شجاع في الميدان، طموح رغم عطائه المديد الذي تجاوز 34 عاماً من الخدمة المتواصلة، قبل تحدي المسؤولية وتولى مهمة إدارة المدرسة التي كان يهرب منها المديرون، لم ينتظر الوزارة لتوفير احتياجات مدرسته بل اعتمد على التكامل والتواصل مع المجتمع الخارجي، فتميزت مدرسته على مستوى الدولة.
إنه محمد حسن مدير مدرسة محمد بن راشد الذي يعتبر أن مشكلة التربية تكمن في سوء اختيار الأشخاص القائمين على الوزارة، وأنهم السبب الرئيسي في أزمة التعليم في الدولة بل أنهم لا يعلمون كثيراً عن طبيعة عمل الميدان التربوي ويضعون الجميع في سلة واحدة.
ويتهم طلاب اليوم بأنهم مثل قوالب الشوكولاته في ليونتها ولا يمكنهم الاعتماد على أنفسهم بالمقارنة مع طلاب الأمس الذين كانوا يتغلبون على الصعاب ويشقون طريقهم، رغم عدم توفر الإمكانات.
في مدرسته تخرجت أجيال يأتون بأحفادهم إليه فكانت المدرسة ومازالت مصنعاً للرجال والمسؤولين الذين يتربعون على المناصب العليا في الكثير من الدوائر الآن.
يفتح محمد حسن قلبه لـ «الجيل» راوياً رحلته الطويلة التي بدأت عام 1972 عندما تخرج من معهد المعلمين، حيث درس في بداية حياته في مدارس الكتاتيب حتى ختم القرآن ثم التحق بالمدرسة السعيدية ثم انتقل إلى مدرسة الشعب .
وصولاً إلى معهد المعلمين في ثانوية دبي، وكان المعهد الوحيد في الإمارات للبنين وكان هناك معهد آخر للبنات في الشارقة، وبعد تخرجه التحق بالعمل في مدرسة آل مكتوم مدرساً لأربع سنوات، وترقى وكيلاً للمدرسة ثم مديراً بعد سنة واحدة.
ويواصل ذكرياته: بدأت العملية التعليمية تشهد ازدحاماً في أواخر السبعينات حيث تم افتتاح أربع «فلل» دفعة واحدة كمدارس لاستيعاب الطلبة، وكانت هذه المدارس بلا مدير حيث لا توجد ميزانية للإنفاق على المدير والإداريين، فقمت بإدارة العمل تطوعاً دون مقابل مادي وكنت أقوم بالأعمال الإدارية الأخرى لعدم وجود موظفين.
وبعد ذلك رجعت إلى مدرسة آل مكتوم وتم ترقيتي إلى مدير مدرسة قرطبة وعملت بها لمدة سنتين وانتقلت المدرسة إلى مبنى جديد، باسم مدرسة بلال بن رباح الابتدائية واستمر عملي بها لمدة ثلاثة سنوات وكان لهذه المدرسة حكاية غريبة في بداية نشأتها.
حيث ظلت تعمل لمدة ثلاث أشهر دون أن يتم تسميتها من قبل الوزارة، والناس وأولياء الأمور يراجعون ويسألون عن اسم المدرسة ولا أحد يجيبهم، فقمت من تلقاء نفسي بتسميتها مدرسة بلال بن رباح، وأخبرت الوزارة فوافقت على التسمية، وبعد ثلاث سنوات انتقلت إلى العمل مديراً لمدرسة الإمام الشافعي.
وكانت هذه المدرسة مشهورة بكثرة مشاكلها حتى أن جريدة «البيان» كانت دائمة الشكوى منها ومن طلابها لقرب مقر الجريدة من المدرسة في وقت كانت المنطقة خالية من المباني. وعندما ذهبت إلى المدرسة كنت أمر على الفصول فأجد أن نسبة الحضور لا تتجاوز 70% وأن الطلبة يتغيرون من حصة إلى أخرى مما دفعني للبحث عن هذه الظاهرة .
