تحدثت الحلقة السابقة عن موقف الحكومة البريطانية من قرار خوض الحرب على العراق الداعم للموقف الأميركي الذي يعتبر أن القرار له ما يبرره حتى وإن لم يكن يحظى بإجماع دولي. وتطرقت كذلك إلى محاولات بلير البحث عن مسوغات لتلك الحرب يقنع فيها شعبه بضرورة الانضمام إلى الولايات المتحدة لدفع ما اعتبره تهديداً لأمن بريطانيا والعالم.

ولكن جاك سترو، وزير الخارجية البريطاني لم يجد بداً من الاعتراف بأن مبررات الحرب كانت واهية. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، حاولت بريطانيا وأميركا تأمين غطاء قانون دولي لاستخدام القوة من خلال استصدار قرار جديد من مجلس الأمن، وهي المحاولة التي تراجعت عنها خوفاً من فشلهما في تمرير القرار.

نشرت الصحف البريطانية رسالة الاحتجاج التي بعث بها الأكاديميون إلى بلير، ولكن صحفاً أميركية رفضت نشرها بما في ذلك «نيويورك تايمز». وقد احتدم الجدل بعد نشر الرسالة الأكاديمية، حيث تلقفتها أيضاً شبكات التلفزة البريطانية مما أدى إلى أن يصبح هذا الجدل بمثابة قضية سياسية بارزة، وعندئذ طلب بلير من النائب العام أن يقدم إلى الحكومة بياناً واضحاً وحاسماً حول مشروعية استخدام القوة، مع غياب قرار جديد من مجلس الأمن:

وفي ظروف غير مسبوقة، وجهت الدعوة إلى النائب العام اللورد غولد سميث لكي يقوم بالرد على سؤال برلماني حول السند القانوني لاستخدام القوة من قبل المملكة المتحدة ضد العراق. وقد جاء الرد المكتوب للنائب العام مؤلفاً من 337 كلمة فقط، واعتبر الخبراء القانونيون أن الرد يفتقر كثيراً إلى الشرح اللازم حول السند الذي لجأ إليه للقول بأن السلطات الخاصة باستخدام القوة ضد العراق متوفرة من خلال «التأثيرات المشتركة» لقرارات مجلس الأمن: 678 و687 و1441.

ويرى خبراء القانون بمن فيهم المؤلف، أن المنطق الذي لجأ إليه النائب العام كان يتسم بالبساطة على نحو مخادع. وكانت الأسانيد التي اعتمد عليها النائب العام ترى أن هذه القرارات تؤكد أن العراق قد أخفق في تنفيذ التزاماته عندما صدر القرار الأخير 1441، ولا يزال العراق ينتهك الشرعية الدولية بصورة منتظمة حتى اليوم، إلا أن المؤلف يوضح أن القرار 1441 ينص على ضرورة صدور قرار جديد من مجلس الأمن يخوّل حق استخدام القوة إذا كان هذا أمراً ضرورياً.

ويؤكد فيليب ساندز مرة أخرى أن المنطق القائل بأن هذا القرار الأخير أعطى المسوغات القانونية لشن الحرب يعتبر منطقاً مغلوطاً ولا يمكن لأي محام أو خبير قانوني دولي أن يقتنع به. وقد قدمت اليزابيث وايلميرست نائبة رئيس المستشار القانوني في وزارة الخارجية البريطانية استقالتها يوم 18 مارس 2003 بعد صدور المبررات التي ساقها النائب العام للحرب.

وأكدت هذه الخبيرة «أنها لا توافق على تبرير مشروعية استخدام القوة من دون صدور قرار جديد من مجلس الأمن». وأشارت إلى أنها لاحظت مدى تطور وجهات النظر القانونية وأنه «ليس بوسع ضميرها أن يسمح لها بأن توافق على النصيحة المقدمة إلى البرلمان وإلى وزارة الخارجية أيضاً والتي تؤكد على مشروعية العمل العسكري بدون صدور هذا القرار الجديد، وبصفة خاصة لأن الاستخدام غير المشروع للقوة على مثل هذا النطاق الواسع يعتبر مماثلاً لجريمة عدوان».

