بلادنا زاخرة بكنوز الجمال والعطاء، وأغلى كنوزها إبداعات أبنائها ومواهبهم، ومبدعونا من أبنائنا الطلبة هم النخبة المتميزة في مجالات الحياة المختلفة من أدبية وفكرية وعلمية وغيرها وهم اللبنة القوية التي يرتكز عليها صرح المجتمع المنشود في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب» (سورة آل عمران 190).
ما إن جلست أتفكر أو أحدق طويلاً في نفسي أو حتى بحجمي في هذا العالم الكبير المترامي الممتد، كم أبدو ضئيلة؟! (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (سورة الذاريات 21) نعم أفكر في هذا العالم، وما يتبعه من عوالم، هذا الكون الذي أثبتت نظريات العلماء أنه كون ممتد، ويمتد ويمتد إلى أن يشاء الله!
وأنا الآن أكتب تصوُّري لعظمه، ومدى إدراكي لأبعاده، فإذا بدأت من هذه الورقة التي هي بين أناملي والتي لا يتجاوز سمكها واحداً من المليمترات، ووضعت مليوناً من هذه الصفحات فوق بعضها، فإن ارتفاعها سيبلغ ارتفاع أحد المباني المكونة من ثلاثين طابعاً، أما إذا وضعت ملياراً فوق هذا العدد، فإن ارتفاعها سيبلغ حوالي أكثر من تسعين كيلومتراً.
وذلك يعادل قمة إيفرست عشرات المرات، وإذا وضعت تريليوناً من الصفحات، فإن ارتفاعها سيصل إلى خمسة وتسعين ألف كيلومتر فوق سطح الأرض وهذا يعادل أكثر من ربع الطريق إلى القمر.
نحن نعد بالدقيقة ستين ثانية، ستون دقيقة تساوي ساعة، ولكن أربعاً وستين ألفاً وأربعمائة ثانية تساوي يوماً واحداً، مليون ثانية تساوي اثني عشر يوماً، ومليار ثانية يعادل ما يزيد على واحد وثلاثين عاماً، أما التريليون ثانية فإنها تساوي تقريباً ما يزيد على ثلاثمئة قرن، أي ثلاثين ألف سنة.
وبهذا التصاعد المتتالي من الصغر إلى الكبر، من المليم إلى التريليون، أظن أنها كانت البداية في سلسلة من التطورات التي طرأت على هذا الكون العظيم، وبذلك ندرك كيف أن أرقاماً صغيرة يمكن أن تتطور بسرعة لتصبح أرقاماً فلكية، وكيف أن هذا التصاعد المتتالي هيأ لكرة صغيرة أن تصبح كوناً عظيماً ما زال يمتد في عظمة إلى أن يشاء الله.
وكلما توغلنا أكثر فأكثر في رحاب هذا الكون بنجومه ومجراته، نقف أمام عجائب هندسة هذا الكون الذي وضع له ليدور فيه ويمتد فيه بلا حدود، هندسة فنية مبدعة، وضعت بمقدار دقيق، وخط متناسق، وحجم يتناسب وجاذبية تجذب بعضها بعضها بقوة لا تتصورها العقول وتماسك يبهر الألباب.
فتارة نرى نجماً هنا، وتارة انفجاراً هناك، وبينها نجوم لا تستقر في مكانها، يعجبنا تنقلها العجيب، وكأنها تتحرر من جاذبية إلى أخرى، إنها ليست كذلك فحسب، بل هي سلاسل من تحولات الطاقة من صورة إلى أخرى من صورها المختلفة، تنحل في أعماق مجرات كبيرة لتصل في نهايتها إلى أصغر وحداتها ألا وهو الالكترون، الذي يشكل انتقاله من مستوى إلى آخر فرقاً في الطاقة، لا يغير من بنية ذرته، ولكن يمتد أثره إلى انفجار المجرّة، أو ولادة نجم جديد.
نعم، نريد أن نقول إن هذا الكون باتساعه الهائل ليس سوى صورة مكبرة لذرة من عنصر ما لا يتعدى قطرها جزءاً من عشرات الأجزاء من المتر، نعم، نريد أن نقول إن هذا الكون اللبنة الأساسية له تكوّنت من هذه المواد، فالعلاقة مرتبطة في جميع أشكالها بين الصغر والكبر.
ولا عجب في ذلك، من ذرة كذرة الهيدروجين إلى كوننا الحالي، فهي مستمرة في البناء، تفاعلات لا تنتهي بسبب المادة والطاقة، يتغير فيه كل حركة وسكنة في أرجاء الكون، تصل إلى نظامنا الحيوي، هنا على الأرض حتى إلى الدماغ.
ولكن دماغاً كالدماغ البشري، الذي في حجمه الظاهري كما الإبرة في اليم، أنّى له أن يتسع لكون بذلك الحجم، وأعيد وأكرر: هل يستطيع الدماغ تصور أبعاده الهائلة، وإدراك أرقامه الكبيرة؟!
وهو الذي في حياته اليومية، لم يتسع إدراكه إلا لمساحة الغرفة التي يقطنها أو الزمن ما بين صلاة المغرب والعشاء، ولكن حين يكون الحديث عن السنين الضوئية، وهي أيضاً من نتاج الفكر البشري، ليستحق الدماغ من نفسه وقفة تقدير واحترام!
فمن نهر جار، إلى ريح عاصف، وعقلي حائر عاجز عن إدراك هذه الأسرار، حقاً يا رب نعماؤك وآلاؤك في هذا الكون لا تُحصى ولا تُعد، خلقت فأبدعت، سبحانك يا خالق الأكوان، والحمد لك يا مانح العقول.
* زهرة أحمد