يستمد هذا الكتاب أهميته من أهمية الموضوع الذي يطرحه وهو مشروعية الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق. ويتناول بإسهاب موقف القانون الدولي من هذه الحرب، ومحاولات التضليل لإقناع الرأي العام الدولي بأنها كانت مشروعة، بل وضرورية لإرساء السلام في العالم. ويذهب الكتاب أيضاً إلى حد اتهام أميركا بانتهاك الاتفاقيات الدولية التي تحكم الدخول في الحروب وتراجعها عنها.
ويوضح كذلك موقف بريطانيا، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، التي كانت تغضّ الطرف أو تتواطأ مع واشنطن في كثير من تلك الانتهاكات. ويثير هذا الكتاب الجدل من جديد حول الانتهاكات المرتكبة من جانب الحكومتين البريطانية والأميركية فيما يتعلق بحقوق الإنسان سواء في أفغانستان أو العراق، وبخاصة ما جرى من عمليات تعذيب وإساءة معاملة للسجناء في معتقل غوانتانامو وسجن أبوغريب.
مؤلف الكتاب هو فيليب ساندز، وهو أستاذ بارز في القانون الدولي بجامعة لندن، ومحام متخصص في القانون الدولي يعمل في شركة المحاماة نفسها التي تعمل فيها شيري زوجة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. وقد شارك في قضايا معروفة ومهمة عدة مثل قضية المعتقلين في غوانتانامو وقضية احتجاز الرئيس التشيلي الأسبق بينوشيه في لندن.
«ان القوانين تشبه شبكة العنكبوت التي تتمكن دائماً من اصطياد اسراب الذباب الضئيلة الحجم، بينما تفر الحشرات الكثيرة وتنجو بنفسها». يبدو أن هذه المقولة للروائي الفرنسي الشهير هنري بلزاك قد انطبقت على الإدارة الأميركية بزعامة الرئيس جورج بوش التي كانت صريحة منذ انتخابها في نوفمبر 2000 بالقول بأنها مصممة على تحدي القوانين الدولية.
وقد قام جورج بوش بعد ذلك بفترة قصيرة بشن حرب شاملة على القانون الدولي، حيث بدأت هذه الحملة حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة.. ولكن فظاعة ما جرى في ذلك اليوم أعطى المبرر للرئيس الأميركي لكي يسوق الجدل بأن القوانين والقواعد الدولية لا تتماشى مع التحديات الجديدة التي يواجهها العالم اليوم.
وللأسف الشديد فإن حكومة بلير التزمت الصمت إزاء هذه الخروقات التي قامت بها إدارة الرئيس بوش، بل إنها في أحيان كثيرة كانت طرفاً موالياً ومستعداً لكي يصبح بمثابة (الخادم المطيع) الذي يوافق على ارتكاب أسوأ الانتهاكات ضد القانون الدولي. وقد سعت كل من بريطانيا وأميركا معا إلى إعادة صياغة قواعد السلوك والأعراف الدولية. ولكنهما قاما بهذا العمل من دون أي سند أو مبرر لائق.
ويقارن المؤلف هذه المحاولات التي قامت بها لندن وواشنطن.. بما جرى بعد الاطاحة بحكم صدام حسين في العراق والسيناريو الذي وضعه الحلفاء بعد الحرب والذي كان يؤكد أن أحداً لم يفكر على الاطلاق في كيفية الإجابة عن السؤال المحوري «ما هو نظام الحكم الذي سنختاره لكي يكون بديلاً لنظام صدام حسين؟».
ويركز المؤلف في الفصل الخاص بالحرب في العراق على مدى مشروعيتها وكذلك الجدل الواسع الذي ثار في بريطانيا ومختلف دول العالم حول القوانين الدولية التي تبرر اللجوء الى استخدام القوة. وقد كانت مشروعية الحرب بمثابة قضية كبيرة في أنحاء مختلفة من دول العالم وكذلك فإنها أصبحت مادة رئيسية في الصحف وفي المجالس النيابة العديدة.
وقد كان احتمال شن حرب غير مشروعة من دون الحصول على دعم من مجلس الأمن الدولي قد أسفر عن زيادة أعداد المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع للاحتجاج عليها في عدد كبير من الدول في شهري فبراير ومارس من عام 2003م. ولكن من الملفت للنظر ان الموقف في الولايات المتحدة الأميركية كان مختلفا، حيث أنه بعد ان حصل الرئيس بوش على تفويض من الكونغرس باستخدام القوة ضد العراق فإن مشروعية الحرب وفقاً للقانون الدولي لم تعد مسألة محل جدل هناك.