وقالت الخبيرة القانونية البارزة أيضاً في خطاب استقالتها: «إنه ليس بوسعها أن توافق على العمل العسكري في ظل ظروف تعتبر مقوضة للنظام الدولي وحكم القانون». ويوضح المؤلف أن اعتماد النائب العام البريطاني على القرار الدولي 678 يعتبر أمراً يسيء فهم بنود القرار حيث إنه كان يهدف فقط إلى إخراج العراق من الكويت.

وقد تطلب هذا القرار أن يمتثل العراق تماماً للقرار السابق رقم 660 الذي يطالب بدوره بأن تنسحب كل القوات العراقية فوراً وبدون شروط من الكويت إلى المواقع التي كانت موجودة فيها يوم أول أغسطس 1990 وهو اليوم الذي سبق الغزو العراقي. ولكن خبراء القانون الدولي يقولون إنه ليس هناك أي شيء وارد في قرار 660 أو أي قرار دولي آخر

تم إقراره في الفترة التي تلت غزو الكويت أو انسحاب القوات العراقية منها يشير مطلقاً إلى مسألة تغيير النظام العراقي أو الإطاحة بحكم صدام حسين. وبالنسبة للقرار 678، فإن السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة في نيويورك في ذلك الوقت وهو السير كريسبين تيكيل كان أحد الدبلوماسيين الرئيسيين الذين قاموا بصياغته.

وهو يتفهم تماماً أن هذا القرار ليس له أي هدف باستثناء إخراج القوات العراقية من الكويت. وكان كولين باول رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة أثناء حرب تحرير الكويت قد كتب في مذكراته عام 1995 يقول كلاماً مماثلاً لذلك حيث أوضح «ان الأمم المتحدة قد أعطتنا تعليماتنا المحددة وأن الرئيس بوش يعتزم التمسك بها».. ومن جانبه فإن قائد القوات البريطانية خلال حرب 1991 يؤكد «انه لم تصدر إلينا أوامر أو تفويض لغزو العراق أو الاستيلاء عليه».

وقد أكد النقطة نفسها عدد من كبار المسؤولين الآخرين الذين كانوا في السلطة عندئذ. وقد كان جون ميجور رئيساً لوزراء بريطانيا عندما صدر قرار مجلس الأمن 678 و687 وقال بهذا الخصوص «إن التفويض الصادر إلينا من الأمم المتحدة كان لطرد القوات العراقية من الكويت وليس لإسقاط النظام العراقي»

ويقول ميجور: «لقد قمنا بالحرب من أجل المحافظة على القانون الدولي، وأن المضي قدماً إلى حد أبعد من التفويض الممنوح لنا كان معناه خرق القانون الدولي». وأكد ميجور أنه ليس هناك غموض حول هذا الأمر. ويتساءل المؤلف: إذا كان القراران 660 و678 لم يوفرا أي أساس للإطاحة بصدام حسين في العام 1991 فلماذا يمكن أن يوفرا ذلك في العام 2003؟!!

وعلى نحو مماثل فإن وقف إطلاق النار الذي تحدد وفقاً للقرارين 686 و687 كان يستند فقط إلى استخدام القوة لإخراج القوات العراقية من الكويت. أما القرار 687 فقد نص بوضوح على أنه يتعين على مجلس الأمن أن يقوم بتنفيذ هذا القرار وتوفير السلام والأمن في المنطقة. وعلاوة على ذلك فإن القرار 687 لا يتضمن أي بند يسمح لعضو أو أكثر في مجلس الأمن أو رئيس الوزراء البريطاني بأن يقرر ما هي الخطوات الأخرى المطلوبة.

ويؤكد المؤلف في هذا الشأن على أهمية اتخاذ القرارات من خلال العمل المشترك وذلك وفقاً للنظم الخاصة بالأمن المشترك التي أرست كل من أميركا وبريطانيا القواعد الخاصة بها والتي سمحت بصدور قرارات دولية مثل القرارين 678 و687. ويوضح المؤلف من جديد أن هذه القرارات لا تعتبر عملاً منفرداً أو يمكن أن يصدر من قبل رئيس للوزراء وحده. وقد كانت هذه هي وجهة النظر التي قدمها الخبراء القانونيون في وزارة الخارجية البريطانية، وذلك من خلال مذكرة تم توزيعها أولاً في مارس 2002.

