ينتمي عبدالله عبيد يوسف المدير السابق لمنطقة عجمان التعليمية لذلك الجيل الذي بدأ معاناته لتحصيل العلم أواخر الخمسينات من القرن الماضي على هذه الأرض الطيبة التي خطت خطوات واسعة في المجالات الحيوية كافة وفي مقدمتها التعليم الذي ما زال بحاجة إلى المزيد من الدعم لأبناء الوطن كي يتحملوا مسؤوليته كاملة.

بعد عمله الطويل في القطاع التربوي متنقلاً بين وظائفه كافة منذ عام 1971 مع بزوغ فجر الاتحاد، وحتى عام 2004 حينما ترك إدارة تعليمية عجمان، خرج عبدالله عبيد ليطالب الحكومة بزيادة 50% في رواتب المعلمين المواطنين والإنفاق على تأهيلهم وتسليحهم بمتطلبات العصر حتى تسرع خطوات التوطين، ليس فقط في القطاع التربوي ولكن في القطاعات كافة.

في لقاء «الجيل» معه قسم المدير السابق لتعليمية عجمان رحلته مع الذاكرة إلى أربع مراحل بدءاً من الطفولة والدراسة مروراً بالعمل في المجال التربوي معلماً وانطلاقاً إلى المسؤولية في الوزارة مديراً لإدارة تعليم الكبار وانتهاء بفترة إدارته للمنطقة التعليمية التي استمرت ما يقرب من 17 عاماً.

عن الطفولة والدراسة (وعلى سبيل الدعابة) بدأ عبيد حديثه بقوله: وُلدت في الحي الغربي ولإثارة المزيد من الدهشة والفكاهة يضيف ـ وسط ضحكة خفيفة ـ في عجمان 1952، موضحاً أن هذا التاريخ لم يحدده مدير الصحة ولا شهادة ميلاد ولكن مدير المدرسة (عجمان للبنين التي عُدِّل اسمها إلى الراشدية بعد ذلك وكانت أول عهدها ولمدة شهور محدودة في منزل المرحوم بوخميس).

وتحفظ ذاكرة عبدالله عبيد لتحديد أعمار الطلاب في ذلك الزمان قصة توضح كيفية التحديد من قِبل مدير المدرسة.

يقول عام 1958 وعندما التحقت بالصف الأول كان إبراهيم البرغوثي مدير مدرسة عجمان للبنين يحدد أعمار التلاميذ في اليوم الأول من الدراسة عند التسجيل بأن يضع التلميذ ذراعه فوق رأسه وعندما تلامس يده أو أحد أصابعه أذنه على الجهة العكسية يعتبر عمره 6 سنوات ويتم تسجيله في الصف الأول، وإذا لم تصل الأصابع إلى الأذن بهذه الطريقة يعتبر عمره صغيراً ولا يُقبل،

ومن يصل بيده إلى شحمة أذنه (أسفلها) يُسجل في الصف الثاني، وبعد هذه الطريقة في تقدير العمر التحقت بالصف الأول ضمن حوالي 157 طالباً في المدرسة بمنزل بوخميس ثم تحوّلت إلى مبنى مدرسي أنشأته حكومة الكويت (من 6 ـ 8 فصول دراسية) ثم توالت الإضافات إليه من قِبل حكومات قطر وأبوظبي ودبي بإنشاء فصول إضافية، وتلك كانت البدايات الأولى لمدرسة الراشدية التي أنشئت مكان موقع مصلى العيد الحالي القريب من متحف عجمان.

من أبناء الجيل

ولا ينسى عبيد عدداً من زملاء تلك البدايات ومنهم خليفة المويجعي مدير ديوان الحاكم في عجمان، إسماعيل عبيد (أخوه) سفير الدولة في جنوب أفريقيا، عبدالله بوشهاب وكيل وزارة العمل المساعد ومحمد راشد المغني وكيل مساعد متقاعد من وزارة العمل ايضاً، موضحاً أن مدرسة الراشدية انتقلت إلى مقرها الثالث ـ بعد بو خميس وموقع المصلى ـ إلى مقر بجوار بريد عجمان الحالي ثم إلى موقع رابع بجوار نادي عجمان فخامس في منطقة البستان فالسادس والأخير وهو مقرها الحالي بالحميدية.

