على امتداد مراحل التاريخ البشري يمثل التعليم، بشكل أو بآخر، الأداة الرئيسية لنشر وانتشار الإنجازات المتنوعة للحضارة البشرية. والدور الحيوي الذي تلعبه المؤسسات التعليمية والتربوية في بث ونقل المعرفة والمهارات في المجتمعات الإنسانية هو دور معروف للجميع.

وعلى امتداد السنوات ألقت البحوث والدراسات العلمية والتربوية الضوء بشكل كاف على كيفية أن القدر الأساسي من التعليم في أي مجتمع يساهم بشكل فعلي في التنمية الاقتصادية والتخفيف من وطأة الفقر وإنماء الوعي العام في مختلف البلدان النامية.

وقد لخص البنك الدولي في أحد إصداراته الدور الذي تلعبه المؤسسة التعليمية في العالم بالعبارة التالية: « التعليم هو الأداة الحيوية للنظام المدني والتنمية الاقتصادية المستدامة والحد من مشكلة الفقر».

ولكن التعليم، للأسف الشديد، يمر بمنعطف شديد الخطورة في البلدان النامية، لاسيما الأقل نمواً والأقل دخلا بينها. فمؤسسات تلك الدول تواجه سلسلة من المشكلات المزمنة والخطيرة المتمثلة في محدودية الميزانية وازدياد عدد السكان وارتفاع تكاليف الالتحاق بالمدارس والنقص الحاد في المساعدات المقدمة من الخارج، سواء من جانب المؤسسات أو الدول الغنية، وتهميش الغالبية من الشعب التي تعاني في الأساس الأمية بمستويات عالية .

كل هذا يعني أن هناك بالفعل أزمة كبيرة في النظام التعليمي العالمي، لاسيما أن المشكلات التي تعاني منها دولة ما تنتقل بشكل أو بآخر إلى الدول المجاورة ويكون لها أثر سلبي على النظام العالمي بشكل عام. فالتعليم، باعتباره أساس التنمية والنمو وركيزة المجتمع المدني، يبدو وأنه يتأرجح تحت أقدام العديد من البلدان النامية.

وقد أعرب عدد كبير من الكتاب والباحثين عن استيائهم ومخاوفهم من النقص الحاد والمخيف في الاهتمام الموجه للقضايا التعليمية. والكثير منهم يعتقد أن نقص الفرص التعليمية يمكن أن يكون له عواقب كارثية.

وعلى الرغم من تلك التحذيرات التي جاءت على لسان كتاب وباحثين كبار، إلا أن القدرات التعليمية الكاملة في كل وليس حتى في معظم بلدان العالم لم يتم استثمارها بالشكل الكامل. بل ان الأمر يصل في البلدان النامية إلى أن حق الالتحاق بالتعليم الأساسي لا يزال حلما بعيد المنال لأكثر من 3,1 مليار طفل وشخص بالغ، بحسب إحصائيات منظمة اليونسكو.

وبحسب دراسة غربية حديثة فإن الباحثين يُرجعون هذا الأمر إلى مجموعة من الأسباب تقف وراء تباطؤ تحقيق تقدم في مجال التعليم أبرزها هو أن التعليم قد يكون النظام الوحيد من صنع البشر الذي ظل جامدا ليس لديه القدرة على الحركة ولم يتأثر إلا بشكل هامشي للغاية بالثورات التقنية والمعلوماتية.

إن التطورات الجديدة الحاصلة في مجال الاتصالات والمعلوماتية آخذة في إحداث تغيرات دراماتيكية في شتى مجتمعات العالم. وفي هذا الصدد هناك ضغط مزدوج يقع على عاتق العملية التعليمية في العالم.

أما الأول فهو تطوير القدرات اللازمة للوفاء بالاحتياجات الاقتصادية المتنامية للعمال عن طريق توفير المهارات وأنمطة التدريب الضرورية. والثاني هو تدعيم التوسع المتواصل للمعرفة على امتداد العالم.