وبدأت أتابع الطلبة وتحركاتهم في المطاعم والمقاهي المجاورة حتى ارتفعت نسبة حضورهم خلال أسبوع واحد من 70% إلى أكثر من 95%، بعد ذلك عملت في مدرسة الإمام مالك الثانوية وكانت هذه المدرسة تعاني من العديد من المشاكل فكل المديرين كانوا يهربون منها لكثرة مشاكلها، وكان قبولي العمل فيها عام 1987 نوعاً من التحدي وشهدت هذه المدرسة تغيراً في اسمها عام 2003 إلى مدرسة محمد بن راشد الثانوية.
* مدرسة جمال عبدالناصر
ويعود محمد حسن بذكرياته إلى الماضي فيقول إن هذه المدرسة شهدت العديد من التغيرات المستمرة في اسمها فكانت تسمى مدرسة جمال عبدالناصر ثم سميت مدرسة المعري ثم مدرسة الإمام مالك وأخيراً مدرسة محمد بن راشد.
وفيها تخرج العديد من الأجيال. ويضيف: بذلنا في المدرسة جهداً كبيراً من خلال مجموعة متميزة من العاملين حتى أصبحت واحدة من المدارس المشهود لها بالكفاءة على مستوى الدولة من خلال المشاركة في الأنشطة المختلفة وحصلت على جوائز عديدة.
* التحدي في الإمام مالك
ويعتبر أن قبوله العمل كمدير لهذه المدرسة كان بمثابة نوعٍ من التحدي ففي أحد الأيام كان مسؤول الكنترول في الشهادة الإعدادية، وبينما هو جالس في غرفة الكنترول فوجئ بالمسؤول الأول عن الكنترول يقول له: لماذا ترفض أن تذهب إلى مدرسة الإمام مالك، فشعر أنه كان هناك مناقشة بشأن قيامه بتولي مهمة المدرسة .
ولكن بعض المسؤولين لم يكن لديهم قناعة بقدراته ليكون مديراً للمدرسة، فطلب من الوزير وكان في ذاك الوقت معالي أحمد حميد الطاير وزير التربية والتعليم ووعده بأن يجعل منها أحسن مدرسة وقبل التحدي وحقق ما وعد به وأثبت للمسؤولين أن الإنسان قادر على العطاء والإنجاز وتحقيق ما عجز عنه الآخرون.
ويكمل مدير مدرسة محمد بن راشد الثانوية حديثه عن ذكرياته التربوية: واصلت دراستي رغم انشغالي الدائم بالعمل ولكني كنت حريصاً على تطوير مهاراتي والتزود بالمعارف والعلوم فالتحقت بجامعة الإمارات (انتساب) حتى حصلت على الليسانس عام 1986.
وكان ترتيبي الأول على الذكور في جميع مراكز الانتساب في دبي في الوقت نفسه اكتسبت العديد من الخبرات فقد بدأت حياتي العملية مدرس ابتدائي ثم مديراً في الإعدادية، ثم انتقلت مديراً في الثانوية، وعلى مدار 34 عاماً قضيتها في الميدان التربوي كنت أحرص ومازلت على التواجد الدائم مع الطلبة ولا أحب الجلوس نهائياً في المكتب فأعمل على إدارة المدرسة من خلال التواجد مع الطلبة أثناء النشاط وفي المختبرات أو الفصول.
فقد أصبحت على علاقة وطيدة بالطلبة والمدرسة لا يمكن أن أتركها مهما كانت المغريات، وأكسبني عملي الدؤوب وحرصي على مصلحة الطلبة احتراماً شديداً من الطلاب كافة، كذلك أحظى بتقدير واحترام المعلمين بعدما شعروا أن مدير المدرسة يعمل أكثر منهم.
ويشير محمد حسن إلى أن أولياء الأمور الذين تخرجوا من هذه المدرسة على يده يحضرون أولادهم إلى المدرسة ويقولون إنهم أمانة لديك كما كنا نحن أمانة في يوم ما بين يديك، لقد جاءت هذه الثقة من الجهد والعطاء المبذول على مدار سنوات طويلة من العمر وحب المهنة والإخلاص فيها.
* التطوير الذاتي
لقد كنت على مدار السنوات الماضية لا أنتظر وزارة التربية لتوفر الاحتياجات اللازمة بل كنت أؤدي الأعمال المطلوبة من خلال الجهود الذاتية عبر الشخصيات الخيرة في دبي والكثير من أولياء الأمور الذين كانوا يبادرون إلى المساعدة قبل أن نطلب منم لأن انتظار قطار الاحتياجات التربوية أمر يطول انتظاره لأنه يتوقف كثيراً، فكنت لا أنتظر توفيرها من الوزارة.
