج للعلاج من المرض اللعين، وقد صاحبتها طوال الرحلة التي استمرت لمدة سنة تقريبا في ألمانيا منذ اكتشاف المرض، وكانت رحمها الله من المقربات إلى نفسي، وأدعو الله لها ولأموات المسلمين بالرحمة والمغفرة.

نجلاء سعد الدين