وقد عكس جواب جون بولتون وكيل وزارة الخارجية الأميركية موقف ادارة بوش عندما رفض أي تفكير في ان القانون الدولي يمكن ان يعرقل أي عمل تقوم به واشنطن في العراق وكذلك القول بأن أي متطلبات دستورية داخلية وحدها ليست كافية لإضفاء الشرعية على استخدام القوة. وقال بولتون في مقال له: «ان أي اتجاه آخر سيسفر مع مرور الوقت عن تقليص مقدرتنا على التحرك على نحو مستقل».
* ركل المؤخرات
زاد الأمر سواء أن موقف الرئيس بوش نفسه كان أكثر فظاظة. فقد حدد وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في اليوم التالي لوقوع أحداث 11 سبتمبر مدى القيود التي يفرضها القانون الدولي بالنسبة للقيام برد فعل عسكري عليها. فقد أعلن رامسفيلد: «انني لا أعبأ بما يقوله المحامون الدوليون». ومن جانبه قال الرئيس بوش نفسه: «اننا سنركل مؤخرات البعض».
أي أن أميركا ستعاقب دولا معينة. وقد أصبحت أميركا مهيأة بعد أحداث 11 سبتمبر وعلى هذا النحو لإمكانية توجيه ضربات عسكرية ضد بعض الدول ولم يلق هذا التوجه أي تحد داخل الولايات المتحدة. وعندما تأهبت القوات الأميركية لدخول الأراضي العراقية فإن بعض الأصوات ذات الضمير الحي في أميركا مثل آن ماري سلوفر بدأت تتحرك.
فقد كتبت مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» حذرت فيه من أن الحرب في العراق ستكون مشروعة ولكنها غير قانونية، إلا أن آن ماري تراجعت عن هذا الموقف بعد عام واحد حيث أصبحت مقتنعة بأن الحرب كانت غير مشروعة وغير قانونية أيضاً». أما الرئيس بوش فقد رأى أنه يكفي بالنسبة له ان يستخلص أنه ينبغي التخلص من حكم صدام حسين لأنه رجل سيء يمتلك أسلحة دمار شامل.
وقد أعلن بوش في حديث له في ديسمبر 2003، أي بعد أشهر عدة من انتهاء الحرب انه «ليس من المهم بالنسبة له ما اذا كان صدام يمتلك أسلحة الدمار أو كانت لديه النية لامتلاكها». وتعارض هذا الموقف على نحو حاد مع موقف بريطانيا. فمسألة مشروعية الحرب لها تأثير يحد من مدى صراحة رئيس الوزراء البريطاني في اطلاق التصريحات العلنية حول الحرب في العراق.
ولذلك فإنه كرر دائماً القول بأن بريطانيا ستتحرك فقط وفقاً لمعايير القانون الدولي. وقد كانت الضغوط شديدة على الحكومة البريطانية لدرجة أنها اضطرت الى أن تلجأ إلى النائب العام لكي يدلي ببيان قبل الحرب بثلاثة أيام فقط لكي يبرر فيه مشروعية الحرب من دون صدور قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يعطي بصراحة تفويضاً باستخدام القوة ضد العراق. واعتبر المراقبون أن البيان الذي أدلى به النائب العام أمام مجلس اللوردات أمراً غير مسبوق ولكنه كان أيضاً ضرورياً.
حيث كانت مسألة التأكيد على مشروعية الحرب أمراً حيوياً من أجل استمرار الدعم المطلوب لبلير من ثلاث دوائر رئيسية: الوزراء الذين كانوا على وشك الاستقالة من مناصبهم احتجاجاً على الحرب وكذلك النواب العماليين الذين قد يصوتون ضد قرار الحرب عندما يتم عرض الموضوع على مجلس العموم، والجهة الثالثة كانت تتمثل في رئيس أركان القوات المسلحة البريطانية الأدميرال السير مايكل بولس الذي كان يطالب برأي واضح لا لبس فيه قبل أن تدخل المؤسسة العسكرية البريطانية الحرب لتفادي أي إجراء قانوني دولي ضد جنوده.
