بلادنا زاخرة بكنوز الجمال والعطاء، وأغلى كنوزها إبداعات أبنائها ومواهبهم، ومبدعونا من أبنائنا الطلبة هم النخبة المتميزة في مجالات الحياة المختلفة من أدبية وفكرية وعلمية وغيرها وهم اللبنة القوية التي يرتكز عليها صرح المجتمع المنشود.
تقطعت القلوب ونزفت دماً، وسدت الدروب وما خلت، واشتدت الخطوب واستعرت، وهاجت العبرة وسالت، واضطربت العقول وجنت، بسبب كلمة بكت، والروح في قمة حزنها وألمها، تستغرب وجود مشاعر الكره والحقد بين الاخوة، ومصدومة من هروب الحب والاحترام طوال أعوام خلت.
اقترب علي من صورة أخيه صاحب المشاعر النائمة حمد، والدّمع يرسم مشاعر الحزن والأسى على وجهه، وأخذ يجهش بالبكاء وهو يحتضن الصورة ويحدثها، كأنه يحدث حمداً، لعلها تحس بمشاعره أكثر من أخيه، وطال الحديث المليء بدموع الشوق الى عودة أحاسيس أخيه من سباتها، والحرمان من مشاعر الأخوة، والألم من الفراق الذي طال به الزمن وهو يستعمر حياتهم.
انقضت تلك الليلة والصورة تنام بجانب عليّ، وهي مبتلة إما بدموع علي أو بدموعها! أطلت الشمس بنورها على غرفته وهو لا يزال نائماً جراء الإرهاق والتعب الذي سببه له أخوه .. فتح باب الغرفة واقترب مَنْ دخل الغرفة مِنْ علي، ونظرات الحقد تملأ عينيه، كان يحمل في يده كيساً غريب الهيئة، همّ بوضعه على المكتب الذي بقرب سرير علي، ثم أسرع بالخروج، ولكن أوقفه صوت علي.
علي: حمد! ماذا تفعل هنا؟!
حمد (يقترب من علي): لا شيء ..
علي (بكل هدوء): هل تريد شيئاً يا أخي؟!
حمد (بغضب): أنت لست بأخي .. لا يشرفني ان تكون أخي ..
علي (مصدوم): ما هذا الكلام الذي تتفوه به يا حمد؟
حمد: ما زلت لا اعتبرك أخي، ولا أتمنى حتى للحظة ان يكون هذا الشيء بيني وبينك ...
علي: لماذا؟! ألم يكفك ما سببته لي طوال السنوات التي مضت من ألم وأسى بسبب أفعالك التي لا أجد لها مسوغاً؟! أم أنك ما زلت تريد المزيد منها كي تشعر بالراحة؟!
حمد: عن أي ألم وأسى تتحدث؟! هذا يعد شيئاً قليلاً مما أريد، فأنت تستحق المزيد ولم تر شيئاً مني حتى الآن.
علي: عشر سنوات قضيتها معك، وأنا كلي أمل في ان تعود الى رشدك، ويستيقظ قلبك من سباته، أو لمْ يكفك؟! تحملت مضايقاتك، وأعمالك الشنيعة معي، وأنت لاتشعر بذرة إحساس من أحاسيسي التي تمنعني وبشدة أن اقترب منك، وأمسك بأقل درجة من السوء .. ولكن لا فائدة ترتجى منك، فقلبك ميت على الدوام، ولا اعتقد انه سيعود الى الحياة في يوم من الأيام!
حمد (يصفع علياًّ بكامل قوته): أنت الذي لا تحس بشيء، يا من سرق مني كل شيء أحبه .. أنا أكرهك كرهاً لا يوصف، وكل ما يحدث بسببك، فأنت تستحق الموت، وهذا الجزاء أيضاً لا يكفي كإدانة لمن ذقت بسببه أمرَّ عذاب، وأقسى ألم .. سأنتقم وسترى ما تستحق من جزاء يا .. (لا يكمل كلامه، ثم يخرج من الغرفة ويغلق الباب بكل قوته).
علي (تبدأ عيناه تغرقان وسط الدموع): آه يا رب .. لا أعلم ماذا أفعل؟! هذا أخي الوحيد وكل ما أملكه في هذه الدنيا بعد رحيل والدي عنّا .. أنا أحبّه، ولكنني لا أعرف ما الذي سيعيده الى رشده، فهو يكرهني منذ زمن طويل، واليوم اكتشف أنّه يكرهني ظناً منه أنني استوليت على كل ما يحب، ولكن لا أعلم ما الذي يقصده بالأشياء التي يحب! أعنّي يا الله عليه، وأنر قلبه بنور الهداية، وأبعد عنه وساوس الشيطان إنك أنت سميع عليم مجيب الدعوات يا رب العالمين.
(يزداد انهمار الدموع وهو يتضرع بالدعاء لأخيه ..)