عن معلمي هذه الفترة يوضح المدير السابق لتعليمية عجمان أنهم كانوا جيلاً نادراً في الحرص على العمل وإعطاء القدوة الطيبة إذ كان معظمهم يربى ويعلم بصدق وأمانة وهو ما جعل أسماءهم محفورة في ذاكرة ابناء هذا الجيل حيث لا ينسى عبدالله عبيد المعلم خضر شعشاعه وعلي بدوي شملا، عبدالسلام السوسي وكامل زغموط ويتذكر عبيد أنهم ساهموا طلاباً في نقل الطابوق من مكان انتاجه على بعد نصف كيلو متر إلى موقع المدرسة (الراشدية) عندما كانت تنشأ مكان المصلى.

وعن ملامح تلك الفترة يوضح ان الطلاب كانوا لا يجدون اندية ويمارسون الألعاب الشعبية وبعض الرياضات البسيطة في المدارس إضافة إلى مشاركتهم في فرق الكشافة والأشبال حيث كانت حكومة الكويت في عهد أميرها عبدالله سالم الصباح تولي اهتماماً بالتعليم في الخليج وفي جنوب الجزيرة العربية وكانت حكومتها تضم هيئة مختصة بشؤون هذه المناطق من حيث التعليم والعلاج.

الرابع المتوسط يعادل الثامن

كما أوضح عبدالله عبيد أنه درس في هذه المرحلة حتى الرابع المتوسط لعدم توافر المرحلة الثانوية مشيراً إلى أن هذا الصف يعادل الثامن حالياً وبعده خيرت ادارة المدرسة الطلاب بين الالتحاق بالقسم الأدبي في مدرسة العروبة الثانوية في الشارقة أو القسم العلمي في دبي الثانوية أو في معهد المعلمين الملحق بثانوية دبي وهو الذي التحقت به وبعد دراسة 4 سنوات تخرجت مدرس فصل في مدرسة القاسمية في الشارقة 1971 معيناً من قبل حكومة الكويت التي كانت تعين أبناء الدولة في إمارة غير المولود فيها.

مساعد مدير الراشدية

وفي العام الدراسي 73/1974 صدر قرار من وزير التربية والتعليم آنذاك الدكتور عبدالله عمران تريم بنقلي من معلم إلى مساعد مدير مدرسة الراشدية حيث تعلمت من مديرها مجد الدين شاهين الكثير من الجوانب التربوية المختلفة، وبقيت مساعداً لإدارات عدة مدارس خمس سنوات انتهت عام 1978 حيث عرض عليه رئاسة قسم في الوزارة وفضل عليه الدراسة الجامعية.

ويفرق المدير السابق لتعليمية عجمان بين طالب ذلك الوقت وطالب اليوم حيث كان طلاب السبعينات أكثر احتراماً للمعلم واهتماماً بالدراسة والتحصيل والتزاماً بالسلوكيات الحميدة مثل التعاون والمثابرة والحرية المسؤولية والانضباط التربوي التي تبحث عنه مدارسنا في طلاب اليوم.

تعليم الكبار

وبخصوص دراسته الجامعية في جامعة الإمارات يقول عبدالله عبيد انه فضلها على ما عرضه وكيل الوزارة عليه لتولي منصب رئيس قسم مشيراً إلى أنه فور حصوله على بكالوريوس الآداب في التاريخ سنة 1982 رشح مديراً لإدارة تعليم الكبار في التربية التي تسلمها وهي تشرف على 113 مركزاً أصحبت 143،

حيث افتتحت المراكز في التجمعات السكانية والقرى مثل المنيعي مصفوت وشعم وفلج المعلا وكذلك في الجمعيات النسائية مثل مركز الشيخة صنعة في العوير وكذلك في السجون مثل مركز شرطة دبي وفي الجمعيات ومنها أم المؤمنين في عجمان وجمعية أم القيوين النسائية.

