في ظل تزايد ظاهرة الغش وسرقة أسئلة الامتحانات ومظاهر العنف في المدارس الأميركية، برز إلى الوجود بقوة مفهوم تعليم الأخلاق الذي يربي التلاميذ على الخصال الحميدة كوسيلة للحد من تلك الظواهر السلبية التي تنعكس على التلاميذ والمجتمع.

شهدت بداية السبعينات من القرن الماضي انتعاش ما يسمى بحركة التعليم الذي يركز على الأخلاق، ولكن نظر إليها في تلك الفترة على أنها عودة إلى حقبة زمنية غابرة وبالتالي، تم تهميشها. ولكن بحلول نهاية القرن الماضي، وفي أعقاب ورود التقارير التي تدق ناقوس الخطر من المدارس الأميركية حول تنامي ظواهر العنف والغش بين صفوف التلاميذ، بدا النهج التربوي الذي يفتقر إلى القيم وصفة مدمرة للتلاميذ ومستقبل التعليم في أميركا.

اندلعت الشرارة من مدرسة كولمباين الثانوية التي شهدت حوادث عنف وإطلاق نار في ساحات المدرسة قام بها طلاب كانت تنقصهم التربية الأخلاقية التي تحث على كل ما من شأنه تعزيز النوازع الخيرة لدى الطلاب وتثبط نوازع الشر لديهم. وفي عام 1993 نشرت صحيفة نيويورك تايمز على صدر صفحتها الأولى قصة تحمل عنوان «تنامي عضوية العصابات في الضواحي التي تقطنها الطبقة المتوسطة»، والتي ظهرت في كل شيء بدءاً من السرقة والتخريب في المدارس وصولاً إلى «الشفرات والهراوات والزجاجات والآن البنادق».

وهناك أشكال أخرى من السلوك المشين، الذي، وان ابتعد عن العنف، فإنه قد عمل على تعطيل العديد من المدارس وشل نشاطها. وأصبح الغش في الامتحانات بشكل خاص وباء مستشرياً. ومن بين الحوادث الأبرز في هذا المجال خلال بداية التسعينات، قيام طلاب من مدرسة تيلور الديردايس الثانوية في ضاحية بتسبيرغ الرئيسية بالتعاون في حلقة غش منظمة، حيث عمدوا إلى شراء وبيع الواجبات المنزلية وسرقة أسئلة الامتحانات وتهريب الكتب والمراجع إلى داخل قاعات الامتحانات.

ساعدت هذه الظروف السيئة التي لطخت سمعة المدارس في أوائل التسعينات على تفرغ حركة واسعة تنادي بإعادة تطبيق التعليم الذي يركز على الأخلاق والذي ينمي الشخصية السليمة والخيرة. وقامت منظمات ومواقع على شبكة الانترنت بالترويج لهذا النوع من التعليم.

وتأسيس أكثر من 150 مركزاً لإنتاج وتوزيع مواد تعليمية للاستخدام داخل الصف الدراسي. وفي غضون سنوات قليلة أصبحت حركة تعليم الأخلاق جزءاً راسخاً من الساحة التعليمية، وكان ذلك تطوراً سريعاً في مجال يتبنى التغيير ببطء عادة. وقد يكون ذلك عائداً إلى إحداث الحركة لبعض التغيير، حيث تشير الأدلة إلى أن العنف في المدارس قد بدأ يتراجع في السنوات الأخيرة.

وفي عام 1993، تبنت الحكومة الأميركية في عهد كلينتون أهداف الحركة المطالبة بإعادة فرض تعليم الأخلاق، ولكنها أكدت في الوقت نفسه أن هذا الأمر يعود للأسرة والجهات الدينية وليس الحكومة الفيدرالية. وبحلول عام 1996، أعلن الرئيس كلينتون في خطابه عن حالة الاتحاد: «أتحدى مدارسنا جميعها أن تدرس تعليم الأخلاق».

وفي العام نفسه، أنشأت وزارة التربية والتعليم برنامج «الشراكة في تعليم الأخلاق» لدعم التحدي الذي أطلقه الرئيس. وعملت إدارة بوش على توسيع حجم البرنامج أضعافاً عديدة والاستمرار به. غير أن السؤال الأصلي ـ حول ما إذا كان ينبغي تعليم الأخلاق وليس كيفية تعليمها ـ يبقى بلا إجابة من الناحية الجوهرية، وهو وضع يولد شكوكاً وجدلاً في أوساط التربويين والعامة.