ولكن بينما كان بيان النائب العام له التأثير المطلوب على المدى القصير من حيث اقناع الناس بمشروعية الحرب وفقاً لما كان بلير يريد، إلا أن الشكوك استمرت على المدى الطويل حول الظروف التي أحاطت بهذه النصيحة من أكبر سلطة قانونية في البلاد وواصلت حكومة بلير مقاومة الضغوط حتى يومنا هذا التي تطالب بأن يتم نشر النص الكامل لنصيحة النائب العام حول مدى مشروعية الحرب.
وقد أثار هذا الرفض من جانب بلير المزيد من التساؤلات. وقد سلط التقرير الذي نشرته لجنة اللورد بتلر، سكرتير الحكومة السابق حول الإخفاقات في دقة معلومات أجهزة الاستخبارات البريطانية، حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، كما سلط الأضواء على الجدول الزمني والطريقة التي قدم بها النائب العام نصيحته لحكومة بلير.
وبالإضافة إلى ذلك فإن أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان اتخذ في سبتمبر 2004 خطوة غير عادية عندما أعلن برغم حرصه المعروف أن الحرب في العراق كانت غير مشروعة. وقد أعلن بعد ذلك أحد كبار مستشاري بلير للشؤون الخارجية السير ستيفن وول عن معارضته لرئيس الوزراء البريطاني حول مسألة المشروعية وكان وول قد شغل هذا المنصب الحساس أثناء فترة الحرب،
ولكن تصريحاته في نوفمبر 2004 أوضحت الحقيقة حيث أقر فيها قائلاً: إننا سمحنا لتقديراتنا الخاصة بالآثار الرهيبة التي ستترتب على عدم التحرك ضد العراق بان تطغى على تقديراتنا الأكثر خطورة الناجمة عن التخلي عن حكم القانون.
* قواعد استخدام القوة
يشير المؤلف إلى انه من الضروري، قبل الحديث عن مشروعية الحرب وكذلك الملابسات التي أحاطت بالنصيحة التي وجهت لحكومة بلير بان الحرب ستكون مشروعة، ان نلقي الضوء على خلفية القواعد التي تحكم مسألة استخدام القوة وكذلك تطبيقها خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية بما في ذلك حرب تحرير الكويت في 1991.
ويؤكد فيليب ساندز انه حتى بداية القرن العشرين لم تكن هناك قواعد دولية تحظر استخدام القوة من جانب دولة ضد أخرى، وكان ميثاق عصبة الأمم المتحدة الذي تم إقراره في 1919 قد أخفق إلى حد بعيد في تحريم اللجوء إلى الحرب، وفي أغسطس 1941 أعرب كل من الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفيلت وونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني عن اعتقادهما بان كل دول العالم ينبغي عليها، لأسباب واقعية وروحية، ان تتخلى عن استخدام القوة وقد عرف هذا الاتفاق «بميثاق الأطلسي»،
وطالب الاتفاق بضرورة نزع سلاح الدول التي تستخدم القوة خارج حدودها وذلك ترقباً لإنشاء نظام دائم وأكثر شمولاً للأمن العام، وقد تم اعتبار هذه الوثيقة التي تم التوصل إليها أثناء الحرب العالمية الثانية.. على أنها ذات رؤية ثاقبة وتتعارض على نحو حاد مع المواقف التي اتخذتها أميركا وبريطانيا بعد أحداث 11 سبتمبر.
وكان الهجوم الياباني قد وقع على بيرل هاربر في يوم 7 ديسمبر 1941، ولذلك تم تأجيل العمل بهذا الميثاق ولكن لم يتم إلغاؤه، وقد أصبحت الأمنية الخاصة بالحد من استخدام القوة جزءاً رئيسياً من ميثاق الأمم المتحدة الذي تم إقراره في يونيو 1945، وبعد مداولات موسعة، انضمت بريطانيا وإميركا إلى 45 دولة أخرى في تحريم استخدام القوة إلا في ظروف محدودة للغاية،
وتعلن الفقرة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة ان «كل الدول الأعضاء ستمتنع في علاقاتها الدولية عن التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة مستقلة سياسياً أو اللجوء إلى أي وسيلة أخرى لا تتماشى مع أهداف الأمم المتحدة»!!. وقد كان هناك استثناءان أولهما: الدفاع عن النفس، وتنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه ليست هناك موانع تحول دون الحقوق المتأصلة للدول سواء على نحو فردي أو مشترك للدفاع عن النفس إذا ما وقع هجوم مسلح ضد أي دولة تتمتع بعضوية الأمم المتحدة.
