تناول عرضنا للكتاب أمس محاولات الحكومتين البريطانية والأميركية الحصول على تفويض دولي باستخدام القوة ضد العراق بناء على مزاعم بعدم التزام الأخير بقرارات الشرعية الدولية ولامتلاكه أسلحة دمار شامل. وتطرقت الحلقة كذلك إلى سعي بلير للحصول على مشورة من النائب العام البريطاني تسوغ له المشاركة في تحالف مع الولايات المتحدة للإطاحة بالنظام العراقي.

ورغم حصول بلير على تلك المشورة، إلا أن كثيرين في حكومته أبدوا تشكّكهم في المضمون الحقيقي لتلك المشورة، خصوصاً وأن البعض منهم لم ير أساساً قانونياً لتغيير النظام العراقي، ومن هؤلاء روبين كوك، وزير الخارجية الذي استقال من منصبه احتجاجاً على قرار الحرب. جاءت النصيحة النهائية للنائب العام التي قدمت إلى بلير في مذكرة بتاريخ 7 مارس 2003 ومع حلول هذا الوقت كانت القوات البريطانية والأميركية قد انتشرت تأهباً للحرب.

وتتضمن هذه النصيحة 13 صفحة من الأسانيد المختلفة حول الحاجة إلى إصدار قرار دولي جديد. وكانت هذه الوثيقة قد أرسلت فقط إلى رئيس الوزراء بالرغم من أن وزيري الخارجية والدفاع قد اطلعا على نحو واسع علاوة على آخرين على هذه الوثيقة. وقد خلصت الوثيقة إلى عدم وجود حاجة إلى صدور قرار جديد بعد عرض مختلف وجهات النظر في هذا الشأن.

وكان هذا كافياً لرئيس الوزراء لأن يقرر بأن العراق قد أخفق في الالتزامات الدولية لنزع أسلحته وكذلك بأن هناك أدلة دامغة على عدم امتثال العراق وعدم تعاونه مع تنفيذ القرار 1441. ولكن مجلس الأمن لم يقتنع بهذا الطرح القانوني حيث رأى معظم الأعضاء أن مثل هذه النصيحة ليست واضحة بالكامل.

وقد أقرت الوثيقة بأنه إذا ما تم عرض الأسانيد التي تدعم الحرب أمام محكمة قانونية فإنها لن تحقق النجاح في الإقناع بمبررات الحملة العسكرية وستوضح عندئذ إن الحرب ستكون غير مشروعة، ولذلك فإنه سيكون من الأمور الأكثر أماناً العمل على إصدار قرار جديد. وقد شعرت الحكومة البريطانية بمدى حساسية الموقف ولذلك شكلت فريقاً قانونياً تكون مهمته الإعداد لاحتمال التعرض لمساءلة قانونية دولية إزاء مشروعية الحرب.

وقد رأى أيضاً رئيس هيئة أركان القوات المسلحة البريطانية الأدميرال السير مايكل بويس أن هذه الوثيقة لا تكفي بالنسبة له لتقديم السند القانوني الواضح لتبرير الحرب. وسعى القائد العسكري البريطاني بالتالي إلى تأمين ضمانات أكثر وضوحاً حول مشروعية الحرب.وكان السير مايكل بويس يريد التأكد من أن القادة العسكريين وجنودهم لن يتعرضوا للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وقد قام رئيس الوزراء البريطاني بنقل «مخاوف الأدميرال السير مايكل بويس إلى النائب العام. ولكن القائد العسكري البريطاني لم يشعر بالحاجة إلى أن يسأل نفسه عمّا سيفعله إذا لم يتلق مذكرة قصيرة كان يسعى إلى الحصول عليها. وقال مايكل بويس: «لقد حصلت على تطمينات بأنني سأحصل على ما طلبته وكنت على استعداد لكي أقبل النصيحة المقدمة على وجهها الظاهري».

ويقول المؤلف إنه قد فهم أن وجهات نظر النائب العام أصبحت أكثر وضوحاً.. فقط عندما قدم نصيحته القانونية يوم 7 مارس 2003. وقام النائب العام يوم 15 مارس من ذلك العام بعرض وجهات نظره الأكثر وضوحاً بأن التفسير الأفضل للقرار 1441 يرى أنه سيكون أمراً مشروعاً استخدام القوة من دون صدور قرار جديد.

