تناولت الحلقة السابقة معايير القانون الدولي التي تحظر استخدام القوة من قبل دولة ضد أخرى إلا في حالات الدفاع عن النفس وأضيف إليها فيما بعد التدخل الإنساني لأغراض منع انتهاك حقوق الإنسان أو الإبادة الجماعية. وتطرقت إلى موقف إدارة بوش من هذه المعايير ومحاولتها التحايل عليها، وظهور ما يُسمى بنظرية بوش المتعلقة بالضربات الاستباقية، والتي اعتبرها المؤلف بمثابة تهديد جوهري لنظام القانون الدولي.

أما موقف بلير، فقد تميز بمحاولته التأكيد على الالتزام بالقانون الدولي في غزو العراق وسعيه للحصول على تفويض دولي باستخدام القوة.وفي هذه الحلقة، تستمر محاولات أميركا وبريطانيا ومعهما اسبانيا لنيل التفويض من مجلس الأمن باستخدام القوة ضد العراق، فيصدر المجلس قراره رقم 1441، الذي لا يمنح هذه الدول تفويضاً تلقائياً، مما يجعلها تحاول استصدار قرار آخر يمنحها هذا التفويض، ولكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة خوفاً من استخدام فرنسا أو روسيا لحق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن لإحباط القرار.

وتتحدث الحلقة أيضاً عن الضغوط التي مارستها كل من بريطانيا والولايات المتحدة على الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن والإغراءات التي قدمت لهم من أجل دعم موقفي البلدين من شنّ الحرب. هذا بالإَضافة إلى قيام بلير بإبلاغ واشنطن بأن بريطانيا ستدعم العمل العسكري في العراق حتى قبل أن يحصل هو على موافقة مجلس العموم على ذلك.

كانت الصحف البريطانية تقوم في أوائل 2003 بمناقشة تفاصيل قرارات مجلس الأمن المختلفة سطراً بعد سطر. ويشير المؤلف إلى أنه من الضروري لتفهم الجوانب القانونية التي كانت قد ثارت في مارس 2003 قبل الحرب على العراق أن تعود بالذاكرة إلى أغسطس 1990 وما جرى خلال غزو العراق للكويت حيث كان مجلس الأمن قد تصرف على وجه السرعة وبحزم بعد الغزو العراقي عندئذ. وقام مجلس الأمن في 2 أغسطس نفسه بشجب الغزو.

وطالب القرار (660) العراق بالانسحاب فوراً من الكويت. بعد ذلك بأربعة أيام جمد خلالها مجلس الأمن الأصول العراقية وفرض عقوبات واسعة على العراق. ولكن العراق لم يقم بالانسحاب من الكويت برغم هذه الإجراءات. وفي يوم 29 نوفمبر 1990 أقرّ مجلس الأمن القرار 678 الذي خوّل الدول الأعضاء الحق باستخدام كل الوسائل اللازمة للتمسك بالقرار (660) وكذلك تنفيذه، هو والقرارات الدولية اللاحقة المتعلقة بالغزو لاستعادة الأمن والسلام في المنطقة إذا لم ينسحب العراق بحلول يوم 15 يناير 1991.

وقد تم اعتبار عبارة كل «الإجراءات الضرورية» بمثابة الصيغة المفهومة التي تفوض استخدام القوة. ومع ذلك لم يتم الانسحاب العراقي. ولذلك بدأت الحرب في 17 يناير 1991، وبعدها استسلمت القوات العراقية. وفي يوم 3 ابريل 1991 أصدر مجلس الأمن قراراً بوقف إطلاق النار وهو القرار رقم (687) الذي فرض أيضاً التزامات على العراق لنزع سلاحه وتدمير كل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وكذلك عدم تملك أو تطوير أسلحة نووية.

ووضع القرار نظاماً واسع النطاق للتفتيش من قبل الأمم المتحدة لضمان امتثال العراق لهذه الالتزامات. وقد استمرت هذه التدابير حتى عام 1998. وبعد ذلك انسحب مفتشو الأمم المتحدة خارج العراق لمدة 3 أعوام تقريباً. وإذا ما عدنا بالذاكرة فإننا سنعلم أن الرئيس بوش كان ملتزماً بأن يتخلص من صدام حسين منذ بداية رئاسته الأولى.

