أوجدت غالبية الدول في العالم صياغة عادلة لتوفير خدمات صحية تسمح للفرد أياً كان عمله ودخله بأن يتلقى أفضل علاج دون أن تقهره ظروفه المادية، وعلى الرغم من ثراء دولتنا ظلت صحة وعافية أبنائها العاملين في حقل التربية والتعليم في حاجة لرعاية.
وقصة مطالبة توفير التأمين الصحي للعاملين في هذا القطاع الحيوي محزنة وشائكة بل وتستحق التوقف ملياً لنستمع إلى ما تفضي به شريحة واسعة من العاملين في الميدان التربوي نتلمس أوجاعهم سعياً للعلاج.
البعض ممن استطلعنا آراءهم أعرب عن استيائه من عدم توفير تأمين صحي شامل يخولهم تلقي العلاج في مختلف المستشفيات والعيادات الحكومية والخاصة، مبدين أسفهم من ردود الفعل السلبية التي أبدتها وزارة التربية والتعليم حيال هذه المسألة. وذكر البعض ان المسؤولين في الوزارة وضعوا قضيتهم تلك في طي النسيان دون مبرر منطقي يذكر.
مجمعات طبية...فاطمة الشيب موجهة المهارات الحياتية في منطقة الشارقة التعليمية قالت: إن مسألة التأمين الصحي وأحقيتهم في الحصول عليه جزء من ديباجة طويلة يسعون للحصول عليها منذ سنوات، متسائلة ما ذنب العاملين في التربية ليتلقوا مثل هذه المعاملة في دولة تصرخ بأنها تسعى إلى تجويد التعليم وتذليل عقباته؟
وترى هدى سعيد المعلمة في مدرسة الزهراء للتعليم الثانوي في الشارقة انه لا جدوى من الحديث والكتابة حيث أمضى العاملون سنوات طويلة يرفعون ويشتكون دون أن يسفر ذلك عن نقلة نوعية في أوضاعهم، مشيرة إلى أحقيتهم في توفير مجمعات طبية خاصة تخدم العاملين في المدارس على اختلاف درجاتهم الوظيفية ودون تمييز.
وتضيف قائلة: من المفارقات العجيبة أن تستمر مشكلة عدم تأمين العاملين في «التربية» صحياً لتتعاظم آثارها وتتضخم مخاطرها، مطالبة بالعمل فوراً لتحقيق الأمن الوظيفي الذي يفتقده غالبية العاملين في أكثر القطاعات أهمية من خلال تحسين أوضاعهم المعيشية البائسة وعلى رأسها مسألة تأمين صحة الإنسان التي تمثل ثروته وأساس نجاحه.
وجهة نظر هدى تؤيدها لطيفة خميس اختصاصية اجتماعية في المدرسة ذاتها قائلة: في غياب التفسير الموضوعي لعدم شمولية العاملين في الوزارة للتأمين الصحي ندعو إلى الالتفات قليلاً إلينا نحن الأشقياء في هذا الحقل الذي يبخس على أبنائه حقهم في أن يكونوا متساوين في الحقوق أسوة بغيرهم من العاملين في القطاعات الأخرى والشركات الكبيرة.
ولا تستغرب الاختصاصية الاجتماعية هذا الحال لأنه ينسحب على ظلمهم في العديد من المجالات التي تُعد حقاً مشروعاً لهم.
ظلم مشروع
رفض وزارة التربية تحقيق مطلب التأمين الصحي حسب سوسن عسكر مديرة مدرسة النوف الثانوية يجب ألا يقف عائقاً أمام تأدية كل فرد من أسرة وزارة التربية والتعليم لعمله على أكمل وجه. ولكنها تعتبر في الوقت ذاته أن هذا الحرمان هو مسلسل جديد للظلم الذي يمارس عليهم.
وتتابع ما ندعو إليه هو ضرورة إنسانية ملحة فالمعلم مثلاً يقف أكثر من خمس ساعات على قدميه ليدرّس طلبة هم في المستقبل القريب عماد الأمة وخيط الأمل الرفيع نحو مزيد من التطور.
ولا أعتقد أن التأمين العادي الذي تؤمنه كل المؤسسات للعلاج في المستشفيات الحكومية على الرغم من جودته قادر على تلبية احتياجاتنا بسبب الأعداد الكبيرة التي تتوافد عليها خاصة وأن بعض الحالات لدينا لا يمكنها الانتظار طويلاً بحكم التزاماتها العملية في مواقع عملها المختلفة.
رغبة جماعية
يؤكد الدكتور محمد معراوي موجه اللغة العربية في منطقة دبي التعليمية أن التأمين الصحي رغبة جماعية وأمنية يتشارك فيها العاملون في وزارة التربية والتعليم خاصة بعد تغير الظروف الحياتية وغلاء المعيشة الذي اجتاح كل قطاعات الحياة متمنياً أن يكون هناك نظرة اجتماعية سامية تقدر العاملين في «التربية» وتضعهم في موقعهم المناسب.
موجهة التربية الفنية في منطقة الشارقة التعليمية هيفاء عبد السلام قالت إن الحاجة أصبحت الآن ضرورية لمعرفة مدى أخطار هذه المعضلة على العاملين، لافتة أنه من أهم الأخطار النفسية جراء ذلك هو التخوف من الوصول إلى مرحلة يصعب فيها التفاهم بين العاملين في التربية والمسؤولين في الوزارة بسبب انقطاع الحوار الحر والمباشر فيما بينهم.
وتتابع: لا يجوز مقارنتنا بالدول الأجنبية المتطورة تعليميا، لأن هذه الدول عندما تأخذ أفضل ما عند موظفيها تكون قد وفرت لهم كافة احتياجاتهم، بل ويصل الأمر إلى تلبية حاجاتهم النفسية أيضاً.
وجهة نظر
دينا محمد معلمة اللغة العربية في مدرسة دسمان التأسيسية لها وجهة نظر مغايرة، حيث ترى أن الدولة وفرت لكل فرد يقطن على أرضها حياة كريمة لا يُضام فيها أحد بغض النظر عن عرقه أو جنسه.
والتأمين الصحي أحد الميزات والحسنات التي تحسب لهذه الدولة الفتية التي أبت أن يعالج أبناؤها على نفقتهم الخاصة، فوفرت لهم المراكز الصحية والمستشفيات الحكومية ليتلقوا فيها أفضل علاج، مضيفة أن مطالبة العاملين ليس في وزارة التربية والتعليم فقط، بل بالتأمين الصحي الشامل للمستشفيات والعيادات الخاصة ترفاً لا حاجة له، بل سيكون عبئاً جديداً يُضاف على الأعباء الكثيرة الملقاة على عاتق الحكومة.
تشاركها المعلمة أمينة صبحي الرأي حيث ترى أن العلاج في المستشفيات الحكومية كفيل بتأمين أرقى سبل العلاج وأكثرها تطوراً. وتقول لا يمكن لأحد منا أن ينكر ضغط العمل الهائل الذي يرزح تحته كل من يعمل في التربية والضريبة العالية التي يدفعها من صحته وعافيته، ويمكن لهذه المطالبة أن تكون منطقية لو أن المستشفيات الحكومية لا تعالج المرضى مجاناً.
يذكر أن قضية التأمين الصحي كانت أحد أهم المقومات التي ركزت عليها إدارة المدارس في تقاريرها التي وجهتها إلى معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم، واعتبرتها من القضايا التي تقف في وجه تطوير التعليم وتجويد أدواته.
نورا الأمير