إلا أن هذا الحق «ليس مفتوحاً على مصراعيه». فإنه يتوفر فقط «عندما يتخذ مجلس الأمن التدابير الضرورية للمحافظة على الأمن والسلام». ولا تعتبر اللغة التوفيقية التي جاءت في المادة رقم 51 من الميثاق خالية من الغموض حيث ان 60 عاماً من الممارسة وكذلك مجلدات تتضمن تعليقات أكاديمية لم تتمكن من ان تجلو هذا الغموض والتساؤلات العديدة،
وقد ثار المزيد من الجدل بعد أحداث 11 سبتمبر على مدى مشروعية الضربات الاستباقية التي كان الرئيس بوش قد اقتنع بأهميتها لمواجهة وعقاب المسؤولين عن هذه الهجمات الإرهابية وكذلك للحيلولة دون ارتكابهم لأعمال عدائية جديدة، وقد ألقى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير خطاباً في مارس 2004 أكد فيه على توفير «الواجب والحق في إزالة التهديدات المنطوية على انتشار وتملك أسلحة الدمار الشامل».
* نظرية بوش
اعتبر بعض المراقبين ان هذا التصريح بمثابة إقرار للبيانات الأميركية حول حق القيام بضربات استباقية وذلك على نحو يتجاوز الدفاع عن النفس المسبق، ويقول المؤلف استناداً إلى خبرته الواسعة في القانون الدولي ان مثل هذه البيانات تستند على وجهة النظر الخاطئة بان أحداث 11 سبتمبر وكذلك الحرب في العراق توضحان عدم كفاية القوانين الدولية، وبسرعة يمضي فيليب ساندز إلى القول بانه لا يوافق على مثل هذا الطرح،
ويؤكد على ان ما يعرف الآن باسم نظرية بوش والدعم الذي قدمه بلير لها على نحو هابط يشكل تهديداً جوهرياً للنظام القانوني الدولي وذلك بدون المعالجة الكافية للتهديدات التي تشكلها منظمات مثل القاعدة أو من ناحية أخرى ما يعرف باسم «الدول المارقة التي أخفقت في الالتزام بالقانون.
وفي الوقت نفسه يشير الكتاب إلى ان ميثاق الأمم المتحدة يفسح المجال أمام استثناء آخر وهو عندما يخول مجلس الأمن لدولة أو مجموعة من الدول الحق في استخدام القوة وفقاً للفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، ويقول المؤلف انه باستثناء فرض العقوبات الاقتصادية وغيرها من الإجراءات غير العسكرية المتوفرة وفقاً للمادة 41 من الميثاق فإن المادة 42 تسمح لمجلس الأمن باتخاذ مثل هذه الإجراءات عن طريق القوات الجوية والبحرية والبرية بغية المحافظة على السلام والأمن الدوليين أو استعادتهما.
وقد منعت حدة المنافسة بين القوى الكبرى حتى 1990 مجلس الأمن من ممارسة صلاحياته العسكرية حيث كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يقولان بانهما سيمارسان حق النقض ضد أي قرار يهدد مصالحهما وذلك وفقاً لقواعد الأمم المتحدة، ولكن مع انهيار الكتلة السوفييتية في 1989 فإنه قد برز إلى الوجود مجلس الأمن بعد ان اكتسب مقدرة كبيرة، وكانت أول مرة يفوض فيها مجلس الأمن دولاً مختلفة لاستخدام القوة ضد دولة أخرى وفقاً للفصل السابع قد جاءت في 29 نوفمبر 1990 عندما قام العراق بغزو غير مشروع للكويت.