ولكن لا يزال من غير الواضح حتى الآن سبب هذا الالتزام حيث لم تكن هناك أدلة دامغة بأن صدام كان يشكل تهديداً للمنطقة أو أنه كان مرتبطاً بالقاعدة. إلا أن صدام كان من المؤكد يذكّر الرئيس بوش الابن بمدى عجز إدارة والده الرئيس بوش وكذلك بمدى الحدود القائمة بالنسبة لقوة أميركا.

وقد طالب أشخاص عدة أصبحوا فيما بعد مستشارين أساسيين وأعضاء بارزين في حكومة الرئيس بوش الابن بما في ذلك نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول ولفووتير، طالبوا بالإطاحة بحكم صدام في منتصف التسعينات. ومنذ البداية كانت هناك قناعة بأن صدام حسين شخصاً سيئاً وينبغي التخلص منه.

وأعلن الرئيس بوش يوم 5 إبريل 2002 في حديث تلفزيوني أن صدام حسين ينبغي أن «يرحل عن السلطة» وكان يبدو أن الإدارة الأميركية مستعدة للتحرك لتحقيق هذا الهدف بمفردها ولكنها كانت تحتاج إلى نوع من التحالف لكي تحد من أهمية الاتهامات القائلة بأن بوش قد تصرف على نحو منفرد، وكذلك لحشد التأييد الداخلي اللازم للإدارة الأميركية للتحرك ضد صدام.

وقد كان رئيس الوزراء البريطاني موافقاً على موقف بوش من صدام حيث استنتج أنه لن يقف أي شيء لمنع الرئيس بوش من تنفيذ خطته. وأوضح بلير التزامه بتغيير النظام العراقي وفي 18 مارس عام 2002 كتب المستشار بلير للشؤون الخارجية السير ديفيد مانينغ رسالة إليه يقول فيها إنه أبلغ كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي عندئذ... «إنك لن تتردد في دعمك لتغيير النظام» العراقي، ويقصد بلير بذلك.

ولكن على العكس من بوش فإن بلير كان يعرف أنه لا يمكنه أن يعلن ذلك على الملأ ، حيث إن استخدام القوة لتغيير النظام العراقي كان يتعارض بشكل عام وواضح مع القانون الدولي، كما يكشف لنا هذا الكتاب في هذا الجزء البالغ الحساسية الذي يثير من جديد تساؤلات حول مصداقية موقف بلير والمبررات التي ساقها لكي يقنع الرأي العام البريطاني والعالمي بمشروعية الحرب.

وقد أكد مايكل فوستر النائب البريطاني الذي يعمل كمساعد للنائب العام أن اللورد غولد سميث (النائب العام نفسه) كان قد وجه بعض النواب إليه سؤالاً عما إذا كان تغيير النظام العراقي يعتبر أمراً مشروعاً في حد ذاته، وكان رده كما يكشف لنا المؤلف مثيراً، حيث قال: «لا إنه لن يكون مشروعاً».

مبررات الحرب

كما أقر مستشار بلير مانينغ فإن مسألة تغيير النظام كان من الممكن أن يوافق عليها البرلمان والصحافة والرأي العام البريطاني الذي يختلف بشكل واضح عن الموقف في الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك كان ينبغي أن يتم العثور على مبررات أخرى للحرب وفقاً لما ذكره المؤلف البريطاني جون كافنير في كتابه «حروب بلير» وكان «السؤال ليس هو عما إذا كانت الحرب ستقع أم لا، ولكن ما هي الشروط التي سيتم بموجبها شن هذه الحرب» كما يكشف لنا الكتاب.

