في إطار الجهود المبذولة لاحتواء المذنبين، وتخليص المدمنين من شرور المخدرات، تقدم الإدارة العامة للمنشآت العقابية والإصلاحية في دبي خدمات تأهيلية متنوعة، تهدف إلى زرع روح الإبداع والثقة في نفوس أشخاص باتوا في لحظة معينة لا يستطيعون مقاومة إغراءات كاذبة، أغوتهم فساقتهم إلى ذلك المكان المسمى بالسجن، والمتمعن والمطلع على أمورهم لا يمكن أن يصفهم بالمسجونين، وربما يكون وصف طلاب جامعات أقرب إلى حالهم من أي وصف آخر.
في سجن الرجال المركزي، تعددت البرامج والأركان، وتقارب وتشارك السجين مع السجان، واكتفوا بعلاقات الود والاحترام، ولكل حدود لا يتجاوزها، أما الإنسان فيظل شعاراً وواقعا قبل المكان، الرائد طارق كلنتر، مدير السجن المركزي شبه الحالة المعاشة في السجن بالحياة الجامعية، فيها الكليات والدورات و «الطلاب» المساجين، وعنوانها الانضباط وحب التعلم، والجو متاح بالكامل لانتهال ما يريده السجين من العلم، فالدورات متخصصة في أكثر من مجال، وجميعها تمنح المنتسبين شهادات، وبعد خروج السجين تتم متابعته حتى في مجال التوظيف.
* قبول التحدي
يقول كلنتر أن الإدارة العامة وعلى رأسها العميد محمد حميد السويدي، قبلت التحدي في الإصلاح، فتم تشكيل فريق عمل جماعي، يعمل كما الأطباء المعالجين، الذين يمنحون المريض الدواء من أجل الشفاء والتواصل مع المجتمع، فكانت عملية تطهير متكاملة لوباء البيئة الذي أصابهم، وأعيدت عملية موازنة الأمور حتى دخل كل سجين في الدائرة السليمة من خلال الدورات والبرامج المتعددة، وعلى رأسها دورات تحفيظ القرآن الكريم والتجويد والسيرة النبوية والخطابة، عن طريق المختبرات السمعية والنظرية والمحاضرات الدينية بلغات عدة.
* حافظون للقرآن
وفي إحصائية تبين إجمالي المشاركين في جميع دورات تحفيظ القرآن الكريم للنزلاء، والذي تشرف عليه جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، من العام 2002 حتى 2005، قال العميد محمد حميد السويدي، مدير الإدارة العامة للمنشآت العقابية والإصلاحية في دبي أن عدد المشاركين في حفظ القرآن الكريم حتى نهاية 2004 وصل إلى 1570 شخصاً.
وأضاف أن هذا العدد يشمل من هم في جميع فئات الحفظ، وأن عدد الناجحين في البرنامج كان 305 نزلاء، منهم 8 نزلاء تمكنوا من حفظ القرآن الكريم كاملاً، و 15 سجيناً حفظوا 20 جزءاً، و 282 سجيناً حفظوا من ثلاثة إلى خمسة عشر جزءاً.
*حفظ وتخفيض المدة
وأوضح العميد وبحسب قرار العفو لجائزة دبي الدولية لتحفيظ القرآن الكريم، فرع الإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية في دبي للعام 2005، أن من يحفظ القرآن الكريم كاملاً، يخفض من حكمه عشرون عاماً، من يحفظ عشرين جزءاً ينتقص من حكمه خمسة عشر عاماً، وعشرة أعوام للحافظين خمسة عشر جزءاً، وخمسة أعوام للعشرة أجزاء، وعام واحد للخمسة أجزاء، وستة أشهر للثلاثة أجزاء، وهذه فرصة متاحة للجميع، لاسيما المحكومين لفترات قصيرة.
