الطفرة الثقافية التي حدثت في مجتمعنا نتيجة لتعدد الجنسيات المقيمة على أرض الدولة لم تترك بيتاً إلا ودخلته محدثة تغييرات متفاوتة أثرت بشكل مباشر على التوجهات الفكرية والثقافية والسياسية لأبناء المجتمع، لا سيما فئة الطلبة الشباب باعتبارهم الأكثر احتكاكاً مع أطياف الثقافة المختلفة والأرض البكر لكل فكر وتوجه جديد.
أمام التأثيرات المختلفة لهذه الظاهرة والتحديات الجمة نحن مدعوون لإعادة النظر في تعاملنا مع الآخر وأخذ الصالح والمفيد من ثقافته، لأن ما لدينا على الرغم من التراجع الذي شهده ما زال قادراً على استيعاب كل ما هو جديد بل لعل من أسرار قوة حضارتنا أنها تستوعب الآخر وتتعامل معه بروحها ورؤيتها.
ينظر سالم القصير نائب مدير الجامعة الأميركية في الشارقة إلى التنوع الحضاري والثقافي بإيجابياته المتمثلة بداية في كون مثل هذه التجمعات سواء أكانت في الدولة ككل أو في الجامعة الأميركية في الشارقة بوجه خاص نظراً لاحتضانها أكثر من سبعين جنسية من مختلف دول العالم نموذجاً يحتذى في التسامح وإمكانية التعايش السلمي بين البشر على اختلاف أعراقهم،
كما يرى أن هذه التجربة الغنية التي توفرها الجامعة لطلبتها تسهم في جعلهم عناصر أمل في عالم مضطرب. ففي الوقت الذي يبدو فيه المجتمع البشري منقسماً بشكل مأسوي ومعرض للصراعات التي لا نهاية لها يمكن لطلبة الجامعة الأميركية من خلال معايشتهم لتجربة الحياة الجامعية متعددة الثقافات أن يكونوا واثقين بأنه يمكن للأشخاص المختلفين العيش والعمل معاً بشكل بنّاء وباحترام متبادل مبني على التعارف وليس على الصور النمطية لمختلف شعوب العالم.
عزلة تامة
الطالبة منار محمد من الجامعة الأميركية في الشارقة تشجع تلاقح الثقافات وتمازجها، إلا أنها تدعو في الوقت ذاته إلى أخذ ما يتوافق مع مبادئ الدين الإسلامي. مؤكدة أنه يجب ألا يغيب عن بالنا التغيرات الهائلة التي طرأت على مستوى العلاقات بين الدول الداعية إلى مزيد من الانفتاح والتكامل بين الشعوب.
وذكرت أن المجتمع الجامعي كغيره من المجتمعات مدعو إما إلى الاندماج التدريجي مع ما يسمى بالنظام العالمي الجديد وإما التقوقع على النفس المفضي مع مضي الوقت إلى عزلة تامة وغرق في غياهب الجهل والتخلف.
يقول الطالب حسين عبد الرحمن من جامعة الشارقة «تعلمنا في حياتنا الجامعية أن التعايش مع الطلبة من جنسيات أخرى مطلب حتمي بل وضرورة ملحة تفتح آفاقاً واسعة للحوار حتى مع من يخالفنا في الفكر والتوجهات والمصالح».
وتبدي الطالبة شروق علي جاسم من كلية الشارقة التقنية امتعاضها من فكرة تمازج الثقافات، معللة ذلك ببروز جيل من الشباب العربي الذي يحمل فكراً مزدوجاً يخلط بين ثقافات عدة تعمل هذه الثقافات المتباينة على محو هويته الأصلية وجعلها عصية على المعرفة.
ويحمل إبراهيم الشيخ عبد الرحمن طالب في كلية الاتصال في جامعة الشارقة وجهة نظر مغايرة إذ يعتقد أن أغلب الطلبة الذين يدعون إلى الامتزاج بثقافات أخرى هم من المنتمين إلى ثقافات ضعيفة.
تفوق عرقي
مرغي سيلا طالب قادم من جنوب أفريقيا يتساءل مستغرباً كيف يجوز لنا ونحن في حالة انكسار وهوان الانفتاح على الجنسيات الأخرى التي كلما اقتربنا منها تذكرنا بتفوقها العرقي، مضيفاً أن ما تتيحه الجامعة من فرصة للتقارب بين الطلبة بغض النظر عن العرق واللون هو ظاهرة صحية ونادرة إلا أن الثقافات الأخرى خاصة تلك التي تنتمي إلى الدول الكبرى «من وجهة نظره» تأسست على مبدأ «نفي الآخر» والنظر باستعلاء وتكبر.
وتفجر الطالبة خولة سعيد الملا من جامعة الشارقة نقطة في غاية الأهمية حيث تعتقد أن إفرازات المجتمعات الأخرى ولدت ما يعرف بثقافة الهجين، التي لا هوية لصاحبها ولا مرجعية ثقافية، مشيرة إلى أن غياب الرقابة الأسرية عن الطالب الجامعي المحاط بثقافات مغايرة لثقافة أنتجت جيلاً لاهم له إلا التقليد والاندفاع نحو فخ ما يدعى بالتحرر دون ضوابط توجهه.