وقد أبلغ بلير ومانينغ الرئيس بوش أنه لديه الصلاحيات لشن الحرب وحده، وأن بريطانيا ستؤيده مهما كانت الأمور، ولكن من أجل إيجاد أكبر تأثير ممكن عالمياً ينبغي عليه أن يبني تحالفاً أكبر ومن الأفضل أن يكون ذلك عن طريق الأمم المتحدة. وكانت هناك تقديرات ترى أن بريطانيا لم يكن أمامها خيار سوى أن تقوم بدعم بوش في سعيه لاتخاذ قرار الحرب..

ولكن مؤلف الكتاب الخبير البارز في القانون الدولي، يشير إلى أن هناك أمثلة عديدة لم تقف فيها الولايات المتحدة وبريطانيا معاً في «خندق واحد» ومن بينها مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر من جانب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في عام 1956، وكذلك حرب فيتنام في الستينات من القرن الماضي.

وعلاوة على ذلك فإن رد فعل بلير كان يتناقض على نحو بالغ مع موقف مارغريت تاتشر في عام 1983 عندما غزت الولايات المتحدة غرانادا وذلك بناء على ذريعة بأن دولاً أخرى في منطقة البحر الكاريبي كانت قد حثت واشنطن على أن تفعل ذلك. ولكن غزو غرانادا كان على نطاق محدود ويختلف عن الحرب في العراق،

ولكن يصعب على المرء أن يتخيل أن بلير كان يتصرف على نحو ما فعلت تاتشر برسالة إلى الرئيس الراحل رونالد ريغان الذي اتخذ قرار غزو غرانادا تقول فيه بحدة إن هذا العمل العسكري ضد دولة صغيرة «سيعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية لها مهما كان نظامها السياسي ويعتبر غير جذاب».

وتمضي المرأة الحديدية مخاطبة ريغان: «إنني أطلب منك أن تمعن النظر في هذه المسألة في إطار العلاقات الأوسع نطاقاً بين الشرق والغرب».ويثير الكتاب تساؤلات جديدة حول أسباب انضمام بلير إلى بوش في غزو العراق، ويقول: «إن هذا الأمر سيظل سراً كبيراً».

ويصف فيليب ساندز تصرف بلير في هذا الشأن بأنه يتسم بالطيش والتهور وخاصة لأنه أعلن دعمه لبوش على نحو مبكر وبدون تحفظ. ولكن بلير ظل يسعى إلى الحصول على مبررات بديلة بدلاً من تغيير النظام بعد لإقناع الرأي العام وبعض أعضاء حكومته الذين عارضوا العمل العسكري منذ البداية.

ويذيع المؤلف سراً مهماً حول انعقاد اجتماع مهم في منتصف يوليو 2002 حضره عدد كبير من الوزراء بما في ذلك النائب العام، وقد تم إبلاغ هؤلاء المسؤولين خلال اللقاء أن رئيس الوزراء قد أبلغ بالفعل بوش أن بريطانيا ستدعم العمل العسكري لإسقاط نظام صدام طالما أن هناك تحالفاً قد تم بناؤه لتحقيق هذا الهدف وكذلك على أن تبذل الولايات المتحدة جهوداً حثيثة لحل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وعلى أن يتم إتاحة فرصة جديدة لمفتشي الأمم المتحدة عن أسلحة الدمار العراقية.

وتم إبلاغ الحاضرين في هذا الاجتماع بأن العمل العسكري قد أصبح أمراً محتوماً من جانب الولايات المتحدة الأميركية، وذلك لأن واشنطن تبرره من خلال الربط بين الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، بالرغم من أن المعلومات الخاصة بالاستخبارات والحقائق حول العراق قد تم تثبيتها حول هذه السياسة الخاصة بمشاركة بريطانيا في الحرب،

قد أعرب وزير الخارجية البريطانية جاك سترو عن شكواه بأن المبررات الخاصة بالحرب كانت «واهية» وخاصة لأن صدام حسين لم يكن يهدد في ذلك الوقت جيرانه وليست لديه أسلحة دمار شامل ذات مقدرة على النحو الذي يوجد مثلاً في ليبيا أو كوريا الشمالية أو إيران.وقد تم خلال هذا الاجتماع الذي عقدته الحكومة البريطانية بحث الجوانب القانونية بما في ذلك ورقة أعدتها وزارة الخارجية البريطانية في مارس 2002 وحررها عدد من الخبراء القانونيين حول مشروعية الحرب.