وفوض القرار الدولي 678 «الدول الأعضاء» باستخدام كل الوسائل الضرورية «لإقرار وتنفيذ قرارات مجلس الأمن السابقة وكذلك استعادة السلام والأمن في المنطقة»، ومنذ ذلك التاريخ فإن الفصل السابع والصلاحيات المخولة بموجبه قد أصبحت أمراً يتم الاعتماد عليه بصفة منتظمة من أجل الترخيص باتخاذ إجراءات مختلفة من بينها على سبيل المثال الصومال والبلقان وليبيريا وسيراليون وهاييتي وتيمور الشرقية،
وقد برز أيضاً موقف ثالث يمكن من خلاله استخدام القوة، بالإضافة إلى الدفاع عن النفس أو عندما يعطي مجلس الأمن تفويضاً بذلك، وهذا الموقف هو الحالة الاستثنائية التي تسمح بالتدخل العسكري «لأسباب إنسانية» حيث تقع انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان الرئيسية، وقد تم اعتبار هذه الحالة الاستثنائية أمراً مثيراً للجدل، حيث تخشى الدول الصغيرة أو النامية على نحو خاص ان مثل هذا التدخل الإنساني سيتم استخدامه لتبرير استخدام القوة عندما لا تسمح القوانين المعمول بها بالقيام بمثل هذه التدخلات،
ويرى المؤلف ان هذه الدول لها الحق في ان تعرب عن هذا القلق إلى ان تبرز معايير واضحة وتكون مقبولة من المجتمع الدولي بأكمله، وبعد استخدام صدام حسين في عام 1988 للأسلحة الكيماوية في حلبجة كانت هناك دعوات من أجل التدخل الدولي ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء دولي ضد العراق نتيجة لهذه الأعمال التي تتعارض مع القانون الدولي.
ولكن حدث تحول في السلوك الدولي خلال التسعينات، حيث اتخذت خطوات من أجل حماية الأقلية الكردية في شمال العراق بعد ان خضعت لأعمال انتقامية ارتكبها نظام صدام حسين بعد انتهاء حرب تحرير الكويت في 1991، وقد زادت الدعوات من أجل القيام بتدخل دولي بعد الإخفاق الصارخ للمجتمع الدولي في التدخل لوقف أعمال الإبادة البشرية والفظائع التي تم ارتكابها بعد انهيار جمهورية يوغسلافيا الاتحادية في 1991،
وكذلك المذابح والإبادة البشرية التي وقعت في رواندا في 1994، ويعيد الكتاب إلى الأذهان انه عندما اندلع التوتر في كوسوفو في 1998، فإن مجلس الأمن قد شجب استخدام الشرطة الصربية للقوة المفرطة وطالب الجانبين باتخاذ الخطوات اللازمة لمنع وقوع كارثة إنسانية كانت قد أصبحت وشيكة،
وبالرغم من ان مجلس الأمن هدد باتخاذ إجراءات أخرى للمحافظة على السلام والاستقرار أو استعادتهما في هذا الاقليم الذي كان رئيس يوغوسلافيا سلوبودان ميلوسوفيتش قد ضمه إلى الجمهورية بعد أن كان يتمتع من قبل بحكم ذاتي.
* حق النقض
وأصبح واضحاً بعد ذلك أن روسيا أو الصين ستمارسان حق النقض في وجه استخدام القوة ضد يوغوسلافيا. وفي مارس 1999 قام حلف الاطلسي بالتحرك العسكري على نحو فردي بدون الحصول على تفويض من مجلس الأمن. وقد أيدت معظم الدول الأعضاء في مجلس الأمن الاقتراح الذي تقدم به السفير الهولندي في الأمم المتحدة بأن «دول العالم ليس بوسعها أن تقف ساكتة إزاء الكارثة الإنسانية التي تقع في كوسوفو وذلك لأن دولة أو دولتين من الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن تقومان بتغير يتسم بالجمود والضيق لميثاق الأمم المتحدة».
ويقول المؤلف ان هذا المبدأ نفسه يمكن تطبيقه الان بالنسبة لأزمة دارفور في السودان. ولكن اقتراح السفير الهولندي لم يلق استجابة كاملة حيث ان روسيا على سبيل المثال أدانته. وأكد المندوب الروسي ان هذا الاقتراح لا يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة أو القوانين الدولية الأخرى المعترف بها بصفة عامة.
ومن ثم فإن مجلس الأمن لم يتمكن من التصرف وبالتالي تراجع دوره تماماً في هذه الأزمة. إلا أن المجلس اتخذ بعد أن وضعت الحرب في كوسوفو أوزارها خطوات لتوفير وجود مدني وأمني دولي في الإقليم. وقد أعتبر البعض أن هذا الإجراء الذي اتخذه مجلس الأمن يعتبر بمثابة تصديق بأثر رجعي على المهمة التي اضطلع بها حلف الأطلسي لحل الأزمة وخروج قوات صربيا من الإقليم المضطرب.