وانتقل عبدالله عبيد عام 1987 ليصبح مديراً لمكتب عجمان التعليمي الذي تحول إلى منطقة عجمان التعليمية عام 1997 وظل عبيد مديراً لها حتى عام 2004.

مدرسة زايد

ويقول لقد تعلمت منذ توليت مسؤولياتي الإدارية في مدرسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وكل مسؤول مهما كانت مسؤولياته يجب ان يضع أمامه مخافة الله والحرص على من لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتلك المسؤوليات وأذكر أنني حين تشرفت بالسلام على زايد عام 1977

ونحن مرافقون لوزراء التربية الضيوف أثناء افتتاح جامعة الإمارات شعرت أنني مسؤول أمام القائد في كل موقع أتولاه وكذلك أمام صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان حفظه الله، الذي يولي الجوانب التربوية وأبناءه الطلاب جل اهتمامه ويحتفي بهم وبإبداعاتهم والمبدعين من خارج الدولة وداخلها في يوم العلم.

ويضيف لقد عاصرت سبعة وزراء للتربية وتعلمت الكثير من الاحتكاك بالمسؤولين التربويين وغيرهم بدءا من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة عندما كان سموه وزيراً للتربية مروراً بالدكتور سعيد عبدالله سلمان وأحمد حميد الطاير «بالإنابة»، وحمد عبد الرحمن المدفع والدكتور علي عبد العزيز الشرهان، وانتهاء بمعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان الوزير الحالي الذي تتعلق به آمال التربويين في الإمارات وطموحاتهم.

مشاركات خارجية

وما أعتز به وأفخر أنني مثلت الدولة خارجياً وشاركت في العديد من الفعاليات التربوية في دول عدة، ومن ذلك رئاسة وفد طلبة الإمارات المتميزين إلى سلطنة عُمان عام 74 ـ 1975، وكذلك الخلية المتميزة من الإماراتيين إلى الجزائر عام 77/78 وكنت عضواً في الوفد المشارك في الدورة المدرسية العربية السابعة في ليبيا 78/1979، ورأست وفد الإمارات في مؤتمر التعليم بمصر 1984، وفي مؤتمر الإسكندرية الرابع لتعليم الكبار،

وفي المؤتمر الدولي الرابع لتعليم الكبار باليونسكو في فرنسا 1985 والمؤتمر الدولي لمرحلة ما بعد تعليم الكبار في ألمانيا 1986، وكنت عضواً في وفود الدولة لمؤتمرات تربوية خارجية في عمان 1995 والمغرب 2001 وسرس الليان في مصر في الثمانينات.

وعن المشاركات الداخلية يؤكد عبدالله عبيد أنها كثيرة جداً انطلاقاً من حرصه على الاستفادة من الاحتكاك بالآخرين وهو ما أفادني كثيراً، حيث كنت لا أفوت فرصة اقترب فيها من الميدان مدارس وطلاب ومعلمين انطلاقاً من التمسك بحديث رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

وفي رجعة إلى فترة إدارته لتعليمية عجمان منذ كانت مكتباً تعليمياً وبعد أن صارت منطقة، يوضح عبدالله عبيد أنه تسلم المكتب من زميله عبد الرحيم أحمد الشاعر المدير الأول للمكتب التعليمي الذي بذل جهوداً مشكورة في النهوض بالمكتب بمعاونة كل من فيصل الرميثي وعبد الحميد الأسطل وعبد الستار طه الشاهين،

مضيفاً أن الجهود المتواصلة استمرت بعد صدور قرار مجلس الوزراء بتحويل المكتب إلى منطقة بفضل دعم صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي حاكم عجمان وولي عهده سمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي، ولا ينسى عبدالله عبيد معاونة سمو حاكم عجمان له منذ أن كان ولياً للعهد عام 1971 واستمرار هذا العون والدعم طوال فترة بقائه مديراً لتعليمية عجمان.

