بلادنا زاخرة بكنوز الجمال والعطاء، وأغلى كنوزها إبداعات أبنائها ومواهبهم، ومبدعونا من أبنائنا الطلبة هم النخبة المتميزة في مجالات الحياة المختلفة من أدبية وفكرية وعلمية وغيرها وهم اللبنة القوية التي يرتكز عليها صرح المجتمع المنشود.

*** جلس راشد على كرسيه المتحرك يراقب أطفالاً يلعبون الكرة، وصورته عندما كان لاعباً محترفاً في هذه اللعبة تتراءى أمام عينيه، وبركلة من أحد هؤلاء اللاعبين اتجهت الكرة صوبه، حتى استقرت أمام قدميه المشلولتين، فصاح به أحدهم:

ـ لو سمحت، يا عم، اركل لنا الكرة.

أحس راشد بغصة في حلقه، وراح يتذكّر تلك الحادثة المفجعة التي شلّته عندما كان مع صديقيه حمدان وجمعة في أحد المتنزهات وقت الأصيل.

وقال له حمدان:

ـ البارحة اشترى أبي لي سيارة، تسابق الريح.

فقال راشد مستغرباً:

ـ ولكنك ما زلت في السابعة عشرة من عمرك، والقانون لا يسمح لك بقيادة السيارة في مثل هذه السن.

وقال له جمعة:

ـ أما أنا، فأبي اشترى لي سيارة كالصاروخ، لا تكاد ترى بالعين عندما تسير في أقصى سرعتها.

فقال حمدان متحدياً:

ـ بل سيارتي هي الأسرع، وإن كنت لا تصدق، فلنتسابق معاً.

قال جمعة:

ـ هكذا إذن! فليكن ـ يا صديقي ـ ما تريد. متى نتسابق وأين؟

فقال حمدان:

ـ ليكن اليوم في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل على الطريق الصحراوي.

التفت حمدان إلى صديقه راشد، وقال له بنبرة ساخرة:

ـ ها يا راشد.. يبدو أنك لن تشاركنا السباق اليوم، لأن أباك لم يشتر لك سيارة، أليس كذلك؟

والتفت إليه جمعة قائلاً بمزيد من السخرية:

ـ هذا صحيح، فهو لا يزال صغيراً، لا يستطيع قيادة السيارات مثلنا.

وضحك ضحكة ساخرة مستفزة، جعلت راشد يخرج عن طوره، ويصيح قائلاً:

ـ بل امتلك سيارة كالبرق، هي الأسرع في العالم، ستهزم سيارتيكما هزيمة نكراء. سأشترك معكما في السباق، وسأريكما من منّا الأسرع.

عاد راشد إلى بيته بائساً مهموماً، وهو يتساءل في سرّه:

ـ كيف وافقتهما على هذا؟ ما الذي دفعني إلى الكذب؟ لماذا لم أخبرهما بالحقيقة؟ إذا لم أذهب إليهما، سيعرفان أنني أكذب، ويسخران منّي.

وحين أخذ يفكر بعمق، وهو يحك رأسه، صاح قائلاً:

ـ وجدتها.. وجدتها.

انتظر راشد عودة أبيه من العمل على أحرّ من الجمر، وأخذ يراقبه من بعيد، حتى رآه يدخل إلى غرفته ليخلد إلى النوم، وبعد نصف ساعة من الانتظار، اطمأن أن أباه قد استغرق في النوم، فتسلل خلسة إلى غرفة أبيه، فتح بابها بهدوء مرتجفاً، وقلبه يخفق بشدة، حتى ظن أن أباه سيستيقظ على صوت قلبه، ثم خطف مفتاح سيارة أبيه بسرعة، وهو يبتسم ابتسامة ظفر وانتصار، ويقول في سره:

ـ ها انذا قد ظفرت بك.

خرج راشد من الغرفة، وأغلق الباب بهدوء، ثم اتجه مسرعاً إلى الخارج، ولكن صوتاً فاجأه من خلفه قائلاً:

ـ إلى أين يا راشد؟

سقط قلبه بين قدميه، وهو يلتفت بسرعة إلى الوراء، ليجد أمه أمامه، فبدا عليه التوتر والارتباك الشديد، وقال متلعثماً:

ـ آ.. آ.. لا شيء غير أني شعرت بالملل فأردت أن أتنزه قليلاً في الخارج.

قالت الأم:

ـ ولماذا تمسك بمفتاح سيارة أبيك؟

امتقع وجهه بشدة وأخذ العرق يتصبّب منه، وظل حائراً لحظة، ثم قال فجأة:

ـ كنت قد نسيت محفظتي في السيارة، فأردت أن أحضرها.