وحتى في هذه المرحلة المبكرة كانت الحكومة البريطانية تدرك المصاعب القانونية التي يمكن اعتبارها أساساً لتبرير الحرب. وأكد النائب العام عندئذ أنه ليست هناك مبررات لحق الدفاع عن النفس أو مبدأ التدخل لأسباب إنسانية، وأنه وفقاً للموقف السائد عندئذ، فإن القول بأن مجلس الأمن يعطي التفويض اللازم لشن الحرب سيكون أمراً يصعب تصديقه.

وتم إصدار تعليمات إلى النائب العام بأن يبحث النصيحة القانونية الممكنة مع وزارتي الخارجية والدفاع. وكان السبيل الذي تم اختياره هو دعم معلومات أجهزة الاستخبارات لإعطاء المبررات التي توضح بأن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل وأن ذلك بالتالي سيعطي الذرائع القانونية للقيام بالعمل العسكري. وكان معنى هذا التوجه إقناع بوش بأن يسلك طريق الأمم المتحدة. وقد تمكن من تحقيق ذلك بالتعاون مع كولن باول وزير الخارجية الأميركي عندئذ.

وبعد ذلك بأربعة أشهر أي في نوفمبر 2002، أقر مجلس الأمن بالإجماع القرار الشهير 1441 الذي كان يعتبر محورياً بالنسبة لأي تقييم حول مشروعية الحرب. ويؤكد المؤلف على أنه من الضروري دراسة القرار بإمعان. في إطار المعطيات التي كانت متوفرة عندئذ.

مهلة أخيرة

نص القرار الدولي 1441 على أن «العراق كان ولا يزال متقاعساً عن تنفيذ التزاماته وفقاً للقرارات الدولية السابقة المرتبطة بذلك» وكذلك فإن العراق قد أخفق في التعاون مع مفتشي الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكانت الوكالة قد منحت العراق مهلة أخيرة للانصياع للالتزامات المترتبة عليه بالنسبة لنزع أسلحة الدمار الشامل وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة.

وكانت الوكالة قد وضعت نظاماً متطوراً لعمليات التفتيش يتطلب من العراق أن يقدم في ظرف عشرة أيام تقريراً شاملاً ودقيقاً عن برامجه الخاصة بإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية: وقررت الوكالة أن أي بيانات زائفة أو أي إغفال للحقائق سيمثل خرقاً مادياً جديداً، وسيتم إبلاغه إلى مجلس الأمن.

وأصدر القرار التوجيهات إلى هانز بليكس رئيس لجنة «إينموفيك» للتفتيش على أسلحة الدمار العراقية وكذلك محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكي يبلغا مجلس الأمن بأي إخفاق من جانب العراق في التعاون الكامل معهما. ولدى تلقي مجلس الأمن التقرير في هذا الشأن فإن أعضاء المجلس سيعقدون اجتماعاً لبحث الموقف وكذلك التأكيد على الحاجة إلى التنفيذ العراقي الكامل لكل القرارات المعنية التي أصدرها المجلس حول العراق.

وقد جاء في نهاية القرار تحذير بأن العراق سيواجه عواقب وخيمة نتيجة استمراره في عدم الامتثال لهذه الالتزامات المترتبة عليه. ولكن القرار لم يخوّل الدول الأعضاء باستخدام كل الوسائل الممكنة لتنفيذ القرار. وكذلك لم يتضمن القرار أي تفويض بذلك. وقد اعترضت فرنسا وألمانيا وروسيا والصين على هذا الأمر.

وقد استأنف المفتشون الدوليون عملهم في العراق فيما بين نوفمبر 2002 ومارس 2003. وبالرغم من عدم عثور المفتشين على أي أسلحة للدمار الشامل فإن بريطانيا وأميركا استمرتا في الزعم بأن أجهزة استخباراتهما قد كشفت أن العراق قد أخفق في نزع سلاحه وأنه ينتهك التزاماته وفقاً لقرارات مجلس الأمن.