بعد مرور ساعات من البكاء المتواصل، بدأ علي يسمع أصواتاً غريبة، وحركة في غرفته .. أثاره ما يحدث معه واتجه نحو مصدر الصوت والحركة، اقترب شيئاً فشيئاً، وبدأ بدنه يقشعر، ويتصبب عرقاً، وفجأة رأى عقرباً يندفع نحوه! ولحسن الحظ أنه تفاداه وابتعد عنه، وألقى عليه كرسياً كان بالقرب منه وتخلص منه!
علي (لنفسه): شيء غريب! ما الذي أتى بالعقرب لغرفتي؟! وهذه المنطقة يندر وجود العقارب فيها! هل يعقل ان يكون هو من فعلها؟! هل يعقل؟! خرج علي من غرفته متجهاً نحو غرفة حمد، ولكنه لم يجده هناك، فخرج باحثاً عنه في كل أرجاء البيت، ولم يجده أيضاً .. وكأنه فعل ما فعل وهرب!
صُدِم علي مراراً وتكراراً من حمد ولكن هل يعقل ان يصل الكره الى حد القتل؟!
يتجول حمد في سيارته من مكان لآخر، ويراقب الساعة كأنه ينتظر شيئا! طال الوقت وطالت مراقبة حمد لساعته، رسمت على وجهه علامات الدهشة والاستغراب وهو يتأكد مع مرور الوقت ان شيئاً لم يحصل.
حمد (لنفسه): هل يعقل انه لم يمت إلى الآن؟! اذا مات فستتصل الخادمة بي لتعلمني بالخبر، ولكني لا أرى شيئاً من هذا كله! يستحسن بي الذهاب الى المنزل حتى أتأكد.
بدأ حمد في الاقتراب من المنزل بعد فترة بسيطة من الإسراع إليه، واتضح له انه لم يحدث أي شيء من الذي يتمناه .. دخل المنزل، وهو يصرخ منادياً الخادمة.
حمد (يصرخ): وردة .. وردة .. أين أنت ياوردة؟
وردة (تركض): نعم يا سيدي .. ماذا تريد؟!
حمد: أين عليّ؟!
علي (يتكلم بشكل مفاجئ): علي لا يزال حياً يا أخي..
حمد (مصدوم): عليّ ... نعم .. ممم .... ما ... ماذا ... ماذا تقصد؟!
علي (غاضبا): بأيّ حق تضع العقرب في غرفتي؟! ما الذي ارتكبته في حقك لتفعل هذا بي؟! تكلم.
حمد: عمّ تتكلم؟! أنا لا افهم ما تقوله ..
علي (يقترب من حمد): بكل وقاحة تتهرب .. مللت السكوت والتسامح معك على اخطائك الفادحة التي ترتكبها .. فقد طفح بي الكيل يا حمد .. سترى منذ اليوم وجهاً جديداً لي لم يسبق لك معرفته . فأنت لا تستحق ما ضيّعته من اجلك في السنوات الماضية .. وحان الوقت لأصحح غلطتي.
حمد (مستهزئاً): وماذا ستفعل؟! هل ستقتلني مثلا؟
علي (يمسك حمداً من عروته بقوة): أجل يا أخي .. أجل .. إذا دعت الضرورة سأفعلها .. ولن ترى منّي أي تسامح بعد الآن ... ابتعد عن طريق وإلا لن تجد ما يسرك مني .. (يدفعه علي بكل قوته ويلقيه على الأرض)...
حمد (غاضباً): عليّ! الى أين أنت ذاهب؟! فأنا لم أنه كلامي بعد ..
ينهض حمد ويقترب من عليّ وتبدأ بينهما مشاجرة عنيفة، والخادمة لاتعرف ماذا تفعل، فهي لا تستطيع حتى إبعادهما عن بعضهما ..
علي: أيّها التافه ماذا تفعل؟! ألا تخاف ربك؟!
حمد: يجب ان أتخلص منك الآن .. انت لا تستحق الحياة .. لا تستحق الحياة!
علي: حمد .. أرجوك توقف .. توقف ..
حمد: لن أتوقف، ولن أترك الفرصة كي يتسنى لك الوقت لقتلي ..
علي (يتسمر في مكانه ويسقط فاقداً الوعي) : ...
وردة (تبكي): سيدي .. سيدي ..
وردة (لنفسها): سأطلب له سيارة الإسعاف قبل ان يموت ..
في الوقت الذي لا يزال فيه حمد يضرب علياً سيارة الإسعاف تتجه نحو منزلهما، وعندما طرق الباب لم يعرف حمد ماذا يفعل سوى ان يمثل دور البريء.
حمد: علي .. أخي .. أفق .. أرجوكم خذوه بسرعة قبل ان يموت .. آه ياربي .. أحفظه لي ورد له عافيته .. فأنا لا استغني عنه، وهو أقرب ما في هذا الوجود الكبير مني.
ظل علي أياماً متتالية في المستشفى ولكن أحداً لم يسأل عنه! وحمد لا يعرف ماذا سيفعل اذا ما وصل الى الشرطة خبر من علي عما حدث.