وقد جاء ذلك خلال اجتماع عقده اللورد غولد سميث مع البارونة مورغان مديرة العلاقات السياسية والحكومية في 10 داوننغ ستريت وكذلك اللورد فولكنر، وزير الشؤون القضائية وكبير القضاة حالياً الذي كان يشغل وقتها منصب وزير دولة في وزارة الداخلية وهو صديق حميم لبلير.

وقد أبلغ النائب العام اللورد فولكنر والبارونة مورغان بأن بلير له الحق في أن يؤكد وجود انتهاك مادي من جانب العراق لالتزاماته الدولية. وفي يوم 14 مارس حصل الأدميرال السير مايكل بويس على التأكيدات المختصرة التي سعى للحصول عليها.

وجهة نظر بلير

أكد بلير يوم 15 مارس كتابياً وجهة نظره القاطعة بأن العراق قد انتهك بشكل مادي قرارات مجلس الأمن الدولي. ولكن السؤال هو: «على أي أساس توصّل بلير إلى هذا الرأي القاطع بمشروعية الحرب؟ وقد استخلص بلير على نحو خاطئ أنه ليس من اختصاص مجلس الأمن وحده أن يتوصل إلى هذا الرأي القاطع.

وبالتالي فإن النائب العام الذي قدم هذه النصيحة إلى بلير قد ارتكب خطأ آخر: حيث لم يقدم مشورة واضحة حول المعايير التي ينبغي على رئيس الوزراء أن يتوصل إليها للتوصل إلى هذا الحكم القاطع. وعلى أية حال فإن 10 داوننغ ستريت اتجهت إلى تحديد وجهة نظر النائب العام في الإجابة التي جاءت رداً على سؤال برلماني والتي أذيعت يوم 17 مارس.

ويؤكد المؤلف من جديد أنه ليس من المناسب قانونياً أن يتوصل بلير إلى هذا الرأي القانوني المهم بمشروعية الحرب، حيث إن ذلك هو مهمة مجلس الأمن. وكان المستشارون القانونيون لوزارة الخارجية قد توصلوا بالفعل إلى هذا الرأي القانوني الواضح في أوائل مارس 2002.

وقد كان من الخطأ أن يغفل رئيس الوزراء، حتى وإن كانت نصيحة النائب العام صائبة، اتخاذ خطوة حاسمة وهي أن يضع في الاعتبار على نحو سليم وشامل التقارير التي أصدرها كل من هانز بليكس ومحمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو وجهات نظر لجنة الاستخبارات المشتركة البريطانية حول تصرفات العراق وفقاً للقرار 1441.

ويفند الكاتب السطر الحاسم في بيان النائب العام أمام مجلس اللوردات يوم 17 مارس 2003 الذي قال فيه: «إنه من الواضح أن العراق قد أخفق في الوفاء بالتزاماته». ويتساءل المؤلف «واضح لمن؟ ووفقاً لأي معايير؟! حيث إن ما كان واضحاً بالنسبة لرئيس الوزراء لم يكن واضحاً بالنسبة لبقية العالم».

ولم يكن من الممكن القول في مارس 2003 أنه كان هناك أدلة لا يرقى إليها الشك حول وجود نشاط واسع النطاق بالنسبة لأسلحة الدمار الشامل. ولم يجد بليكس أو البرادعي في تقاريرهما أي أدلة على ذلك. ولم تتوصل لجنة الاستخبارات المشتركة للحكومة البريطانية إلى أي تقدير حول امتثال العراق للقرارات، وذلك بخلاف تقييم أولي جاء يوم 18 ديسمبر 2002 وذلك بعد فترة قصيرة من تقديم العراق لتقرير عن أسلحته ووفقاً للقرار 1441.

وكان تقرير اللورد بتلر عن دقة معلومات الاستخبارات حول العراق قد انتقد الحقيقة القائلة بأنه لم يتم إجراء عملية إعادة تقييم لنوعية الاستخبارات وجودتها في أوائل عام 2003 وخاصة على ضوء ما أسمته اللجنة النتائج السلبية بشكل عام لعمليات التفتيش الدولية. ولذلك فإن المؤلف يشدد أنه حتى على ضوء الأسانيد التي لم تكن محل احترام حول مشروعية الحرب والتي كانت ترى أن العراق قد قام بانتهاك مادي لالتزاماته فإنه كان من الصعب أن نرى كيفية تبرير استخدام القوة.