وقد استخلص هؤلاء الخبراء أنه وحيث إن وقف إطلاق النار قد تم إعلانه وفقاً للقرار الدولي رقم 687، فإن مجلس الأمن الدولي وحده يتعين عليه أن يقدر ما إذا كان هناك أي خروقات لهذه الالتزامات المترتبة على العراق. وقد كانت الولايات المتحدة تتخذ موقفاً مختلفاً، حيث إنها ترى أن تقييم مسألة أي خروقات أو انتهاكات من جانب العراق ترجع إلى وجهة نظر أي دولة منفردة في المجلس. ويقول الخبراء في وزارة الخارجية البريطانية: «إننا لا نعلم بوجود أي دولة أخرى تؤيد وجهة النظر هذه».

* الحق باستخدام القوة

وفضلاً عن ذلك فإن البروفيسور فوغان لو أستاذ القانون الدولي في جامعة أكسفورد قد كتب دراسة تقول: «ليست هناك نظرية معروفة توضح إمكانية إحياء أي تفويض باستخدام القوة في قرارات مجلس الأمن الدولي». ولذلك فإنه حتى إذا ما أمكن القول بأن قراري المجلس 687 و678 يمكن تفسيرها على أنهما يخولان الحق باستخدام القوة للإطاحة بصدام حسين، وهو أمر ليس وارداً في القرارين، فبأي أساس يمكن القول إنه بوسعنا إحياء مثل هذا الحق؟

وذلك وفقاً لما يقوله البروفيسور لو في دراسة. وكان يشير بذلك إلى المنطق الذي استند إليه النائب العام البريطاني للقول إن القرارات السابقة تخوِّل اللجوء إلى استخدام القوة ضد صدام حسين.. ويمضي الكتاب إلى حد بعيد «للتأكيد على أن أي منطق يرى أن القرار 1441 يمكنه إحياء مسألة التفويض باستخدام القوة الوارد في القرار 678 بوسعنا أن نفنِّده من خلال منطوق القرار الأخير نفسه وذلك وفقاً لرأي هؤلاء الخبراء القانونيين بمن فيهم مستشارو وزارة الخارجية نفسها».

وكان واضحاً من خلال تفسيرات الدول المختلفة للقرار 1441 أنه سيكون مناطاً بمجلس الأمن أن يقرِّر ماذا يفعل إذا ما أخفق العراق في الوفاء بمتطلبات القرار. ولذلك لم يقبل أي عضو آخر في المجلس باستثناء بريطانيا وأميركا أي تفسير يستند إلى مبدأ إحياء التفويض الدولي «الوارد في أي قرارات سابقة.

ولذلك يصعب أن يتفهم المرء الأساس الذي استند إليه النائب العام بالزعم بأن القرار 1441 كان يتطلب فقط إبلاغ مجلس الأمن ومناقشته لمسألة إخفاق العراق في الامتثال للمتطلبات التي ينبغي عليه أن يتفاداها. ويقول المؤلف إن النائب العام قد تغاضى تماماً عن الإطار الكامل للمفاوضات التي جرت قبل صدور قرار مجلس الأمن 1441.

ويشير فيليب سانديز إلى أنه قد علم من دبلوماسي. كان مشاركاً في هذه المفاوضات أن المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة عندئذٍ وهو السفير جون نغروبونتي قد أعلن لدى تفسيره للتصويت أن القرار 1441 لا يتضمن أي «بنود خفية يمكن من خلالها بدء العمليات العسكرية» وكذلك فإنه وفقاً للسفير الأميركي فإن القرار «لا يتضمن إجراءً فورياً» يخوِّل استخدام القوة مباشرة.

بل إن السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة السير جيرمي غرينستوك كان أكثر وضوحاً عندما قال: «لقد سمعنا بوضوح خلال المفاوضات تعبيرات القلق التي ساورت البعض حول تلقائية استخدام القوة ووجود بنود يمكن الاستناد إليها فوراً للجوء إلى استخدام القوة».