احتار حمد، ودارت أفكار كثيرة في عقله، والشيء الوحيد الذي حدثه قلبه بفعله هو دخول غرفة علي.
دخل الغرفة وهو يتأملها ركناً ركناً ، ثم جلس على سرير علي .. لفت نظره درج مفتوح في مكتب علي، فاتجه نحوه، لكي يشبع فضوله .. فتح الدرج وإذا به يجد أوراقاً قديمة نام عليها الغبار .. بدأ في قراءتها والتمعن بما فيها .. وبينما هو يقرأ فيها سقطت من عينيه دمعة ألم .. دمعة ندم .. دمعة هم طواها الزمن .. وبدأت الدموع بالجريان وهو لا يحس بها إطلاقا .. طالت قراءته لما في الأوراق من كتابات . وبعد انتهائه انطلق مسرعاً الي المستشفى باحثاً عن علي ..
وبعد برهة وصل الى غرفة علي ودخلها ..
حمد (خائفاً ومرتجفا): علي .. علي ..
علي (يجلس بالقرب من النافذة ويفكر): ...
حمد (تسيل دمعة من عينيه): علي . أرجوك رد علي ..
علي (ينتبه لوجود حمد في الغرفة): من ؟! حمد؟! هل تذكرت الآن ان لك أخاً يرقد في المستشفى بسببك؟! أم أنك علمت أنني بخير وأتيت لقتلي؟!
حمد (يشتد بكاؤه): علي .. أرجوك .. أنت تقطع قلبي بكلامك .. أرجوك سامحني .. أتوسل إليك اعف عني .. (ينزل رأسه في الأرض) ..
علي (مستغرباً): لا أصدقك .. بكل تأكيد أنت تريد فعل شيء جديد معي .. حمد .. ابتعد عني فقد ذقت الويل منك .. بسببك ا بتعد عني الناس جميعهم .. والآن لا أجد من يواسيني حتى .. حسبي الله وحده ..
حمد (يهيج بكاؤه): لا تكمل أرجوك ... لا تكمل .. أنا نادم على كل فعل قمت به .. أرجوك يا علي لا تتركني وحيداً في هذا العام ... أنت كل ما أملك الآن، وليس لي احد غيرك .. (يقترب حمد من علي ويقبل رأسه) ..
علي (يحس بصدق حمد): حسنا .. كفاك بكاء ... وقل لي ما الذي حدث؟!
حمد (يجلس بالقرب من علي): سأروي لك كل ما حدث معي في غيابك ...
علي: وأنا كلي آذان صاغية ..
بعد مرور وقت طويل، انتهى حمد من رواية كل ما حدث معه لعلي، ودموع الحسرة والندم تملأ عينيه .. غرق الأخوان وسط دموعهما، كل له مسوغاته التي تختلف معنى، وتصب في مجرى الرضا عن بعضهما ..
علي: هل يعقل ان كل هذا لأنني منعتك في يوم من الأيام عن صديقك الذي تحب؟! لم لم تفكر للحظة أنني أريد مصلحتك؟!
حمد: لم أكن أعلم بما فعله هذا الإنسان بك قبل ان اعرفه .. واحمد ربي في كل لحظة، لأنك منعتني عنه قبل ان أتردى إلى الهاوية معه .. ولكني لم أتوقع لهذه اللحظة أنه يمكن ان يفعل كل هذا في يوم من الأيام!
عليّ: هذا هو ما نعيشه الآن .. ظلم وحقد وخيانة إلا ما ندر .. والحمد لله على كل حال .. كل الشكر لله لأنه أعادك اليّ..
حمد: سامحني يا أخي لأن الناس: اذا شكوا في إنسان لا يعرفون إلا ان يتهموه قبل ان يبرئوه .. وهذا الذي حدث معي .. فسامحني يا أخي العزيز .. سامحني ..
علي (يبتسم): أنت تعلم أنني طيلة الأيام التي خلت لم أكرهك، ولن أكرهك في يوم من الأيام .. فأنت أخي وليس لي أحد غيرك في هذه الدنيا بعد والدينا الراحلين ..
حمد (يبكي): ...
علي: ماذا بك يا أخي؟!
حمد (يشتد بكاؤه): أبكي على حظي البائس .. أبكي وأرجوا الله ان يهبني قلباً صافياً مثل قلبك .. آه يا علي .. ليتني أملك قلباً مثل قلبك، وعقلاً كعقلك، وروحاً كروحك .. وللأسف، نيل المطالب لا يكون بالتمني يا أخي..
علي (يحضن أخاه): هون عليك يا أخي .. واشكر الله على نعمه علينا فحالتنا أفضل من حال غيرنا ...
حمد (يبتسم والدموع تملأ عينه»: شكراً يا أخي .. شكراً ..
وهكذا ساد السلام بين الأخوين الشقيقين، بعد خصام دام سنين، ووشاية حطمت أواصر الاخوة، وقطعت الأرحام، فاحتضتن كل منهما الآخر، وهو يردد: تحيا الأخوة، أخوة دائمة إلى الممات
