«القريب البعيد» باب نطل من خلاله على تجارب الآخرين في أماكن ودول أخرى، نثري من خلاله الميدان التربوي بفئاته وشرائحه. وما يعرض له قد يكون بعيداً عنا لكنه قريب بأفكاره وطروحاته وتجاربه مرادف لما نسعى اليه. ومن المؤكد ان ذلك سيسهم في تقديم ثروة إثرائية تفيدنا وتدفعنا قدماً لمواكبة العصر ومستجداته.
يتقدم المستقبل والمستوى التعليمي للأبناء أولويات اهتمام معظم أولياء الأمور، ويتجلى هذا الأمر في شغف الآباء بتلقي الأبناء تعليمهم في أفضل المدارس وتوفير أنسب الأجواء اللازمة للدراسة، غير أن الشغف الذي تحكمه العاطفة ويفتقد الأسلوب العلمي المتزن عادة ما لا يحقق المطلوب منه.
و لذلك فإن الآباء دائما ما يُنصحون بتبني أسلوب علمي يقومون من خلاله بتنشئة الأبناء بشكل تربوي وتعليمي سليم. وفي هذا الصدد تكثر الدراسات التي توفر لأولياء الأمور الإرشادات التي تعينهم على وضع أبنائهم على الطريق القويم.
إن كل أب أو أم يعرفان حق المعرفة أن النجاح في المدرسة أمر مهم للغاية إن لم يكن شرطا في أحيان كثيرة للنجاح في معترك الحياة العملية بعد ذلك، ومن أجل بلوغ هذا الهدف يقدم خبراء التعليم عدة أوراق بحثية تتضمن إرشادات عامة في هذا الشأن، إحدى تلك الدراسات تقدمها جهة بحثية أميركية توضح فيها أن هناك 10 إرشادات يمكن من خلالها لولي الأمر وضع الأبناء على الدرب الصحيح تعليمياً.
أولى تلك الإرشادات هي وضع جدول عام تسير طبقا له الحياة الدراسية للفتى أو الفتاة، ففي خضم الحياة العملية تعاني معظم العائلات من كثرة وتنوع الواجبات والالتزامات وانقسامها بين الوظيفة والمدرسة والمسؤوليات الاجتماعية.
وهو الأمر الذي يتسبب أحيانا في أن يطغى أمر على آخر. ولهذا السبب فإن وضع جدول يحظى بالتزام المعنيين وفي الوقت نفسه يكون مرنا من أجل توفير المناخ المناسب للدراسة هو من الأمور المهمة لتوفير توازن بين متطلبات الحياة اليومية.
و في هذا الصدد لا ينبغي المبالغة في الالتزامات الواردة في هذا الجدول،و هو ما يعني عدم تحميل الأبناء فوق طاقاتهم، إذ إن هذا الأمر قد يكون له مردود سلبي على الأبناء ويتسبب في عدم التزامهم لاحقا بأي جدول يٌملى عليهم.
ويعتبر توفير أوقات للراحة من أهم العناصر التي يجب أن تتوافر في مثل تلك الجداول التعليمية؛ فعدد كبير من الطلاب لا يأخذ قسطا وفيرا من ساعات النوم. وبحسب الدراسات العلمية المقدمة في هذا الشأن فإن الحصول على 8 ساعات من النوم يوميا هو أقل ما ينبغي للطفل أن يحصل عليه يوميا.
و من الأفضل أن تزيد ساعات النوم عن هذا قليلا وفي الوقت نفسه لا ينبغي التعويل على إجازات نهاية الأسبوع من أجل تعويض قلة ساعات النوم. فمعظم الدراسات العلمية تؤكد أن كل يوم عمل دراسي أو عملي يحتاج عددا كافيا من ساعات النوم وذلك من أجل ضمان أداء دراسي جيد.
النصيحة التالية الواردة في الدراسة الأميركية تتعلق بالتغذية، فالتغذية غير السليمة والوجبات السريعة غير المفيدة وتناول الطعام على عجل هي كلها أمور تؤدي إلى النتائج السلبية نفسها التي يفضي إليها النوم غير الكافي.
وفي هذا الشأن تؤكد الدراسة على أهمية أن يتوافر لدى التلميذ وفرة من الأطعمة الخفيفة المفيدة بعد الانتهاء من ساعات الدراسة، مثل الفواكه والخضروات الطازجة والجبن، ويتعين الانتباه إلى أن تناول كميات كبيرة من السكر يصيب الفرد بالكسل والخمول أثناء ساعات الدراسة.
نقطة أخرى تشير إليها الدراسة تتمثل في الواجب المدرسي وأهمية إعطائه الأولوية الأولى في الحياة الدراسية للطفل، ينبغي لولي الأمر مساعدة الطالب على تخصيص ساعات كافية لواجبه المدرسي .
وتمكينه من أدائه في مناخ خال من أي عوامل قد تؤدي إلى صرف انتباه التلميذ وعدم تركيزه، ويُفضل عادة أن يقوم التلميذ بالواجب بعد أن يرتاح قليلاً من جو المدرسة ولكن في الوقت نفسه لا ينبغي تأخيره حتى ساعات متأخرة من الليل حتى لا يفقد الطالب نشاطه.
وتشير الدراسة إلى أهمية الجزاء المعنوي عند التعامل مع الطفل،و هو ما يعني تقديم المدح والإطراء للطفل عندما يتعثر في التعامل مع مسألة حسابية معينة أو مادة دراسية ما.و هنا ينبغي إعلام الطالب أن هناك كثيرين غيره يعانون في تناول المسألة نفسها وأنه ليس وحده الذي يقابل مشكلات في هذا الشأن أن تعثره لا يعني بالضرورة أنه غبي.