وتحركت القوات الأميركية إلى مناطق قريبة من العراق. وحاول بلير بقوة العمل على إصدار قرار جديد من مجلس الأمن «يعطي غطاءً قانونياً» لاستخدام القوة. وجرى العمل على تبرير استخدام القوة وذلك في الوقت الذي تم خلاله تجنُّب مسألة تغيير النظام على نحو متعمّد وبدلاً من ذلك دار الحديث عن إخفاق صدام حسين في نزع سلاحه، وهو أمر يتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي.

وقال بلير أمام مجلس العموم: «إن هدفنا هو العمل على نزع سلاح العراق، وإن الحقيقة هي أننا لجأنا للحرب من أجل العمل على تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي». ولكن المشكلة هي أن بلير كان قد أعلن ذلك بعد عام من الحرب وفي الوقت الذي لم يتم فيه العثور على أي أسلحة دمار شامل في العراق.ويؤكد المؤلف أن بلير، المحامي قبل أن يكون رئيساً للوزراء، كان قد خلط الأوراق بطريقة غير ذكية بحيث أنه وضع نفسه في مأزق مع تضاؤل أي سند قانوني أمامه للتدخل في العراق.

وفي يناير وفبراير من عام 2003 حاولت أميركا وبريطانيا وإسبانيا إرساء الأرضية المناسبة لإصدار قرار جديد من مجلس الأمن. وقد كانت تصريحات بلير وسياسته خلال تلك الفترة توحي بأن هناك خلفية تتمثل في رأي قانوني بأن هناك حاجة للحصول على تفويض واضح من مجلس الأمن لاستخدام القوة ضد العراق وأن القرار رقم 1441 لم يوفر مثل هذا التفويض.

ومع نهاية شهر يناير تم إبلاغ بلير بأن اليوم الذي ستبدأ فيه الحملة العسكرية قد تحدد له مبدئياً منتصف شهر مارس وتم توجيه النصيحة إلى 10 داونينغ ستريت بأنه ينبغي أن يصدر قرار جديد من مجلس الأمن في أسرع وقت ممكن. وقد تقدمت بريطانيا وأميركا وإسبانيا يوم 24 فبراير 2003 بمشروع قرار جديد لمجلس الأمن: وقد كان القرار ينص على أن البيان الذي أصدره العراق بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 1441 قد تضمّن «معلومات زائفة وكذلك إغفال لأمور عدة».

واستخلص مشروع القرار «إن العراق قد أخفق في اغتنام الفرصة النهائية التي وفرها له القرار 1441». ولكن هذا المشروع لم يحظ سوى بدعم ضئيل. وفي اليوم نفسه تقدمت كل من فرنسا وألمانيا وروسيا بمذكرة منفصلة حول عمليات التفتيش تقول إن «الظروف الخاصة باستخدام القوة ضد العراق لم يتم توفرها».

وفي الأسبوع الأول من مارس أصبح واضحاً أن إمكانية صدور قرار ثانٍ من مجلس الأمن قد أصبحت شبه معدومة. وبذلت أميركا وبريطانيا جهوداً كبيرة لإقناع الدول الست الأعضاء في مجلس الأمن التي لم تكن قد حسمت موقفها وهي: المكسيك وشيلي وغينيا والكاميرون وأنغولا وباكستان من أجل الحصول على دعمها لهذا المشروع.

الدول المتأرجحة

أصبحت محاولة إقناع هذه الدول «المتأرجحة» في موقفها بمثابة معركة شرسة. وشملت محاولات إقناع هذه الدول زيارات على مستوى عالٍ من وزراء بريطانيين وأميركيين لأفريقيا، وكذلك بذل رئيس الوزراء توني بلير جهوداً دبلوماسية مكثفة بصفة خاصة مع رؤساء وزراء تشيلي والمكسيك وغيرها من الدول المتأرجحة.