معنى الأمانة التربوية

وفي شأن حياته الاجتماعية وتربية الأبناء يقول عبدالله عبيد إن ذلك هو المسؤولية التي يجب أن يعض عليها كل رجل بالنواجذ ولا أفضل من الأمانة يربي الرجل أبناءه عليها وقد عشتها أمانة تربوية في التعامل مع الطلبة إذ كنت بينهم باستمرار في غرف نشاطهم وصفوفهم الدراسية أعيش همومهم ومشكلاتهم اليومية وأستمع إلى ملاحظاتهم وأتخذ في ذلك القرارات المناسبة، ولكني مازلت أندم على ما أصدرت من قرارات خاطئة

ومن ذلك القرار الخاص بأحد الدارسين في المنطقة الشرقية الذي لم تكن بملف دراسته شهادة للصف الخامس، وتم شطبه من كشوف الدارسين رغم أن إفادة معلميه كانت أن مستواه يناسب هذا الصف، وقرار آخر ما زلت أندم بخصوص اتخاذه وهو خاص بمعلم ضبط في واقعة من قبل شرطة عجمان، ورفعت اسمه إلى الوزارة وأنهيت خدماته بناء على مضبطة الشرطة

وكان يجب التروي في اتخاذ القرار لظروفه العائلية الصعبة، حيث انتهى الحال بالأسرة إلى بقاء ابنها المعاق فقط، وأقرر هنا أنني لا أندم على فترة عملي في التربية رغم طولها وما لاقيته فيها من معاناة.

ست مشكلات

وبعد طول مدة عمله في المجال التربوي يشخص عبدالله عبيد يوسف حالة الميدان ويعدد الكثير من المشكلات التي لم تعرف طريقها إلى الحل طول فترة عمله التي بدأت في بداية السبعينات وانتهت عام 2004 ومن هذه المشكلات ست رئيسية، الأولى تتعلق بالعجز في إعداد الإداريين والفنيين في المدارس المختلفة، والثانية بتوفير متطلبات المدارس حسب الضوابط المعمول بها تربوياً والتي تخدم الأفكار التطويرية للقطاع، والثالثة بالأبنية التعليمية،

حيث يؤكد عبدالله عبيد أنها تحتاج إلى تطبيق نماذج أكثر جاذبية علي الرغم مما تبذله وزارة الأشغال من جهود في تطوير الأبنية ومع ذلك يظل النموذج الحديث غير مناسب من حيث المظلات غير الواقية، وعدم وجود المسرح والملاعب غير مظللة، وسوء توزيع الغرف.

أما المشكلة الرابعة التي أفاض المدير السابق لتعليمية عجمان في شرحها فهي مشكلة التوطين في القطاع التي تتعثر باستمرار، مشيراً إلى أن الحل بسيط ويكمن في زيادة حوافز هذا العمل لعنصر المواطنين كأن تدفع الحكومة 50% زيادة للمدرسين على رواتبهم وهو أمر سوف يؤدي إلى ولوج المعلم المواطن إلى التعليم الخاص أيضاً، وخامساً يجب أن تسعى الحكومة كذلك في اتجاه توطين إدارات المدارس الخاصة من الكفاءات التربوية بالوزارة،

إضافة إلى المشكلة السادسة التي مازالت تعاني منها المدارس كافة، وهي المختبرات العلمية وغرف المصادر التي يشكل وجودها في المدارس النموذجية عامل نجاح لدورها التربوي، وذلك ثبت لدينا ي عجمان بعد إنشاء مدرسة مشيرف النموذجية في العام الدراسي 2003 ـ 2004 بعد أن تم تهيئة تربتها وأثمرت بذرتها في ظل رعاية ودعم صاحب السمو حاكم عجمان وحكومتها الرشيدة ومجلسها التنفيذي الذي تشرفت بعضويته لمدة عام.

وأنهى عبدالله عبيد وهج ذكرياته بقوله إن افتتاحنا لمشيرف النموذجية عام 2004 يعد إنجازاً تقف وراءه جهود مخلصة ومضنية سوف تثمر بإذن الله مؤسسات تربوية نموذجية أخرى.

فتحي عبدالكريم