ولكن المتشككين يشكون من أن تعليم الأخلاق ليس قوياً بما فيه الكفاية في تعريف الأطفال بالتناقض الصارخ بين الصواب والخطأ. وفي كتاب حديث يحمل عنوان «موت الأخلاق: تعليم الاخلاق في عصر يخلو من الإشارة إلى الخير أو الشر»، ينتقد المؤلف جيمس دافيسون هنتر تعليم الأخلاق لفشله في تعزيز الأخلاق بدرجة كافية من القوة والوضوح. وبحسب هنتر، وهو أستاذ لعلم الاجتماع والدين في جامعة فرجينيا، فإن المشكلة تكمن البيدانموجية الموجهة نفسياً التي يلجأ إليها معلمو مادة الأخلاق في تعليمهم القيم للتلاميذ.

وفي دراسة حديثة أجراها مارفين بيركويتز وميلندا باير من جامعة ميسوري في سانت لويس، تبين أن أكثر الموضوعات شيوعاً في البرنامج الحالي لتعليم الأخلاق هو «المحتوى العاطفي الثقافي».

ومن هنا، فإن حركة تعليم الأخلاق المعاصرة قد جرى تضليلها من خلال الفكرة القائلة إن المشاعر الإيجابية لدى الأطفال هي المفتاح لجميع أنواع التعليم، الأخلاقي والأكاديمي. الكثير من التربويين الآن منخرطون في نشاطات ومناورات سخيفة تركز على اهتمام استحواذي باحترام الذات لدى الأطفال. وعندما يتداخل الدافع لتعزيز احترام الذات لدى الأطفال مع تعليم الأخلاق، فإن الأمر يتجاوز ما هو سخيف إلى كل ما من شأنه إلحاق الأذى بالتلاميذ.

ومن الأمثلة على ذلك ما ترويه أم عن قيام المدرسة بإرسال ابنها إلى البيت حاملاً رسالة تقول إنه كان يأخذ المال من حقائب زملائه. وعلى الفور التقطت الأم سماعة الهاتف لتتصل بمعلمة ابنها وتخبرها بأنها مذهولة من الخبر ولا تتحمل مجرد التفكير بقيام ابنها بالسرقة من زملائه.

وسألت الأم المعلمة: «ماذا عسانا أن نفعل حيال ذلك»؟ ردت عليها المعلمة بطريقة إصابتها بالذهول لتطلب منها عدم قول أو فعل أي شيء. وأردفت المعلمة: «نحن مضطرون لإبلاغك بما حدث». ولكننا الآن نرغب بمعالجة هذه المسألة بطريقتنا المهنية. وكبداية، فإننا لا نسمي ما جرى «سرقة».

فذلك من شأنه أن يعطي لطفلك صورة سيئة عن نفسه. ولقد قررنا أن نصف ما قام به ابنك بـ «سلوك غير متعاون» وسنوضح له بعبارات لا لبس فيها بأنه سيفقد شعبيته لدى أصدقائه إذا استمر بالتصرف على هذا النحو». وأشارت الأم إلى أن الصبي يتجاهل الآن جهودها لتوجيه النصح له حول المسألة. وهي تشعر بالقلق من أن يكون ابنها قد صرف هذا الحادث من تفكيره من دون أن يكون قد تعلم أي شيء منه.

إن المدرسة بأحكامها «المهنية» قد ترجمت عملاً خاطئاً (السرقة) إلى مسألة ذرائعية بحتة (فقدان الشعبية). والمدرسة فعلت ذلك من أجل انقاذ الطفل من مشاعر مثل (الخزي، الذنب) التي افترضت أنها قد تسبب الازعاج للطفل وبالتالي تدمر الصورة الذاتية له. المدرسة كانت على حق في المسألة الأولى وجانبها الصواب في المسألة الثانية.

فالطفل كان سيشعر بالإحراج على الأرجح لو جرى أخباره بأسلوب تعنيفي بأنه قد ارتكب جنحة اخلاقية ـ ومثل هذه التجربة بالشعور بالخزي والذنب هي بالتحديد ما وجد الباحثون أنه يشكل وسيلة أساسية في تعلم الأخلاق. وليس هناك من دليل علمي يؤيد فكرة أن الصورة الذاتية للطفل يمكن أن تتأذى بالتأنيب على الأخطاء، طالما أن التغذية الاسترجاعية تختص بالسلوك وليس بالقيمة الذاتية الحقيقية للطفل.

ضرار عمير