«القريب البعيد» باب نطل من خلاله على تجارب الآخرين في أماكن ودول أخرى، نثري من خلاله الميدان التربوي بفئاته وشرائحه. وما يعرض له قد يكون بعيداً عنا لكنه قريب بأفكاره وطروحاته وتجاربه مرادف لما نسعى اليه. ومن المؤكد ان ذلك سيسهم في تقديم ثروة إثرائية تفيدنا وتدفعنا قدماً لمواكبة العصر ومستجداته.

تقع الغالبية العظمى من حكومات العالم تحت ضغوطات متواصلة من أجل تحسين جودة الخدمات التعليمية التي تقدمها إلى الطلبة بمختلف شرائحهم وتحقيق توازن وموائمة بين الأنظمة التعليمية المتبعة ومتطلبات المجتمع .

ولاشك أن معظم بلدان العالم لاسيما النامية منها تعاني من ظاهرة وجود عدد كبير من الطلبة ينقطعون عن مدارسهم ويهجرون العملية التعليمية برمتها وهم غير مستعدين بعد للحياة العملية وغير مؤهلين لتحمل مسؤوليات الحياة.

وتشير الدراسات العلمية في هذا الشأن إلى أن الفهم الصحيح لجذور ظاهرة الفشل التعليمي وكيفية علاجها بشكل أو بآخر هو أمر حيوي من أجل تمكين الساسة وصناع القرار في أي مجتمع من تحقيق أهداف بلادهم التنموية التي يعتمد تحقيقها بشكل كبير على نجاح العملية التعليمية.

لقد غدت ظاهرة الفشل التعليمي في الوقت الراهن أحد الأمراض المستهدف علاجها بشدة عند وضع الأجندة السياسية أو الاقتصادية لأي دولة من تلك التي تصبو إلى حجز مكان لها على الخريطة العالمية. ولا ريب أن تلك الجهود الرامية إلى اقتلاع جذور المشكلة تقف وراءها العديد من الأسباب والمخاوف الاقتصادية الاجتماعية.

في أوروبا قام مجموعة من الاختصاصيين والباحثين التربويين بعدد من الدراسات الاستقصائية أوضحت أن نسبة تتراوح من 15% إلى 20 % من الشباب في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية يتركون المرحلة الثانوية من التعليم من دون ان يكون لديهم المهارات أو المؤهلات التي تمكنهم من اقتحام سوق العمل.

فضلا عن ذلك أشارت الدراسات نفسها أن نحو ثلث البالغين في سبع من الدول الأعضاء في تلك المنظمة يباشرون وظائف ليس لديهم المهارات الكافية لأدائها بشكل جيد. وخلصت الدراسات التي أجريت في هذا الشأن إلى أن حجم المشكلة بالقطع كبير وأن عواقبها تتجاوز مجرد الأثر الاجتماعي وتمتد إلى آثار اقتصادية قد تؤثر على فاعلية العملية التنموية بشكل عام.

علاوة على ذلك فإن المشكلة يُمكن أن تكون لها عواقب وخيمة على المستوى الإنساني نتيجة اضطرار البعض إلى القبول بوظائف منخفضة العائد ونتيجة إلى شيوع البطالة في المجتمع بما لها من آثار اجتماعية واقتصادية مدمرة.

أحد الأسباب الأخرى الأكثر براغماتية التي تحتم التعامل مع المشكلة بشكل فعلي من دون أي تباطؤ هو تقليص العبء المادي الذي يمثله الطلبة الفاشلون على كاهل الدولة وميزانيتها ومواردها التعليمية بشكل خاص. لقد وجدت دراسة أجراها علماء فرنسيون منذ عدة سنوات أن 30% من الميزانية التعليمية تخص تكاليف يتسبب فيها الفاشلون في العملية التعليمية.

وبالتحديد هؤلاء الذين يتكرر رسوبهم والذين ينقطعون عن المدرسة ولا يستكملون مراحلهم التعليمية. وقال محللون ماليون في بلجيكا إن الميزانية التعليمية يمكن تقليصها بنسبة 10% من دون الإضرار بجودة الخدمات التعليمية إذا تمت السيطرة تماما على ظاهرة التسرب من المدرسة.

إن التعامل مع مشكلة الرسوب المدرسي في ضوء الإلحاحية الشديدة التي تمثلها يعد من القضايا الحساسة ليس في بلدان العالم النامي فحسب وإنما في البلدان المتقدمة أيضا. فالتعامل مع الظاهرة بشكل فج غير مدروس قد يؤدي إلى آثار سيئة على الأفراد والمؤسسات بشكل عام.

ولهذا السبب فإن الجدل دائما ما يطول الأساليب التي يتم من خلالها التعامل مع المؤسسات التي تؤدي عملها بشكل غير جيد . بعض البلدان ترى أن التعامل مع الظاهرة بشكل علني هو خطوة ضرورية من أجل تحسين أداء المدارس المتأخرة تعليميا من خلال استبعاد الفاشلين.