تعايش سلمي
يخالفها في الرأي الطالب محمد رحمة من قسم الهندسة المدنية حيث يرى أن تنوع جنسيات الطلبة ومشاريعهم المختلفة يعد عاملاً أساسياً في تعزيز فرص التعايش السلمي ورفض لهيمنة عنصر على آخر، مشدداً على أهمية أن يعي الطالب قيمة الاختلاف مع الآخرين والبدء بالخطوة الأولى خاصة أن لغة الحوار والتسامح هي من الأبجديات الأولى التي تعلمها المسلم من تعاليم دينه.
ويؤكد الطالب في جامعة الشارقة معاذ الطيلاني وهو من الجنسية العمانية أن التمازج والتعلم من الجنسيات الأخرى هي ميزة ينفرد بها طلبة الجامعات في الدولة ووسيلة تفضي بهم إلى إثراء مخزونهم المعرفي، لافتاً أنه لم يعد بمقدور أحد العيش منعزلاً أو إدعاء الحقيقة المطلقة.
يشاركه زميله نايف عيسى الشيخ الرأي فيقول التنوع الثري في جامعتنا يعرفنا بحضارات الطلبة وانتماءاتهم الثقافية المختلفة وهذا الأمر حسب رأيه أحد أهم إفرازات الاحتكاك الفكري بين الناس.
بنبرة تبعث على الحسرة يقول الطالب يوسف عبد العزيز من جامعة الشارقة إن حالة الإحباط العام التي تعتري الشباب العربي دفعتهم إلى الانخراط في المجتمعات الأخرى بل وفي كثير من الأحيان تصبح مصادقة طلبة من جنسيات كالأميركية والبريطانية مطمحاً مهماً لهم.
ولكن الإقرار بهذا الواقع، والحديث هنا ليوسف، لا يعني البقاء في هذه الحالة، بل ان الوعي يحتم على شريحة الطلبة «الفئة المثقفة» التحلي بالعزيمة من أجل استيعاب ما فات العرب بشكل واع ومدروس.
ـ هل يستطيع الطلبة تحقيق ما فشلت في تحقيقه الحكومات؟
يرد على ذلك الطالب إدوارد روث من الجامعة الأميركية في الشارقة حيث يعترف أن كل طالب يكاد ينغلق على ذاته إلى حد يغدو فيه الاختلاف اختلافاً جذرياً لا سبيل لتجاوزه وبدلاً من حوار إيجابي بناء مع الآخر يجد الطلبة أنفسهم في جو من التنافس تغلفه لغة التعصب والطائفية في مجتمع طالبي من المفترض أنه مجتمع واحد.
ويقول الطالب محمد عبد الله من جامعة الشارقة ان الثورة المعلوماتية خلقت نوعاً من التقارب في فكر الشباب ولشدة هذا التقارب بات من الممكن القول ان تمازج الثقافات بات أكثر سهولة وسرعة مشيراً إلى أن الأطياف المتعددة من الجنسيات والتعامل اليومي مع زملاء دراسة من دول مختلفة أسهمت في إكثار فرص الحوار الأمر الذي ترتب عليه وضع إحدى اللبنات الأساسية لحوار ديمقراطي وثيق الصلة بالثقافات العالمية.
صراع الحضارات
من جانبه يقول الطالب عمر حجاج من قسم الاتصال في جامعة الشارقة ان ثقافة الحوار والتمازج مع الآخر تنمو بالتدريج في المجتمع الجامعي نتيجة لكثرة الجنسيات وتداخلها مع بعضها البعض لتغدو في النهاية بالنسبة للطلبة خياراً ومطلباً ضرورياً معللاً ذلك بأن عالم الغد الآتي لا يمكن تشييده على خلفية صراع الحضارات.
ومن الثمار المرجوة من تنوع الجنسيات يرى محمود عصام القيشاوي طالب في جامعة الشارقة أن الإبداع لا يمكن له أن ينمو ويزدهر في بيئة مغلقة ومعزولة وإنما خصوبته في تعامل الأجناس المختلفة بعضها البعض، ويستطرد قائلاً ليس هناك من مجال لإنكار التطور التكنولوجي الذي وصلت إليه الدول الأوروبية، أما الإدعاء بالاكتفاء الحضاري العربي فهو أمر مرفوض لأن العالم بات في ظل ثورة المعلومات كقرية صغيرة لا تستطيع دولة أن تعيش بمعزل عن الأخرى.
وتفتخر سارة سميح من الجامعة ذاتها بالحضارة العربية الإسلامية مؤكدة أن زملاءها من الجنسية الأوروبية أصيبوا بالذهول نتيجة لما تحمله من مبادئ ومثل قيمة مشيرة إلى أن بعضهم اعترف بجهل الغرب حول ما تدين به الحضارة الغربية للعالم الإسلامي. مضيفة أن بعض الطلبة لا سيما الأميركيين منهم لا يعرفون أن العالم الإسلامي له تراث غني بل يتذكرون فقط أن المسلمين نشروا بسيوفهم الدين الإسلامي.
وتقول: لولا تعدد الجنسيات وإتاحة الفرصة لنا لحوار حر لبقيت الأفكار المشوهة والمغلوطة في أذهانهم.
نورا الأمير
محمد رحمة