وإضافة إلى برنامج تحفيظ القرآن الكريم، يوفر السجن أيضا دورات متعددة، منها دورة الشريعة الصيفية، ودورة الخطابة، والتي وصل عدد المشاركين فيها في العامين 2003 و2004 إلى نحو 200 شخص.
* نزيل الكتروني
وتماشيا مع توجيهات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع إلى حصول الموظفين على شهادة الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب، يتم عقد دورات لتعليم الحاسوب للنزلاء في السجن، عن طريق معاهد خارجية، وفي النهاية يحصل النزيل على شهادة لحضوره تلك الدورات، والعام الماضي أنهى 78 سجيناَ الدورة بنجاح، حيث يحمل ذلك المشروع مسمى «النزيل الالكتروني» كما يقول الرائد طارق كلنتر.
* مسابقات رياضية
ويضيف أنه توجد برامج أخرى متنوعة، يتمتع بها النزلاء في السجن المركزي، ومنها المسابقات الرياضية، والتي بدأت في العام 2003، واستمرت حتى اللحظة، وفي عامها الأول شارك فيها 149 نزيلاً، وانخفض العدد إلى 78 نزيلاً في العام 2004.
ويشمل البرنامج عدداً من الألعاب، منها كرة القدم، وكرة الطائرة وشد الحبل، وتنس الطاولة ولعبة الشطرنج، وفي لعبة كرة القدم شارك 32 فريقاً في العامين 2003 و 2004 و 26 فريقا في كرة الطائرة، و 28 فريقا في لعبة شد الحبل، إضافة إلى 191 نزيلاً شاركوا في رياضة تنس الطاولة، و 108 آخرين في لعبة الشطرنج، حيث تجرى المسابقات على مدار العام على مستوى العنابر.
* الدراسة المسائية
علاوة على ذلك يوجد برنامج الدراسة المسائية، والدراسة بنظام المنازل، والذي تشرف عليه وزارة التربية والتعليم، ويبدأ من الصف الأول الأساسي حتى المرحلة الثانوية وشهادتها، والفرصة متاحة للمواطنين وغيرهم ممن يجيدون اللغة العربية في طرق أبواب هذا البرنامج، حيث يدرسون في منهاج المنازل التابع لقسم تعليم الكبار في الوزارة والمنطقة التعليمية، وتوفر كلتاهما المدرسين الذين يتابعون مع النزلاء.
ووصل عدد الدارسين في الفترة المسائية من المساجين في العام 2003 والعام 2004 إلى 124 نزيلاً، والذين سيتقدمون في النهاية لامتحان شهادة الثانوية العامة، وبعضهم ينتسب إلى إحدى الجامعات عن طريق المراسلة، وبالتالي فالسجن لا ينحصر بمسماه، بل تعدى هذا المسمى ليصل إلى واقع آخر أقرب إلى الجامعة كما يقول الرائد كلنتر.
ويمكن للنزلاء أيضاً استعارة وقراءة الكتب التي يريدون، عن طريق مكتبة السجن، والتي توفر أعداداً كبيرة ومتجددة من الكتب، بالتنسيق مع جهات خارجية، وفي عام 2003 وصل عدد الكتب التي استعارها النزلاء إلى 1966 كتاباً، في حين ارتفع هذا العدد في العام 2004 إلى 4937 كتاباً ونهاية هذا العام سيكون عدد الكتب المستعارة أكبر بكثير.
المهندس أحمد الجاموس، أحد الواعظين والمحفظين للقرآن الكريم، من جائزة دبي الدولية لتحفيظ القرآن الكريم، أشار إلى أن مشروع التحفيظ والتخفيض من الحكم يمثل خيوط الأمل بالنسبة للمسجونين في الوصول إلى الحرية.