وأكد غرينستوك أنه «إذا ما كانت هناك انتهاكات عراقية أخرى للالتزامات الخاصة بنزع السلاح، فإن المسألة ستعود إلى مجلس الأمن لإجراء مناقشة حولها وفقاً لما جاء في الفقرة التنفيذية من القرار والتي جاء فيها: إننا نتوقع من مجلس الأمن عندئذٍ أن يفي بالتزاماته».

وحول الملابسات التي أحاطت بصدور القرار 1441 يقول المؤلف إن أغلبية أعضاء مجلس الأمن فهمت أنه سيتعيّن على المجلس أن يقرّر ماذا يفعل إذا أخفق العراق في الانصياع لما هو مطلوب منه.

وقد أوضح للورد توماس في مجلس اللوردات البريطاني العواقب المترتبة على عدم تنفيذ العراق لهذه الالتزامات عندما قال في مناقشة للمجلس: «إن بريطانيا وأميركا لا يحق لهما أن ينفذا «إرادة الأمن» ويقول اللورد توماس إن أي تفسير بأن القرار يمكن أن يقوم بإحياء التفويض باستخدام القوة يعتبر أمراً باعثاً على الاستهزاء من نظام الأمم المتحدة.

وكذلك تم وصف هذا الزعم بأنه يثير السخرية ويدين المؤلف مصداقية بريطانيا في مجلس الأمن بعد مثل هذه التفسيرات التي قدمتها الحكومة البريطانية. ويقول بعض الخبراء القانونيين أيضاً إن تفسير النائب العام لمنطوق القرار 1441 قد واجه مصاعب هائلة ولا يمكن ان يصمد أمام أي اختبار سواء في محكمة إنجليزية أو أي محكمة دولية.

* حجة واهية

ويتساءل المؤلف عن الظروف التي دفعت النائب العام إلى أن يعلن باسم بريطانيا مبرراته لشن الحرب على العراق وتوفر تفويض بذلك، في الوقت الذي يعلم فيه أن الحجة التي ساقها كانت واهية. ويثير المؤلف سؤالاً آخر عما إذا كان البيان الذي أصدره النائب العام في 17 مارس من عام 2003 يعتبر تلخيصاً دقيقاً لنصيحته؟..

وكذلك فإن سيل الأسئلة لم ينقطع ومن بينها عما إذا كانت نصيحة النائب العام قد شارك في الموافقة عليها المستشارون القانونيون في وزارة الخارجية البريطانية؟ وعلاوة على ذلك هل لنا أن نتساءل كيف تغيرت وجهة نظر النائب العام مع مرور الوقت؟ ومن الأسئلة الأخرى الحاسمة التي يثيرها فيليب ساندز هي: لماذا تأخر النائب العام في تقديم نصيحته؟»

ويتم توجيه هذه الأسئلة بشكل ملح في بريطانيا لأن نصيحة النائب العام أثارت قضايا عديدة حول مدى نزاهة الحكم ومدى الالتزام بالقانون الدولي.. ولكن الجدل الدائر حول السند القانوني للحرب يخفي سؤالاً أكثر أهمية وهو: «هل كانت الحجج القانونية قد تعرضت للتحريف من أجل العمل على إسقاط النظام العراقي حتى من خلال وسائل غير مشروعة؟».

ويروي لنا المؤلف بالتفصيل كيف بحثت الحكومة البريطانية أولاً الخيارات القانونية في ربيع عام 2002. وفي أوائل مارس من ذلك العام قدم مسؤولون بريطانيون نصائح أعدتها إدارات حكومية قانونية عدة. وكانت مجمل هذه النصائح أن مسألة تغيير النظام العراقي ليس لها أساس قائم في القانون الدولي، وأنه في غياب الدلائل على أن العراق متورط في الإرهاب الدولي فإن اللجوء إلى مبدأ حق الدفاع عن النفس لا يمكن تبريره.

وحددت هذه الدراسة المتعلقة بهذه النصيحة ذرائع محتملة بأن العراق قد يكون قد خرق على نحو مادي التزاماته بالنسبة للتخلص من أسلحة الدمار الشامل.ولكن هذه الورقة استخلصت بالرغم من ذلك أن أي زعم على هذا النحو لن يحقق النجاح إلا إذا كانت الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن وكذلك أغلبية الدول الخمس عشرة التي تشكل تركيبة المجلس ستقتنع بأن هناك أدلة لا يرقى إليها الشك بأن العراق يمارس أنشطة واسعة النطاق تتعارض مع التزاماتها الدولية.