وقد تحركت الحكومة البريطانية في مارس 2002 على أساس أن الزعم القائل بأن العراق قد قام بانتهاك مادي لهذه الالتزامات كان يتطلب أدلة قاطعة ودامغة حول توفر نشاطات واسعة النطاق لأسلحة الدمار الشامل العراقية. ولكن بلير تخلى بعد عام واحد فقط عن هذه المعايير الواضحة.

ويعود المؤلف مرة أخرى إلى دحض ما جاء في بيان النائب العام فيقول: إنه لم يكن ملخصاً للمشورة المكتوبة التي قدمها في 17 مارس أو أي نصيحة رسمية أخرى. ولم يوضح هذا البيان الصادر يوم 17 مارس الأساس الذي استند عليه رئيس الوزراء للقول بأنه كان هناك انتهاك مادي لالتزامات العراق الدولية. وماذا جرى لكي يضطر النائب العام إلى مراجعة رأيه القانوني والتخلص من الأجزاء الواردة في نصيحته السابقة التي قدمت وجهة نظر أكثر توازناً؟

ولم يذكر البيان الذي أدلى به النائب العام يوم 17 مارس أي شكوك أو يوفر وجهات نظر بديلة. ولم يقدم البيان أي إجابات على تساؤلات أعضاء كثيرين في مجلس الأمن الذين كانوا قد ردوا على نحو غاضب على الزعم القائل بإمكانية إحياء الجدل حول إمكانية ربط القرارات السابقة مع القرار 1441. وكان أعضاء عديدون في المجلس غاضبين إزاء القول بأن أميركا وبريطانيا وحدهما بوسعهما أن تحددا مسألة انتهاك العراق المادي قرار 1441.

وعلاوة على ذلك يوضح المؤلف أنه لم تقع تطورات قانونية في مجلس الأمن أو غيره من المحافل الدولية تؤدي إلى حدوث تحول ففي الموقف الذي كان قائماً في شهري يناير وفبراير من عام 2003 أو في يوم 7 مارس 2003 وهو اليوم الذي تقدم فيه النائب العام بمشورته السابقة وذلك بالمقارنة مع النصيحة التي تقدم بها يوم 17 مارس من العام نفسه.

وليس هناك أي معلومات متوفرة بشكل عام تشير إلى أن حقائق جديدة قد برزت خلال الفترة المشار إليها وبحيث يمكن أن تثبت على نحو قاطع أن صدام حسين كان ينتهك القرار 1441. والحقيقة هي أن العكس كان صحيحاً ففي يوم 7 مارس قدم هانز بليكس تقريره الثالث إلى مجلس الأمن، واستخلص فيه أنه على الرغم من أن تعاون العراق لم يكن كاملاً إلا أنه كان متزايداً ومتسارعاً.

وكذلك لم يتم العثور على أية أسلحة دمار شامل وكذلك كان قد تم تدمير 34 صاروخاً من طراز «الصمود». أما محمد البرادعي فقد أوضح بشكل شامل أن أحد المزاعم الرئيسية التي ساقتها الحكومة البريطانية وهي أن العراق قد سعى للحصول على إمدادات من اليورانيوم من النيجر لم يكن لها أساس على الإطلاق. وليست هناك أدلة تشير إلى أن النائب العام قد طلب من رئيس الوزراء أن يبحث هذه النقاط الجديدة التي وردت.

ضغوط

كانت الوزيرة السابقة كلير شورت قد أشارت إلى أنه من الممكن القول بأن النائب العام قد تعرض لضغوط من جانب رئيس الوزراء ويصر المؤلف على أنه بدون الحصول على إيضاح كامل أو إذاعة النص الكامل للمشورة التي قدمها النائب العام خلال الفترة التي سبقت صدور القرار 1441 وكذلك خلال الفترة ما بين نوفمبر عام 2002 و17 مارس 2003 فإنه سيكون من العسير معرفة ما جرى بالفعل.

وكان واضحاً مع ذلك أن البيان الذي أدلى به النائب العام أمام مجلس اللوردات يوم 17 مارس 2003 لم يكن ملخصاً للمشورة القانونية له أو بمثابة نسخة مضغوطة من النصائح السابقة التي قدمها النائب العام نفسه بما في ذلك المحضر الذي قدمه يوم 7 مارس ويبدو أن البيان المنشور عبارة عن إعادة تكرار للجدل المعقول حول الرأي القانوني الحاسم الذي كان الأدميرال السير مايكل بويس قد طالب به قبل بدء الحرب.