* معاقبة الذات
وأضاف أن علامات الصدق باتت أكثر وضوحاً ورسوخاً على وجوه المسجونين، والذين يحفظون القرآن عن قناعة دينية وتوبة صادقة، فيها شيء من معاقبة الذات على أخطاء ارتكبوها في لحظات عصيبة مروا بها لافتاً إلى أنه لمس عندهم اجتهاداً كبيراً في الحماس في الحفظ، وبعضهم يحفظ يومياً ثلاث أو أربع صفحات، وهذه مقدرة لم تتوفر عند أناس آخرين، من خلال العمل في مراكز التحفيظ الخارجية لسنوات عدة.
وأوضح أنه يوجد بين المنتسبين في هذه الدورات من النزلاء أناس تجاوزوا الستين عاماً من أعمارهم ولا يزالون يحفظون القرآن ويستمرون في الحفظ، رغم أن مستواهم التعليمي متدنٍ، وهذا فضل من الله على المسجونين لمساعدتهم في الوصول إلى النهاية التي يأملون بعد أن كان عقابهم خير ما يتمناه الانسان في الإصلاح والتأهيل والابتعاد عن الرذيلة والمحرمات،
مشيراً إلى أن مدة الدورة الواحدة في تحفيظ القرآن لا تتعدى الثلاثة شهور، حيث يتم في النهاية اختبار المنتسبين، وتحديد الناجحين، ويتاح المجال في دورة أخرى لمزيد من النزلاء الذين يرغبون في حفظ القرآن الكريم والاستمرار والتواصل حيث توجد أعداد كبيرة شارفت على اختتام حفظ القرآن الكريم، بعد أن عرفت الطريق السليم وسارت فيه.
* تهور وتوبة صادقة
عادل منصور، شاب في بداية العشرينات، وهو أحد المتهمين بالمخدرات وتوصيلها إلى شباب آخرين، ألقي القبض عليه وهو في الحادية والعشرين من عمره، وهو الذي يعترف بعنفوانه وطيشه وتهوره آنذاك، ويتحسر على ما آل إليه مستقبله بعد الحكم المؤبد الذي تلقاه.
هذا الشاب الصغير، والذي لم يكن يعلم أين سترسو به سفينة اللامبالاة، وجد القرآن والصلاة والصيام أوجه طريق إلى النجاة، وأكد أن من يحتفظ بوازع ديني لن يهلك أو يغلب، ومن هذا المنطلق أقبل بشهية الشباب، وحماس التائبين على حفظ القرآن الكريم كاملاً، الأمر الذي ساهم في تعديل سلوكه وتوجيهه نحو الطريق الصحيح والتخفيف من حكمه، حيث تبقى له في السجن بضعة شهور.
إحدى الدورات التي تعلق بها عادل كانت الخطابة، فصار يخطب في يوم الجمعة بالمسجونين، وهذه الدورة تشرف عليها جمعية الإصلاح في دبي، عن طريق أناس متمرسين في هذا المجال، وإضافة إلى الخطابة اقتحم الشاب الصغير هذا بطموحه عدداً من الدورات الشرعية، في الفقه والسيرة والحديث وتفسير القرآن، علاوة عن الكمبيوتر، وجميع هذه الدورات تمنح السجين شهادات، وهو ما يؤهله للانتقال إلى المجمع بقدر من الطاقة والمعرفة التي تجعله قادراً على مواكبة التطور الحاصل واللحاق بأبناء جيله، بفضل رعاية واهتمام الإدارة العامة للمنشآت العقابية والإصلاحية، وبالتالي صار السجين محكوم عليه بالعلم والمعرفة، بعد أن حكم على نفسه بالجهل والتهور والحماقات، والمشكلة الوحيدة التي تواجه السجين، فقط حنينه واشتياقه إلى عائلته وأقاربه، وهو ما يشعره أحياناً بعتمة السجن، أما المشاحنات والاحتكاكات بين السجناء فلا تكاد تذكر تماماً، لأن جميعهم منشغل بالدورات والمحاضرات، إضافة إلى علاقات الاحترام والتقدير والأخوة بين الجميع سجناء ورجال أمن، وهو ما يجعل الجو صافياً وطيباً باستمرار.