والبعض الآخر مثل بلدان أستراليا والدنمارك وفنلندا وإيطاليا يفضلون ألا يُلقى الضوء بشكل مباشر على الإجراءات التي تؤخذ من أجل تحسين أداء المدارس والأفراد حتى لا يتسبب التشكيك والتوبيخ العلني في فقدان الثقة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

ومهما كانت الاستراتيجية التي سيجري تبنيها من أجل الوصول إلى وسائل علاجية فعالة فإنه من المهم أن يتم التعامل مع الظاهرة بوصفها عملية لها ملامح ثلاثة:

- الفشل في المدرسة نفسها عندما يفشل الطالب بشكل منتظم في الوصول إلى الحد الأدنى المطلوب في الأداء.

- عدم استكمال المراحل المدرسية قبل الحصول على الحد الأدنى المقبول من التعليم.

- الفشل في مرحلة ما بعد المدرسة عندما لا يتمكن الطالب من الاندماج مع الحياة العملية بسبب نقص المهارات وعدم القدرة على تقديم مستويات العمل المطلوبة.

وتشير الدراسات إلى أن أحد الأساليب الرئيسية لعلاج التأخر الدراسي هو السماح للطلاب المهملين بإعادة الصف الدراسي الذي يرسبون فيه. ويتبين أن معظم حالات الرسوب تحدث في المرحلة الثانوية وليس في المرحلة الابتدائية وأن الذكور أكثر إعادة من الإناث بشكل عام في مختلف الصفوف الدراسية.

غير أن التجارب الدراسية والدراسات البحثية أثبتت أن إعادة الصف الدراسي ليس بالوسيلة المثلى التي يمكن أن تفرز النتائج المرجوة في هذا الشأن، بل أن هناك دراسات تشير إلى أنها في أحيان كثيرة قد تؤدي إلى تفاقم الظاهرة بدلا من انحسارها.

ولهذا السبب نجد أن هناك عدة بلدان، مثل الدنمارك وفنلندا واليونان وأيرلندا والنرويج والسويد وبريطانيا، قد تخلت عن أسلوب إعادة الطلبة للصفوف الدراسية، وتحفظت بلدان أخرى مثل فرنسا والبرتغال، في تطبيقه. وبدلا من هذا الأسلوب تبنت تلك الدول نظام الدورات الدراسية ذات العامين أو الثلاثة أعوام.

ولا يُسمح بموجب هذا النظام بالإعادة إلا بشكل محدود للغاية في نهاية الدورة . أحد فوائد هذا النظام هو المرونة التي تتمتع بها المناهج المطبقة داخله؛ فالطلبة ذوو الأعمار الواحدة يمكنهم التقدم في السلم التعليمي بمعدلات مختلفة كل بحسب قدراته.

والفائدة الأخرى هي أن الدورات الدراسية يمكن تطويعها لتناسب الاحتياجات الفردية للطلبة، وهو الأمر غير المتوافر في الأنظمة التعليمية التقليدية. وأثبتت التجارب أن هذا الأسلوب يتيح تقويما أكثر دقة لمستويات الطلبة ومعرفة نقاط القوة والضعف لديهم.

وفي ضوء المنافسة العالمية المحتدمة في جميع المجالات تبين بما لا يدع مجالا للشك أن مكافحة ظاهرة الفشل الدراسي تظل إحدى الأولويات الرئيسية على امتداد العقود بالنسبة للبلدان الأوروبية التي تبحث دوما عن مزيد من النجاحات. فما بالنا نحن في البلدان النامية!

وفي هذا الصدد وضعت الدراسات أربعة مبادئ يمكن أن تقوم عليها أي استراتيجية لاستئصال المرض:

1- التحرك بسرعة فور رصد العيب، مما يعني المتابعة اللحظية والمستمرة للطلبة الذين يتبين أنهم في منطقة الخطر وعدم اتباع سياسة التسويف .. فمعالجة المشكلة في بدايتها يقلص التكليف من ناحية ويساعد في الوصول إلى نتائج فعالة من ناحية أخرى.

2- تعاون جميع الأجهزة المعنية في الدولة على بذل جهود طويلة الأمد ومشاركة المنزل في تلك الجهود.

3- المرونة في تطبيق القواعد والتعليمات، مما يعني تغييرها بالشكل الذي يناسب القدرات المتباينة للطلبة وتطبيق مناهج مرنة تصب في المصلحة العامة للدولة.

4-الاستفادة من الخبرات المتوافرة في هذا المجال وتجارب الدول التي مرت بمشكلات مماثلة، وهو ما يعني توفير جميع الوسائل والتقنيات اللازمة التي تتيح علاج المشكلة بشكل عملي وعلمي.