واعتبر الخبراء أن هذا التوجه يتسم بالحكمة حيث أنه يقر بأن «الرأي القانوني العام» لا يعطي بريطانيا أو الولايات المتحدة الحق في أن تتوصل بمفردها إلى الاستنتاج القائل بأن العراق قد أخل بالتزاماته. ولكن بالرغم من هذه القناعات فإن توني بلير كان قد أعلن بالفعل دعمه لفكرة تغيير النظام العراقي وذلك وفقاً لما جاء في المذكرة التي أعدها مستشاره للشؤون الخارجية عندئذ السير ديفيد مانينغ في 18 مارس 2003 والتي برزت إلى دائرة الضوء بعد 18 شهراً من انتهاء الحملة العسكرية وذلك عندما تم تسريبها إلى الصحافة.

* تباين في الأهداف

توضح هذه المذكرة النصيحة اللتان أعدتهما بعض الإدارات الحكومية المعنية مدى التباين بين الأهداف غير المعلنة لتوني بلير وبين النصيحة التي كانت حكومته قد تلقتها حول ما سيسمح به القانون الدولي للتعامل مع مسألة تغيير النظام. وكانت المذكرة والنصيحة الحكومية قد صدرتا في وقت متزامن.

وقد عملت حكومة بلير طوال العام التالي على بذل جهود مضنية لسد الثغرة التي نشأت بين الموقفين. وكانت وزارة الخارجية هي الوزارة التي قادت هذا الجهد. ولذلك فإن محامي الوزارة قد سعوا إلى إبراز الظروف التي توضح امكانية اعتبار اللجوء إلى القوة أمراً مشروعاً. ويلقى الخبراء القانونيون في وزارة الخارجية عادة الاحترام الكبير داخل بريطانيا وفي مختلف أنحاء العالم.

وكان هؤلاء الخبراء قد أوضحوا بجلاء خلال الفترة حتى نوفمبر 2002 أي قبل صدور القرار 1441 موقفهم بأنه لا يمكن استخدام القوة ضد العراق إلا إذا تم الحصول على تفويض بذلك من خلال قرار دولي جديد. ولم يتغير موقف هؤلاء الخبراء بعد صدور القرار 1441. ويقول المؤلف إنه قد فهم أن المستشار القانوني لوزارة الخارجية وكذلك زملاؤه كانوا قد عبروا بوضوح كامل عن موقفهم بأن القرار 1441 لم يخول حق استخدام القوة سواء بمفرده أو بالمشاركة مع القرارات الأخرى ذات الصلة بالنسبة للعراق.

وكان هؤلاء المستشارون قد أوضحوا أيضاً أنه دون صدور قرار جديد من مجلس الأمن فإن بريطانيا لن يكون بوسعها قانونياً استخدام القوة لضمان التزام العراق بتعهداته للمجتمع الدولي. ولكن النتائج التي توصل إليها هؤلاء الخبراء القانونيون كانت محل اعتراض من جانب الوزراء ومن أبرزهم هنا جاك سترو وزير الخارجية، الذي كان مستعداً لكي يقوم بتفسير أكثر مرونة وانفتاحاً للقوانين الدولية.

ويبدو أن سترو كان يريد دفع المعايير الخاصة بالقانون الدولي إلى أقصى الحدود. وأبلغ سترو لجنة اللورد بتلر للتحقيق في دقة معلومات الاستخبارات عن العراق أنه قد توصل إلى قناعة بأن صدور قرار جديد من مجلس الأمن ليس أمراً ضرورياً بعد موافقة المجتمع الدولي على القرار 1441.

ويبدو أن خلافاً واضحاً قد نشب بين سترو ومستشاريه القانونيين بالنسبة لما سيحدث في المرحلة التالية. وفي هذه الظروف كان مناطاً بالنائب العام أن يحدد وجهة النظر الدقيقة التي ستمثل النصيحة القانونية المعتمدة للحكومة. وكانت قواعد سلوك الوزراء تتطلب أن يتم استشارة النائب العام في وقت كاف قبل أن تتخذ الحكومة قرارات حاسمة تتضمن اعتبارات قانونية مهمة.