ووصفت كلير شورت وزيرة التنمية الدولية التي قدمت استقالتها بعد الحرب الضغوط التي مورست على هذه الدول بما في ذلك إغراؤها من خلال تقديم مساعدات للتنمية. وقد أعربت بعض هذه الدول فيما بعد عن شكواها بأن دبلوماسييها في نيويورك كان قد تم التصنُّت عليهم من خلال زرع أجهزة خاصة في مكاتبهم وهواتفهم على نحو يُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي. ويقول المؤلف إنه إذا ما ثبت أن هذه المزاعم كانت صحيحة فإن هذا سيؤكد مدى تصميم لندن على العمل على إصدار قرار جديد من مجلس الأمن.

ويرى فيليب ساندز أن الأسباب التي دفعت بلير إلى التمسك بفكرة إصدار قرار جديد ليس من العسير التعرف عليها. فقد كانت أسباب ذلك هي أن صدور مثل هذا القرار كان من شأنه توفير الصلاحيات السياسية والدبلوماسية بل وحتى التفويض القانوني من أجل الدخول في نزاع عسكري كان بلير قد أصبح ملتزماً بالدخول فيه بالفعل بالرغم من حديثه المتكرِّر بأن قرار الحرب لم يتم اتخاذه بعد.

ويشدِّد المؤلف على أن بريطانيا كانت ملتزمة أيضاً بالتمسك بالقانون الدولي وكانت هناك في الوقت نفسه معارضة متزايدة في بريطانيا لشنّ الحرب على العراق من دون الحصول على دعم من الأمم المتحدة. ولكن بريطانيا لم يكن بوسعها أن تجادلها بأنها قد حصلت على تفويض باستخدام القوة ضد العراق وفقاً لمبدأ الدفاع عن النفس.وقد أقرّ بلير في حديث تلفزيوني يوم 8 مارس 2003 بأنه من غير المعقول الزعم بأن صدام حسين قد شكّل تهديداً وشيكاً ضد بريطانيا.

وقد أعلن بلير ذلك بالرغم من الزعم الذي ورد في ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية المثير للجدل الذي أصدرته الحكومة البريطانية في سبتمبر 2002 بأن القوات المسلحة العراقية بوسعها أن تنشر أسلحة بيولوجية وكيماوية في ظرف 45 دقيقة من اتخاذ القرار الخاص بذلك. ولكن الحكومة البريطانية تخلّت بعد ذلك عن هذا الزعم بعد أن اتضح أن معلومات الاستخبارات عن الأسلحة المحدودة التي استند إليها هذا البيان كانت تشير فقط إلى الأسلحة الكيماوية التي تستخدم في ميدان القتال.

وفي يوليو عام 2004 استخلص تقرير اللورد بتلر حول مدى دقة معلومات الاستخبارات البريطانية أنه كان ينبغي عدم إدخال مسألة الخمس وأربعين دقيقة في هذا الملف على ذلك النحو لأنها غير دقيقة. وقد كانت مشكلة الحكومة البريطانية تتمثل في أن مسألة تغيير النظام العراقي أو القيام بضربة استباقية أو التدخل لأسباب إنسانية لم تكن أموراً واردة وفقاً للقانون الدولي كذرائع تبرِّر الحرب.

ومع حلول ربيع 2003 لم تقبل بريطانيا بالفرضية الواردة في أي استراتيجية خاصة بإصدار قرار جديد من مجلس الأمن على أساس أنه سيسمح باستخدام القوة وفقاً للقانون الدولي على نحو استباقي لأن هذا لم يكن يتفق مع الواقع. وكذلك رأى الخبراء الذين استعانت بهم الحكومة البريطانية أن الموقف في العراق لا يشبه ما كان سائداً في كوسوفو في ابريل 1999 من حيث تبرير استخدام القوة للحيلولة دون وقوع كارثة إنسانية ساحقة وشيكة.