خرج راشد من البيت، واتجه مسرعاً نحو سيارة أبيه، وهو ينظر إلى ساعته، ويخاطب نفسه قائلاً:

ـ يجب أن أذهب إليهما بسرعة، فلم يعد لديّ متسع من الوقت.

فتح باب السيارة بحذر، وجلس وراء مقعد القيادة، ثم أدار المفتاح، فدار المحرك، وهو يبتسم ابتسامة عريضة قائلاً بزهو وخيلاء:

ـ هأنذا قادم بسيارتي.

بدأ يضغط على دواسة الوقود ببطء وحذر، فبدأت السيارة تتحرك شيئاً فشيئاً، حتى بلغت سرعة فائقة، وأحسّ راشد في البداية برهبة مضنية، لم تلبث أن تحوّلت إلى سعادة غامرة وشعور بالظفر والرجولة، فقال راشد في نفسه:

ـ الآن عرفت متعة القيادة.

أخذ يستعين باللوحات الإرشادية للوصول إلى المكان المنشود، وحين اقترب من المكان، وجد صديقيه يتبادلان أطراف الحديث، وجانب منهما سيارته، فزاد من سرعته ليتفاخر بها أمامهما، ثم ضغط فجأة على المكابح، لتصدر السيارة صريراً قوياً، وتتوقف مكانها، ثم نزل راشد من السيارة، ونفسه مملوءة بالزهو والفخر، ليرى صديقيه مذهولين من جمال سيارته وبريقها، فصاح به حمدان بذهول:

ـ من أين حصلت عليها؟

فقال له جمعة:

ـ إنها من أحدث طراز.

ضحك راشد ضحكة، تكسوها السخرية، وقال:

ـ ألم أقل لكما إنها سيارتي، اشتراها لي والدي قبيل أيام.

قال حمدان بخبث:

ـ هذا لا يعني أنها أسرع سيارة.

أخذ كل منهم موضعه من السباق، ورفع حمدان يده إيذاناً بالانطلاق.

ضغط راشد دوّاسة الوقود، فأصدرت الإطارات صريراً حاداً، وكأنها عاجزة عن إطاعة قائدها، وانطلقت بسرعة مرعبة، كأنها تسابق الريح، وزاد راشد من الضغط على دوّاسة الوقود، حتى بلغت السيارة سرعتها القصوى، فأحسّ راشد بالظفر والانتصار، وأخذ يضحك ضحكات مجلجلة، وهو يسير بسرعته الجنونية، وفجأة لمح شبحاً يعبر الطريق، فانفجر قلبه، وأدار المقود بسرعة إلى اليمين، وهو يضغط المكابح بأقصى قوته، ليتفادى الاصطدام بهذا المار، لكنه فقد سيطرته على السيارة، فانقلبت بعنف ثلاث مرات متتالية قبل أن ترتطم بعمود إنارة على جانب الطريق، وتستقر على جانبها، ولكن عجلاتها ما زالت تدور.

ولم تمض دقائق معدودة حتى سمع صوت سيارة إسعاف تقترب من بعيد بعد أن اتصل بها ذلك المار، وحمل راشد إلى المستشفى فاقداً الوعي، وهو في حالة خطيرة، وأخذوا يقدمون إليه الإسعافات اللازمة.

وبعد بضعة أيام استعاد راشد وعيه، فهرع الوالدان إلى رؤية نجلهما، ودلفت الأم إلى الحجرة، وقبّلت ولدها بحرارة، والدموع تذرف من عينيها، وهي تقول:

ـ كيف حالك يا بني؟ هل أنت بخير؟

وقال الوالد:

ـ هل أنت على ما يُرام؟ أرجو أن تكون بخير يا ولدي.

فقال راشد:

ـ أنا بخير، والحمد لله، وسأتماثل للشفاء بإذن الله قريباً.

وهمّ راشد بالنهوض من سريره، فصاح به الطبيب:

ـ لا تتعب نفسك يا راشد، إنك ما زلت مصاباً.

فقال راشد:

أرجوك أيها الطبيب، سئمت من ملازمة هذا الفراش.

وهمّ راشد بالنهوض ثانية، ولكنه صرخ بارتياع:

ـ إني لا أحس بقدمي هاتين!! ما الذي أصابني أيها الطبيب؟! بالله عليك أخبرني.

امتقع وجه الطبيب، وارتسمت على قسمات وجهه علامات الأسى والحسرة، وقال بصوت مخنوق:

ـ للأسف يا بني، أصبت بشلل نصفي.

صرخ راشد صرخة مريعة، والندم يعتصر قلبه:

ـ لا.. لا..

انتفض من كرسيه واستيقظ من ذكرياته، وترقرقت من عينيه دمعات ساخنة على وجنتيه، وهو يقول: ـ حقاً السرعة قاتلة

بقلم: محمد مصطفى جمعة