ولا يبدو أن البيان الصادر يوم 17 مارس قد ارفق معه رأياً قانونياً رسمياً وشاملاً أو حتى نصيحة بالمعنى المفهوم سواء كانت محررة من قبل النائب العام أو أن محامياً متخصصاً يعمل معه قد حررها على نحو مستقل. وعندما عرض الموضوع على اجتماع لمجلس الوزراء صباح يوم 17 مارس فإن الوزراء كانوا قد حصلوا فقط على جزأين من ورقة «فولسكاب» وهي الوثيقة نفسها التي أعلن مضمونها النائب العام نفسه خلال بيانه أمام مجلس اللوردات في وقت لاحق من اليوم نفسه.

وقد جاء ذلك بالرغم من أن قواعد السلوك الوزاري تتضمن توفير النص الكامل مطبوعاً على أوراق للوزراء الاعضاء في الحكومة. ولكن لم يتم تقديم مثل هذا النص على الاطلاق. وكذلك لم تجر أي مناقشة في مجلس الوزراء ولم يثر أي من الوزراء تساؤلات حول السند القانوني الذي قرر بلير على اساسه أن العراق قد انتهك على نحو مادي القرار 1441.

وقد اسفر البيان الذي تلاه اللورد غولد سميث عن احداث التأثير الذي كان مطلوباً على المدى القصير على الأقل. وكذلك فإن القوات المسلحة ورئيس الأركان قد أصبحا في حالة رضا. وعلاوة على ذلك أصبح عدد كبير من النواب العماليين الذين كانوا متأرجحين في دعمهم لمبدأ استخدام القوة أكثر ارتياحاً. ولم تقدم كلير شورت استقالتها من الحكومة عندئذ وظلت بالفعل في منصبها لعدة أسابيع بعد ذلك.

وحصل بلير كذلك على النصيحة التي كان يريدها. وبدأت الحملة العسكرية ضد العراق. ولكن القضية لم تختف وظلت هناك اسئلة ملحة تدور حول النصيحة النهائية التي تقدم بها اللورد غولد سميث. وبعد عام من نشوب الحرب، أي في فبراير 2004 تم إسقاط الدعاوى الجنائية ضد السيدة كاثرين غان وهي مترجمة في مركز للتجسس في بريطانيا.

وكانت قد سربت قبل نشوب الحرب إلى صحيفة «ذي أوبزرفر» نسخة من البريد الالكتروني كانت قد وردت من مركز الامن القومي الاميركي إلى الاستخبارات البريطانية وطلبت الرسالة الالكترونية أن تقدم الحكومة البريطانية المساعدة من أجل زرع اجهزة تصنت على الدبلوماسيين من شيلي والمكسيك الذين يعملون في مجلس الأمن.

وكانت بريطانيا وأميركا قد قامتا بمساع حثيثة للحصول على دعم هؤلاء الدبلوماسيين من اجل صدور القرار الثاني الذي كان النائب العام قد توصل إلى استنتاج بأنه ليست هناك حاجة إليه. وكانت الاتهامات قد وجهت إلى المترجمة على أساس قانون الأسرار العامة البريطانية ولكن تم إسقاط القضية بعد ذلك بعدة شهور.

وقد تعرضت الحكومة البريطانية خلال الأيام التالية لضغوط لكي توضح الظروف التي أدت إلى إسقاط القضية. وصدرت مطالبات متجددة لنشر النصيحة القانونية للنائب العام في نصها الكامل. ورفضت الحكومة هذه المطالب مؤكدة بذلك الشكوك القائلة بأن نشر هذه الوثيقة التي كتبت لتبرير الحرب قد يتضمن معلومات مثيرة للحرج بالنسبة للحكومة.

وفي سبتمبر عام 2004 أي بعد ذلك بعدة شهور أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بياناً لا لبس فيه أوضح فيه أن الحرب كانت عملاً غير مشروع. وأدى هذا البيان إلى زيادة تكاثف السحب السوداء بالنسبة للحكومة البريطانية وكذلك دعم الشكوك القائلة بأنه قد تم وضع أسس قانونية خاطئة ومصطنعة إستندت إليها الحكومة البريطانية لتبرير مسألة تغيير النظام العراقي.

ونشرت مقالة في مجلة «نيو ستيتسمان» في نوفمبر عام 2004 شرحت كيف ضغط بلير والحكومة الأميركية على النائب العام البريطاني لكي يغير رأيه بالنسبة لمشروعية الحرب. وقد قام النائب العام على نحو مثير للدهشة بالرد على ذلك من خلال مقال نشرته المجلة نفسها في الأسبوع التالي.