وكانت 90% من الجهود التي تبذل داخل المدرسة من أجل التطوير والإصلاح تتم بجهود ذاتية من أبناء المجتمع بعيداً عن الوزارة، حيث تم تجهيز المختبرات وتوفير أجهزة الحاسوب وغيرها من خلال الدعم الذاتي حتى تبوأت المدرسة مكانة مرموقة على مستوى المدارس.
* أبناء الشوكولاته
وحول نوعية الطلاب اليوم واختلافهم عن طلاب الأمس يتذكر محمد حسن إحدى الوقائع ليدلل بها على هذا الاختلاف: ففي أحد الأيام كنت خارجاً من المدرسة ووجدت سيارتين تنتظران في الشارع وبهما طلبة من المدرسة وولي الأمر.
فذهبت إليهم كي أسأل عن سبب وقوفهم في هذا المكان، فقال لي ولي الأمر ان إطار السيارة انفجر والأولاد اتصلوا بي كي أغير لهم الإطار فقلت له لماذا لا يقوم الأولاد بتغييره بأنفسهم، فقال لي ان أولاد اليوم من الشوكولاته لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم على عكس طلبة الماضي فكانوا يعتمدون على أنفسهم في كل شيء.
كما كانت المشاكل التي تواجههم داخل المدرسة يتم حلها مع الطلبة أنفسهم بينما الآن لا يستطيع الطالب فعل أي شيء أو حل أية مشكلة بسيطة إلا عن طريق ولي الأمر، ولا يعني ذلك أنني أمانع في التواصل مع أولياء الأمور، ولكن يجب أن يتعلم الطالب الاعتماد على النفس منذ الصغر.
وفيما يتعلق بالتغير الذي طرأ على المعلم يقول ان المعلم في الماضي كان يأتي إلى الدولة ويعرف أن الظروف الاجتماعية والمعيشية في الخليج لم تكن على ما يرام مثل باقي الدول الأخرى وإنما كان لديهم قناعة بضرورة التحدي ونقل الفكر والمعلومات وتعليم الأجيال لذا كانوا يبذلون جهداً وعطاء كبيراً لأن هدفهم الأساسي هو تعليم الأجيال، كما يعملون على حل مشاكل الطلبة.
أما الآن فقد تغيرت الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فأصبح المدرس الذي يأتي إلى التدريس في الدولة يضع العملية الاقتصادية نصب عينيه بل يعتبرها السبب الأساسي، لذا تغير الهدف، مما أثر على أخلاقيات المهنة فالبحث عن الماديات أدى إلى تراجع المكانة.
وأثر سلباً على العطاء في الميدان بل وصل الأمر إلى أن بعض المدرسين أصبحوا يتعمدون الإخلال بواجباتهم داخل المدارس لتحقيق مكاسب مالية أكثر عن طريق الدروس الخصوصية، وبالرغم من ذلك فإن هناك فئة من المعلمين مازالت تؤدي عملها بإخلاص وتعمل بمهارة عالية.
وعن بيئة التعليم الآن وما طرأ عليها من تغير عن بيئة الأمس يقول محمد حسن إن المدرسة في الماضي كانت المصدر الوحيد للتعليم، ولكن في العصر الحديث اختلفت البيئة التعليمية فتحولت المدرسة إلى مصدر ضمن مصادر متعددة أخرى منها الإعلام وتنوع الثقافات والمكتبات.
وغيرها من المصادر المحيطة، فلا شك أن كل ذلك أدى إلى نوع من الصعوبة في تثبيت قيم ومعارف المدرسة في ذهن الطلبة وخاصة أننا نعتمد في المدارس على منهاج كتابي يتعرض للتغير من فترة إلى أخرى مما أدى إلى زعزعة ثقة الطالب فيه.
ويؤكد أن مصادر التعلم المتعددة الموجودة في المجتمع أثرت سلباً على المدرسة مما يلقي بمزيد من الأعباء والجهود على المدرسة لمواجهة هذه الأخطاء والسلبيات التي تنتشر بين الأبناء، والتي أدت إلى انخفاض المستوى العام للتعليم.
رمضان العباسي