ويكشف المؤلف النقاب عن أن وزارة الخارجية ممثلة في مستشاريها القانونيين أبلغت النائب العام في يناير 2003 بوجهة نظرها واستفسرت منه عن الرأي القانوني الذي توصل إليه. وليس هناك أي دليل على أنه لم يشاركها في وجهات نظرها التي لا لبس فيها.

إلا أن النائب العام لم يدل برأيه النهائي إلا في منتصف مارس 2003 وهو الأمر الذي ترك الحكومة في حالة حيرة ومن دون أن تحصل على نصيحة محددة حول هذه القضية الحساسة خلال فترة حاسمة كانت بريطانيا تسعى فيها إلى صدور قرار جديد من مجلس الأمن. وكان التفاوض حول القرار قد تعرض لعثرات كبيرة. وليس واضحاً عما إذا كان تأخير صدور نصيحة النائب العام قد جاء نتيجة لعدم حسمه لرأيه أو لظروف أخرى غير واضحة.

ويبدو من وجهة نظر المؤلف أن رئيس الوزراء لم يطلب منه أن يقدم له مشورة رسمية إلا في آخر لحظة ممكنة. وقد أعرب روبين كوك وزير الخارجية الذي استقال احتجاجاً على الحرب قبل أن تبدأ بفترة قصيرة عن انزعاجه عندما أبلغ بلير مجلس الوزراء يوم 11 ابريل 2002 أن الوقت المناسب لمناقشة الأساس القانوني للعمل العسكري ينبغي أن يأتي فقط عندما تتخذ الحكومة القرار الخاص بذلك.

ويبدو أن 10 داوننغ ستريت لم ترغب في الحصول على رأي قانوني رسمي في يناير أو فبراير من 2003 ولكن المؤلف يرى أن النقطة الحاسمة هي أن النائب العام لم يقدم النصيحة عندئذ بأنه ليست هناك حاجة إلى قرار جديد من مجلس الأمن. وإذا كانت الحكومة البريطانية قد تلقت المشورة الواضحة بأنه ليست هناك حاجة إلى قرار جديد فإنه لم يكن من المعقول بذل هذه الجهود الخارقة شهري يناير وفبراير 2003 لإصدار مثل هذا القرار.

وقد وصف أحد الدبلوماسيين من إحدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن من الذين كانوا مشاركين بشكل وثيق في المفاوضات التي سبقت محاولة إصدار القرار، وصف للمؤلف القناعة الواسعة بأن هذه المفاوضات كانت تجري على أساس الحاجة إلى صدور قرار جديد. وقد استمرت هذه المفاوضات لفترة طويلة وانهارت أخيراً في الأسبوع الأول من مارس 2003.

وقد وقع عندئذ تطور مهم. فقد التقى النائب العام البريطاني اللورد غولد سميث يوم 11 فبراير 2003 مع جون بيلينغر المستشار القانوني لمجلس الأمن القومي الأميركي، وذلك في البيت الأبيض. وقد أبلغ أحد المسؤولين المؤلف بعد ذلك «لقد التقيت مع بيلينغر وقال لي إننا نواجه متاعب مع النائب العام البريطاني وأخيراً تمكنا من أن نتوصل معه إلى اتفاق، وعندما أبلغ المؤلف المستشار القانون لمجلس الأمن القومي الأميركي في وقت لاحق عن هذا الكلام، فكر الرجل ملياً،

ثم قال: «إنني لا أتذكر أنني قد قلت مثل هذا الكلام، ولكنه أضاف بلهجة دبلوماسية» إنني أشك في أن شخصاً مثل اللورد غولد سميث من حيث مكانته البارزة سيوافق على أي رأي قانوني يستند على ضغوط مارستها عليه الإدارة الأميركية». ومع ذلك فإن المؤلف فيليب ساندز يتوصل إلى الاستنتاج القائل إنه يبدو أن تلك كانت اللحظة التي تغيرت فيها وجهة نظر اللورد غولد سميث وفي يوم 28 فبراير أي بعد أسبوعين من هذه المقابلة في البيت الأبيض أبلغ اللورد غولد سميث مكتب بلير بوجهة نظره النهائية.