ويقول النائب العام في مقاله: «إنني أؤكد مرة أخرى أنه من خلال وجهة نظري الصحيحة والمستقلة، فقد توصلت إلى قناعة بأن العمل العسكري كان أمراً مشروعاً وفقاً لقرارات الأمم المتحدة القائمة». وبالرغم من هذا الرد الذي اتسم بالقوة فإن السحب ستظل تتكاثف على هؤلاء الذين ارتبطوا على نحو وثيق بالنصيحة إلى أن يتم نشر نصها الكامل وفقاً لما يصر عليه المؤلف.

ويرى المؤلف فيليب ساندز أن الحرب في العراق شكلت تحديات جوهرية للنظام القانوني الدولي المستقر. ويقول: «إن الحرب في العراق دفعت المجتمع الدولي إلى منعطف جديد على الطريق وإلى لحظة لا تقل من ناحية الحسم عما كان قائماً في عام 1945 أي إلى إنشاء الأمم المتحدة. وأوضح ذلك بجلاء أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان في خطاب له أمام الجمعية العامة في سبتمبر عام 2003.

سياسة الاحتواء

يقول عنان: «إنني قد قمت بتفسير الأسباب التي دفعتني للقول بأن الجدل القانوني الذي ساقته بريطانيا وأميركا لتبرير الحرب لم يكن له مسوغات قانونية». ويقول: «إن نظام الأمم المتحدة القائم على الأمن الجماعي كان قد احتوى صدام حسين على نحو أفضل مما توقع الكثيرون».

ومن الجدير بالذكر أن السياسة التي كان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قد اعتمدها حول العراق كانت «تقوم على احتوائه داخل قفصه» كما كانت السيدة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تقول عن صدام حسين. وكانت بريطانيا وأميركا تفرضان حظراً على تحليق الطيران العراقي في أماكن واسعة من البلاد.

ويعيد المؤلف هنا إلى الأذهان أن عمليات التفتيش الدولية على المنشآت العراقية والتي تم استئنافها في نوفمبر عام 2003 والتي كانت قد جاءت من خلال التهديد باستخدام القوة كانت تؤتي أكلها. وكذلك فإن المجال ظل مفتوحاً أمام مجلس الأمن للتفويض باستخدام القوة عندما يرى أن ذلك العمل يعتبر أمراً ضرورياً.

وعلى عكس ما تراه الحكومة البريطانية فإن فرنسا أو أي دولة أخرى لم تذكر أنها ستقوم باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار في أي وقت وبغض النظر عن الظروف السائدة عندئذ. وإن ما قاله بلير بأنه كان مخولاً بأن يتفادى أي فيتو «غير معقول» يعتبر كلاماً شديد الفظاظة ويتسم بالخطأ. وكانت بريطانيا قد ساهمت في إنشاء مبدأ الدول ذات العضوية الدائمة (الدول الخمس الكبرى) وكذلك مبدأ العمل بالفيتو، وكان من الضروري أن تقبل هذه المبادئ التي ساهمت في إرسائها.

ويعرب المؤلف عن قناعته بأن الأغلبية العظمى من الدول التي كانت أعضاء في مجلس الأمن في مارس عام 2003 لم تكن ترى «أن الظروف التي كانت قائمة عندئذ يمكن أن تبرر اللجوء إلى استخدام القوة». وقد أثبت لنا التاريخ أن هذه الدول كانت صائبة في موقفها وأن أميركا وبريطانيا كانتا على خطأ. ويمضي الكتاب في هذه اللهجة الحادة قائلاً: «إنه لم يتم العثور على أي أسلحة دمار شامل.

ويمكن القول إن نظام الأمم المتحدة قد أثبت صلاحيته. فعلى الرغم من درجة التخويف والترهيب التي مارسها عضوان دائمان في مجلس الأمن هما بريطانيا وأميركا فإنهما لم يتمكنا من شراء الأصوات التي كانا يسعيان للحصول عليها لإصدار القرار الثاني المطلوب وقد طغى الحديث عن مشروعية الحرب على عمليات تعمير العراق وأدى إلى إثارة تساؤلات عديدة حولها.