ويشير المؤلف إلى أن مثل هذه الذريعة كان يمكن اللجوء إليها في أواخر الثمانينات عندما كان صدام يستخدم الأسلحة الكيماوية ضد القرى الكردية. وقد تم أيضاً استخدام مثل هذه المبررات في عام 1991 لتبرير إنشاء مناطق كردية آمنة في العراق يتم استبعاد دخول القوات العراقية إليها؛

ولكن لم يكن من الممكن خلال عامي 2002 و2003 اللجوء إلى مثل هذا الإجراء، لأن واقع الأمور على الأرض في العراق عندئذٍ لم يسمح بإثارة مثل هذه المزاعم عن الحاجة إلى تدخل أجنبي لمساعدة العراقيين وحمايتهم مثلما كان الحال بالنسبة للأكراد في عام 1991.

حليف الأمس

يعيد الكتاب إلى الأذهان أن صدام حسين انتهج أساليب وحشية وفظيعة ضد شعبه عندما كان حليفاً لأميركا ويخوض الحرب على إيران. وقد استقبل صدام حسين عندئذٍ دونالد رامسفيلد كزائر رفيع المستوى. ولكن لم تكن هناك أزمة إنسانية في العراق يمكن مقارنتها بما كان قائماً في 2003. ويستعرض الكتاب بعد ذلك الوقائع التي أسفرت عن إخفاق بريطانيا وأميركا في التمكن من إصدار قرار جديد من مجلس الأمن حيث كانت الدول الست التي لم تحسم موقفها قد قاومت بشدة الضغوط التي تمت ممارستها عليها.

ورأى مراقب بارز في مجلس الأمن أن هذه الدول التزمت باتخاذ موقف مستقل وتمسكت بذلك. ولذلك كان من الضروري بعد هذا الفشل الدبلوماسي أن تسعى حكومة بلير إلى توفير أساس قانوني بديل. ومع أوائل مارس 2003 كانت الذرائع الوحيدة الباقية لتبرير الحرب هي القول إن الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن قد فوّضت استخدام القوة لبريطانيا وأميركا.

ولم يكن من العسير القول إن بلير سيُضطر إلى اللجوء إلى مثل هذا الجدل الذي كان قد تردّد بالفعل في الدوائر الأكاديمية وتوقع 15 أكاديمياً بريطانياً وأوروبياً، من بينهم المؤلف، بأن بريطانيا ستزعم أن القرار رقم 1441 (ومن المرجح أيضاً قرارات سابقة مثل 678 و687 اللذين صدرا في عامي 1990 و1991) يقدم تفويضاً باستخدام القوة.

وقد كان هذا يُعتبر أمراً مرجحاً على نحو أكبر (كما كانت تخشى الحكومة البريطانية) إذا ما قامت فرنسا وروسيا باستخدام حق النقض ضد مشروع القرار الثاني المطلوب. وقد بعث هؤلاء الأكاديميون برسالة إلى بلير لاستباق أي زعم بأن القرار 1441 يخوّل بالفعل بريطانيا وأميركا باللجوء إلى استخدام القوة ضد العراق، حيث إن غالبية ساحقة من (زملائنا الأكاديميين في مختلف أنحاء العالم قد رأوا أن مثل هذا المنطق ليس له أي سند حقيقي).

وقال هؤلاء الأكاديميون في رسالتهم: «إننا أساتذة في القانون الدولي. وعلى أساس المعلومات المتوفرة لدينا فإنه ليس هناك أي مبرر وفقاً للقانون الدولي يسوغ استخدام القوة ضد العراق». وتمضي الرسالة قائلة: «إنه لا قرار مجلس الأمن الدولي 1441 ولا أي قرار سابق يفوّض مسألة استخدام القوة في الظروف الراهنة».

وأوضح الأكاديميون «أنه قبل القيام بأي عمل عسكري على أساس قانوني ضد العراق، فإنه يتعيّن على مجلس الأمن أن يعرب بوضوح عن موافقته على مثل هذا الإجراء. وأن اللجوء إلى حق النقض يمكن أن يحول دون صدور مثل هذه الموافقة». وقد كان هناك من دون أدنى شك خلافات حول مدى مشروعية الحرب وحول ما إذا كان مجلس الأمن قد قدم السند القانوني للقيام بالعمل العسكري.