في سبتمبر من كل عام يتوجه الطلبة في مختلف أرجاء العالم إلى مدارسهم لاستهلال عام جديد من المفترض أنهم يكتسبون خلاله مزيدا من المعلومات والمعرفة التي تصقل حياتهم العملية بعد التخرج.
إن المهمة الرئيسية للمدرسة كمؤسسة اجتماعية تُعلم وتربي الأجيال، تتلخص في منح الطلبة كنوزاً من المعرفة وتنشئتهم اجتماعيا، بعد تأقلمهم مع الحياة المدرسية ويستفيدون بشكل متفاوت من التجارب التعليمية التي يخوضونها.
وتعد المرحلة الابتدائية مصدر استمتاع للأطفال في هذا العمر مقارنة بالمراحل اللاحقة من التعليم التي تتفاقم فيها الضغوط الواقعة على كاهل الطلاب بشكل عام سواء من داخل المدرسة أو من قبل المنزل، غير أن الواقع يشير في الوقت ذاته إلى أن هناك نسبة ليست بالبسيطة من التلاميذ لا تتأقلم مع المناخ المدرسي وذلك من اليوم الأول للدراسة.
ويتضح بشكل لا مواربة فيه أن هؤلاء الطلاب يعانون مشكلات في المدرسة تتسبب بدورها في إفرازهم سلوكيات غير سوية مقارنة بسلوك الآخرين، فبعض الأطفال يتملكهم دائما رغبة عارمة في ضرب أو إيذاء زملائهم بدنيا، وهناك آخرون يجدون صعوبة في التركيز واستيعاب الدروس التي تقدم لهم، وآخرون يرفضون في صمت استقبال المعلومات واستيعابها.
الهيكل الأسري
وتوضح الدراسات الحديثة التي تُجرى في هذا الصدد في كل من أوروبا والأميركيتين أن عدد الطلاب الذين يعانون مشكلات سلوكية آخذ في الزيادة بشكل كبير خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، وفي بعض المناطق في أوروبا وأميركا وصل الأمر إلى أن زاد هذا العدد بمعدل ثلاثة أضعاف خلال تلك الأعوام التالية.
بعض الخبراء يرجعون الأمر إلى أسباب اجتماعية لها علاقة بالتغير الذي طرأ على الهيكل الأسري وما صاحبه من عدم توجيه الرعاية الكافية للأطفال في تلك السن .
وكذلك الأثر السيئ في كثير من الأحوال لوسائل الإعلام. فضلا عن ذلك هناك أسباب أخرى لا يمكن تجاهلها بأي شكل من الأشكال مثل الفقر والممارسات الأبوية غير المؤثرة في سلوك الأطفال والضغط الذي يمر به الأطفال في بعض المواقف العائلية.
كما يُوَجه اللوم في أحيان كثيرة إلى المدرسة وعدم قدرتها على التعامل مع المشكلات التي تواجه بعض التلاميذ إما بسبب قصور النظام المدرسي أو عدم مقدرة المدرسين على النفاذ إلى عقلية الأطفال ومساعدتهم على التغلب على مشكلاتهم.
ويشير خبراء التربية إلى أن جميع الاضطرابات السلوكية التي يعاني منها التلميذ في حياته التعليمية هي مؤشر مبكر على المشكلات التي قد يواجهها في المستقبل بعد التخرج مثل البطالة والعزلة الاجتماعية أو حتى أثناء الدراسة مثل الرسوب وعدم مواصلة الدراسة.
السلوك غير السوي
وهناك إجماع في الأبحاث العلمية التي تُجرى في هذا الشأن على أنه من أجل التغلب على تلك المشكلات فإنه يجب التعامل معها منذ نشأتها في الطفولة وعدم تركها لتتفاقم وتصبح مشكلة مزمنة في حياة الشاب عند الكبر.