وقي هذا الشأن يقول البنك الدولي في تقرير صدر عنه أخيراً: « إن التمتع بمستويات معيشية مرتفعة وأجواء صحية أفضل وزيادة الإنتاج وتحسين الحياة للسيدات وعائلاتهن والإدارة السليمة- كل تلك الغايات يعتمد تحقيقها في المقام الأول على شيوع التعليم في العالم.

ففي ظل العيش في حقبة من التغيرات التقنية المتسارعة والاندماجات والتكتلات الاقتصادية العالمية، فإن القوة البشرية المتعلمة هي التي تستطيع وحدها تمكين بلدانها من العيش في رخاء.

والعكس صحيح تماما، فالبلدان التي تنقصها القوة العاملة المتعلمة معرضة بشدة إلى أن تتخلف عن ركب الرخاء. لقد خطت البلدان النامية خطوات واسعة في إتاحة الخدمات التعليمية لشعوبها. غير أنه على الرغم من ذلك فإنه تظل هناك حاجة ماسة إلى بذل مزيد من الجهود من أجل الاستفادة من الفرص التي يتيحها النظام الاقتصادي العالمي بتطوراته المتلاحقة».

ويشير البنك الدولي في تقريره إلى أهمية التعليم عن بعد كإحدى الوسائل التعليمية التي يمكن من خلالها التغلب والتحايل على الصعاب التي قد تواجهها بعض الفئات في بلدان ومجتمعات معينة قد تضطرها ظروفها الاقتصادية والاجتماعية إلى عدم توفير الخدمات التعليمية المناسبة لمواطنيها.

ويقوم مفهوم التعليم عن بعد على نقل العلم من مراكز تجمعه في عواصم الدول إلى مدنها البعيدة التي لا تتوفر فيها وسائط المعرفة الضخمة والمتخصصة. ويتيح نظام التعليم عن بعد إمكانية تلقي المحاضرات من مصدر بعيد عن مكان المحاضرة بالسرعة نفسها وبزمن التنفيذ نفسه وبكفاءة عالية.

في بدايته، كان التعليم عن بعد يعني التعليم بالمراسلة ، أي أن الوسيط كان الخدمة البريدية التي تنقل مواد مطبوعة، أو مكتوبة، بين المتعلم والمعلم. ولكن جعبة التقنيات التي تُستخدم في التعليم عن بعد تتسع حاليا لتشمل مجموعة كبيرة من تطبيقات الحواسيب ووسائط الاتصال الحديثة كالأقمار الصناعية.

فتوفر التطبيقات الحاسوبية حاليا سبل نقل النص والصورة والحركة بالكيفية نفسها التي يوفرها أقدر المعلمين في قاعات التدريس العادية. ويمكن الآن باستخدام الأقمار الصناعية الاتصال هاتفيا وتوصيل البث الإذاعي، صوتا وصورة، لمواقع نائية دون شبكات بنية أساسية أرضية مكلفة.

ويمكن أن يساهم التعليم عن بعد في حل مشكلات الاستبعاد من التعليم التقليدي، سواءً فيما يتصل بالتعليم قبل المدرسي بوجه عام، أو استبعاد البنات والنساء والمناطق النائية والفئات الفقيرة من مراحل التعليم الأعلى.

ومن الممكن كذلك، بل صار ملحا، أن تُستغل أساليب التعليم عن بعد في مكافحة تردي النوعية في التعليم التقليدي. ويمكن أيضا أن تساعد أساليب التعليم عن بعد في التغلب على ندرة المعلمين، خاصة في المناطق النائية والفقيرة، إذ يمكن أن تمثل تلك الأساليب أداة فعالة للنهوض بمستوى المعلمين وتساهم في توسيع نطاق الاستفادة من المعلمين الموهوبين، سواء في تعليم النشء أو في تدريب العامة منهم.

** حاتم حسين