ولذلك فإن الصين امتنعت عن التصويت على القرار الذي وافق على توفير هذا الوجود الأمني والمدني الدولي في كوسوفو وذلك على أساس ان القرار يمكن تفسيره على أنه يضفي الشرعية على استخدام حلف الأطلسي للقوة. وقد دفع التدخل الإنساني في كوسوفو توني بلير إلى أن يطالب بضرورة إصلاح القانون الدولي. وفي صيف 1999، وبعد انتهاء أزمة كوسوفو، اقترح بلير ما أسماه «بنظرية المجتمع الدولي» التي يمكن ان تسمح بالتدخل لحماية حقوق الإنسان.
ولكن بلير لم يبلور في اقتراحه فكرة الحق الذي يخول القيام بضربات استباقية. ويعود المؤلف ليبرز الجدل الذي لا يزال مشتعلاً حول مدى مشروعية الحرب في العراق ونصيحة النائب العام إلى بلير في هذا الشأن. ويورد بعد ذلك جزءاً من مقال لصحيفة «صنداي تلغراف» اليمينية في بريطانيا التي ترى أن مسألة مشروعية الحرب من عدمها ليست موضوعاً للنقاش
وذلك لسبب بسيط وهو أنه «ليست هناك آليات ملزمة في القانون الدولي ترغم الدول على ضرورة الانصياع الكامل لها سواء من الناحية الأخلاقية أو من جانب الدول التي تتمتع بالسيادة في العالم». يهاجم فيليب ساندز الرأي الشاذ الذي عبرت عنه صحيفة «صنداي تايمز» المرموقة في مقالها ويصف كلامها بأنه يعكس وجهة نظر تتسم بالجهل والخطورة في القرن الواحد والعشرين.
ويحذر المؤلف من أن خطورة هذا الرأي تكمن في انه يعبر عن وجهات نظر شخصيات وثيقة الصلة بالحكومة الأميركية بل وحتى الرئيس الأميركي نفسه. ولكن المؤلف يرى أنه من الملفت للنظر ان الجدل السياسي البريطاني لا يزال يركز على مدى مشروعية الحرب برغم مواقف بعض الصحف والمسؤولين البريطانيين، ويقول المؤلف انه ليس واثقاً من سبب تركيز الرأي العام على هذه المسألة على نحو محوري،
حيث ان بريطانيا ليست دولة تتمسك بالقانون على نحو يزيد عما هو قائم في أميركا مثلاً. إلا أنه يستخلص ان احد الأسباب الرئيسية لهذا الموقف قد يرجع إلى أن بريطانيا دولة لا تتمتع بالنفوذ الكبير والقوة مثل الولايات المتحدة، ولهذا فإن الاعتماد على نحو أكبر على الاحترام للقوانين الدولية قد يكون هو رد فعلها الأساسي في هذا المجال. ويقول روبرت كوبر المستشار السابق لبلير في الشؤون الخارجية إن اميركا دولة تلجأ إلى التصرفات الانفرادية لأنها تتمتع بالقوة اللازمة للتصرف وحدها.
أما تعلق أوروبا بالمعاهدات أو حكم القانون والمواقف المتعددة الاطراف فإنه يرجع إلى ضعفها. ويجب ألا يغيب عن بالنا ان بلير قد مارس مهنة المحاماة وهو يحيط بنفسه بالمحامين وزوجته السيدة شيري هي الأخرى محاملة. ويفهم بلير وزوجته القانون الدولي. ولذلك فإنه يدرك أن القانون يضفي المشروعية على أعمال تتسم بالصعوبة ولذلك فإنه أراد أن يقنع نفسه والرأي العام البريطاني بأن الحرب على العراق تعتبر عملاً مشروعاً وفقاً للقانون الدولي سواء كان هذا الرأي صحيحاً أم لا.
ولكن المؤلف يفجر قنبلة بالقول إن بلير هو وأعضاء حكومته لم يضيعوا أي فرصة قبيل نشوب الحرب للتأكد على أن أي قرار بالعمل العسكري ينبغي أن يكون مبرراً وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، ولكن هذه التأكيدات كانت «واهية». وكان موقف الحكومة البريطانية المعلن مختلفاً عن ذلك الذي اتخذته الولايات المتحدة،
حيث كانت الإدارة الأميركية تتشدق من ناحية «بالمسألة القانونية» وفقاً لما كان يقول بوش حول الحرب، ولكن لم يكن هناك في أميركا أي جدل عام حول مشروعية العمل العسكري ضد العراق.. ولم تكن الصحافة الأميركية معنية بهذا الموضوع. والتزم معظم الأكاديميين في الولايات المتحدة موقف الصمت إزاء هذا الجدل القائم في بريطانيا.