ومن أجل التعامل مع تلك المشكلات السلوكية لدى التلاميذ هناك أيضا شبه إجماع على تبني برامج وقائية تبادر بها المدرسة والمؤسسات التعليمية المعنية، وظهرت دراسة أميركية حديثة تُلقي الضوء على الجوانب التي قد تكون غائبة عن المؤسسات التعليمية والتي توضح الخطورة الكبيرة لتلك المشكلات الاجتماعية.
تؤكد إن السلوك غير الاجتماعي للطلبة أكثر المشكلات تعقيدا في المجتمعات الحديثة وذلك لأن المفهوم الأساسي الذي تُعرف من خلاله أي مشكلة سلوكية يصعب بشكل كبير تحديد مسماه في ضوء حقيقة أننا كآباء وأمهات يكون لدينا في الغالب تعريفات مختلفة للسلوك غير السوي والمقلق للأطفال والطلاب ولأننا نتفاعل مع تلك المشكلات بأشكال مختلفة بحسب التكوين الشخصي لكل إنسان ونوع ثقافته.
وتشير الدراسة إلى أن المشكلات السلوكية لا تنشأ في العادة بشكل منفصل وإنما تكون بشكل عام مرتبطة بصعوبات تأقلم أخرى مع الجو المحيط، مثل التمرد الاجتماعي والاعتراض على التقاليد والأعراف وصعوبات التركيز والانتباه والنشاط الزائد عن الحد وكذلك مشكلات الاكتئاب والقلق والتوتر.
البرامج الوقائية
وتعرض الدراسة لمجموعة من الإرشادات التي من شأنها الارتقاء بمستوى الطالب وتخليصه من كثير من المشكلات السلوكية التي تواجهه من خلال ما يٌعرف بالبرامج الوقائية، تلك الإرشادات يمكن تلخيصها كالآتي:
تعريف الطلبة بحقوقهم الإنسانية وسبل صياغة كرامتهم واحترام قيمهم،و مساعدتهم على تحقيق نموهم النفسي الاجتماعي بشكل سوي وتقويم ذاتهم تقويما موضوعيا وفهمها وتوجيهها بما يجعلهم قادرين على اتخاذ القرار الذي يتفق مع حاجاتهم الحالية والمستقبلية.
تشجيع الطلبة على المشاركة في الأنشطة المدرسية التي تتلاءم مع نظرتهم لأنفسهم وتساعدهم أن يكونوا عناصر فعالة في مجتمعهم، وتنمي الوعي بعالم العمل ومصادره ومجالاته المتوفرة بالمجتمع واكتساب مهارات واتجاهات تساعده في تحقيق ذلك.
إضافة إلى تنمية القدرة على التخطيط للاستفادة من وقت فراغهم في أنشطة تعمل على تنمية شخصياتهم، وتحويل المرشدين الذين يعجزون عن مساعدتهم إلى الجهات المناسبة التي تقدم الخدمة التي يحتاجونها.
مساعدة الطلبة على فهم نقاط القدرة والضعف لديهم وفهم طاقاتهم واستعداداتهم الكامنة، والمشاركة في تخطيط وتنفيذ البحوث التي تؤدي نتائجها إلى مساعدة الطلاب على تحقيق توافق أفضل مع مجتمعهم الصغير المتمثل في المدرسة والكبير المتمثل في البلد الذي يعيشون فيه.
والعمل مع طلاب المدرسة توجيها وإرشادا بما يساعدهم في تفهم أنفسهم وأدراك إمكاناتهم واستعداداتهم وقدراتهم وميولهم ورسم المسار الدراسي والمهني في المستقبل، بجانب العمل معهم بالتعاون مع الاختصاصيين الاجتماعيين على تفهم العلاقات الإنسانية واكتساب المهارات والعادات والاتجاهات والقيم السليمة وأساليب التعامل مع الآخرين وتنمية شخصية الطلاب في مختلفة النواحي الفردية والجماعية.
ح. ح