ولم يكن هذا سيحدث لو أن مجلس الأمن كان قد أصدر بالفعل قراراً يعطي التفويض اللازم لاستخدام القوة. وعندئذ كان المجتمع الدولي كله سيساهم في عمليات إعادة التعمير بدلاً من الجهد البريطاني ـ الأميركي الذي يبدي كل العراقيين التشكك في دوافعه بما في ذلك عدد كبير من المسؤولين في الحكومة العراقية الحالية» وفقاً لكلام المؤلف.

تغير القواعد

ولكن المؤلف يؤكد مع ذلك على ان الأحداث التي وقعت خلال الأعوام التي تلت أحداث 11 سبتمبر في أميركا قد أوضحت لخبراء القانون أن الظروف التي نشأت فيها القواعد الدولية حول استخدام القوة قد تغيرت. ويضرب هنا مثالاً بالدول المارقة مثل أفغانستان التي كانت تؤوي على أراضيها جماعات سرية مثل القاعدة كانت تسعى إلى امتلاك أسلحة دمار شامل. وأعلنت الجماعات أنها كانت ستستخدم مثل هذه الأسلحة لو تمكنت من الحصول عليها.

ولذلك، فإن المؤلف يشدد على قيام نظام جديد يستند على قوانين وقواعد تستمد مشروعيتها الأساسية من القانون الدولي برغم الظروف والتهديدات، لأن تعويض هذه الأسس سيضعف من فاعلية المجتمع الدولي وبالتالي من مصداقيته. وحول الحرب على العراق يقول المؤلف: إن أوجه القلق التي تساوره حالياً بالنسبة لما قامت به بريطانيا في هذا الشأن هي أن تلك الحملة العسكرية ستجعل من الأكثر صعوبة التحرك مستقبلاً عندما يكون هناك تهديد حقيقي.

ويشدد هنا على أهمية توحد آراء المجتمع الدولي لدرء أي أخطار حقيقية من هذا النوع. ويكرر «أن انفراد بريطانيا وأميركا بالعمل العسكري قد أدى إلى تقويض الثقة بأجهزة الاستخبارات، وكذلك بنظم الحكم القائمة في البلدين من حيث المساءلة والحساب».

ويمضي قائلاً «إن التحدي الحقيقي الذي يواجه القانون الدولي هو ضمان أن توازن القوانين بين المصالح المشروعة لمجموعتين من الدول: الأولى وهي المجموعة التي تشعر بأنها معرضة للخطر من جانب الإرهاب الدولي وأسلحة الدمار الشامل، والمجموعة الثانية هي الدول التي تشعر بأنها معرضة لأوجه الضعف في حالة الرد على هذه التهديدات وبصفة خاصة في حالة القيام بردود أفعال انفرادية».

وبالرغم من عدم توضيح المؤلف لطبيعة هذه الدول والتهديدات، إلا أنه من الواضح أنه لا يريد تكرار سابقة التدخل الانفرادي في العراق خاصة بالنسبة لدول قد تكون أقل نفوذاً أو قوة من أميركا. ويحذر فيليب ساندز من أن بلير لا يزال يخلط في عدة خطب ألقاها بعد الحرب في العراق وخاصة في دائرته الانتخابية في شمال انجلترا بين المسؤولية الخاصة باستخدام القوة لحماية حقوق الإنسان «التدخل الإنساني» وبين قضية مختلفة تماماً وهي الحق في استخدام القوة على نحو استباقي للوقاية من التهديدات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل وإمكانية وقوعها بالفعل.

ويفجر المؤلف في ختام هذا الفصل قنبلة من العيار الثقيل، حيث يرى «أن بلير قد تحالف مع إدارة أميركية تتصرف من دون اكتراث إزاء القانون الدولي، وهي إدارة انسحبت من اتفاقيات دولية من دون أن تتعرض للعقاب، وكذلك على استعداد لأن تمارس أساليب البلطجة والتهديد ضد دول أخرى تسعى إلى تعزيز مبادرات مثل المحكمة الجنائية الدولية وبروتوكولات كيوتو ضد الاحتباس الحراري».

ويختم المؤلف قائلاً: «إن تصرفات رئيس الوزراء البريطاني بالنسبة للعراق قد أدت إلى تقويض حكم القانون الدولي وساهمت في وقوع أعمال طائشة أدت إلى إخفاقات كبيرة، وبالتالي فإن تصرفات بلير تشير إلى أنه لم يتمسك على نحو كامل بحكم القانون الدولي، وعلى عكس ما يعلنه من مواقف»، وفقاً لرأي المؤلف.