و ينبغي في الوقت نفسه الإشادة به عند تحقيق نجاح ما في التعامل مع مواده الدراسية.و يمكن لولي الأمر عرض تقديم المساعدة في وقت الحاجة، ولكن في الوقت نفسه لا ينبغي فرض هذه المساعدة على الطفل إذا كان يفضل العمل بشكل مستقل. ففي أحيان كثيرة تتعاظم درجة الاستمتاع بعد تحقيق الأهداف التي تأتي إثر جهد جهيد.
ويعد فتح قنوات من الحوار مع الطفل من الأمور المهمة للغاية من أجل بناء جسور الثقة مع الأبناء. فولي الأمر ينبغي له أن يخصص وقتاً يومياً، ولو لفترة قصيرة، للتحدث مع الأبناء. وهنا ينبغي لولي الأمر أن ينتبه ألا يكون هو دائماً الطرف المسيطر على النقاش الذي لا يتوقف عن إسداء النصائح والتوجيهات.
يجب إعطاء الطفل المجال للتحدث عن تجربته في المدرسة وطبيعة علاقته بمدرسيه وزملائه، وذلك حتى يتسنى لولي الأمر التعامل مع المشكلات التي قد يواجهها الطفل بشكل سليم وعملي في ضوء ما يحمله من معرفة كاملة بالظروف التي يعيشها.
ينبغي لولي الأمر أيضا أن يكون واقعياً في تعامله مع الابن أو الابنة. نعم ينبغي دائماً العمل على الارتقاء بمستوى الطفل وتوقع أن يكون مهذباً في علاقته بالغير وأن يكون أداؤه الدراسي جيداً.
ولكن من المهم للغاية ألا يُطلب من الطفل على سبيل المثال الحصول على الدرجات النهائية في كل المواد.وتشير الدراسة في هذا الشأن إلى أنه لا ينبغي الضغط على الأبناء حتى لا تكون النتيجة محبطة في النهاية.
من المهم أيضاً أن يمثل ولي الأمر قدوة للطالب وأن يتحرى الأمانة في حديثه مع أولاده لا سيما عندما يأخذ في التكلم عن مراحل دراسته ولحظات التفوق التي مر بها. فلا ينبغي بأي شكل من الأشكال أن يتم التحدث عن لحظات الانتصار وحدها بل يتعين أيضا الحديث عن مراحل الفشل والانكسار أيضا.
وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى بيان عدد من النصائح التي يمكن الاستفادة منها في متابعة الطفل في المدرسة بشكل سليم تعليميا وتربويا. ويمكن أن يتم تلخيص تلك الإرشادات كالتالي:
ـ مشاركة الطفل في عمل واجبه الدراسي.
ـ التحقق من الملاحظات اليومية المكتوبة في كراسات ودفاتر الطفل المدرسية من أجل الوقوف على حالة الطفل بشكل مستمر.
ـ تشجيع الأطفال على طرح الأسئلة والعمل على إجاباتها بلا أي تحفظ، إذ يشجع هذا عادة التلميذ على اكتساب المعلومات التي يحتاجها في حياته العملية.
ـ إبعاد الطفل بقدر الإمكان عن أجواء التوتر التي يمكن أن توجد في المنزل نتيجة أي مشاحنات عائلية بين الزوج والزوجة أو بين أفراد الأسرة الواحدة. فالطفل البعيد عن التوتر دائما ما يؤدي بشكل جيد في المدرسة.
ـ الإعداد المسبق للاختبارات وعدم الانتظار إلى يوم ما قبل الاختبار أو يوم الاختبار نفسه للمراجعة واستذكار الدروس.ويوصي الخبراء في هذا الشأن بأن تبدأ عملية المراجعة قبل يوم الاختبارات بثلاثة أيام على الأقل حتى لا يكون هناك ضغط على الطالب يؤثر سلباً في أدائه في الاختبارات.
ـ فتح قنوات من التواصل مع بعض زملاء الطفل في المدرسة كي يكون ولي الأمر على علم بنوعية الأصدقاء الذين يقضي الطفل معهم أوقاتاً طويلة خارج المنزل.
ـ الاهتمام بشدة بالقراءة أمام الطفل وتشجيعه على القراءة أمام أفراد الأسرة أو بشكل منفرد أمام الأب أو الأم. فالقراءة في حد ذاتها تُنمي كثيرا من المهارات التي يحتاجها الطفل في حياته اليومية وتساعده بشكل ايجابي في متابعة دراسته والتفوق فيها. وتدعو الدراسة في هذا الصدد إلى تخصيص أوقات بعينها إلى القراءة أسبوعياً يلتزم بها ولي الأمر والطفل معا مهما كان حجم الارتباطات.
ـ تربية روح الطموح لدى التلميذ منذ الصغر وتنشئته على إحساس الاعتزاز بالنفس ومن ثم دفعه إلى التفوق في دراسته من أجل الوصول إلى تذوق هذا الشعور.
وتخلص الدراسة إلى أن دور المنزل يعد الأكثر خطورة وتأثيراً في تنشئة الطفل منذ الصغر حيث يضطلع الأبوان بمسؤولية ضخمة فيما يتعلق بتوفير المناخ الملائم لإخراج فرد قادر على إفادة بلده ومجتمعة.
حاتم حسين