* ضمير حي
سيف القدي حالة أخرى من التوبة والإبداع. وجد ضالته بعد أن تعثر مع الديسكو والمراقص والسهرات والسبب كان الضمير الحي الذي حثه على التفكير بما هو عليه، فآثر فجأة العمل على الجلوس في البيت لأنه أيقن أنه بالعمل وحده سينجو من السهر والشبهات، فعمل في الجيش وأصبح يصلي ويلتزم في أمور دينية، وتحسن حاله كثيراً، ولكن إصرار الأصدقاء أوقعه هذه المرة في تهمة المشاركة في جريمة قتل فعلوها، لأنه نقلهم بسيارته دون علمه بما اقترفته أيديهم، كما يقول فكان السجن في النهاية المأوى الأكيد.
* إمام مسجد
في السجن تعلم سيف الكثير من الأمور التي ظل غافلاً عنها حينما كان في صالات الديسكو والمراقص مع بعض الزملاء، فبدأ في حفظ القرآن، وهو الآن في المراحل المتقدمة من حفظه للقرآن الكريم، وعلى وشك إتمامه، لأنه كما يقول عقد العزم على ذلك، وفوق ما سلف، تخرج هذا الشاب مؤخراً من دورة الخطابة ويعمل حالياً مساعداً لإمام مسجد السجن.
الرائد طارق كلنتر قال إن الإدارة العامة للمنشآت العقابية والإصلاحية حصلت على المركز الأول في العام 2004 بين جميع الإدارات والمراكز التابعة لشرطة دبي، وبتقدير امتياز وعلى المركز الثاني في المعايير الدولية لسنة 2005، وهو برنامج الرصد وأحد برامج الجودة الشاملة، وهذه المراكز المتقدمة تدل على الخدمة التي تقدمها الإدارة، وما وصلت إليه من تطور وتقدم على صعيد احتواء المسجونين وإعادة تأهيلهم بشكل مثالي.
* دراسة تطالب بعلاج المتعاطين لأول مرة
أكدت دراسة للباحثة النفسية لطيفة خادم. في قسم الرعاية النفسية والاجتماعية في الإدارة العامة للمنشآت العقابية والإصلاحية، حول المتعاطين لأول مرة في سجن دبي المركزي. الأسباب والدوافع، أن نسبة كبيرة من المتعاطين للمخدرات كان لديهم نقص في الجانب التوعوي عن أضرار المخدرات، واعتبروه سبباً في التعاطي، وأن 50 في المئة منهم تعاطوا هذه المواد بسبب توفرها لديهم خاصة وأن معظمهم كانوا موظفين، وأن لأصدقائهم دوراً كبيراً في تعاطي المخدرات.
ودعت الدراسة إلى عمل خطة جديدة لعلاج المتعاطين لأول مرة والتركيز على العلاج والتأهيل مع استمرارهم في وظائفهم، أكثر من التركيز على العقوبة من أول مرة لأن النتيجة قد تكون عكسية، كما دعت إلى ضرورة المساواة بين جميع النزلاء المتعاطين في شمولهم للعفو والى توفير مكان خاص للنزلاء المتعاطين في السجون، وذلك منعاً لاكتساب خبرات إجرامية أخرى باحتكاكهم مع مجرمين في قضايا مختلفة، وإلى أهمية التركيز أكثر على الناحية الإعلامية والتربوية لتوعية الشباب والمجتمع عن أضرار المخدرات.
واشتملت الدراسة على عينة من ستة نزلاء من المدمنين، والذين يدخلون السجن لأول مرة، حيث انطلقت الباحثة من مشكلة مفادها أنه توجد حالات إدمان لأول مرة في سجون دبي، وهناك احصائيات تبين أن أعداد المدمنين في الدولة في ازدياد مستمر كل عام، خاصة فئة الشباب، وأن الدراسة تلقي الضوء على أسباب تعاطي هؤلاء الشباب للمواد المخدرة، ودور المؤسسات في تأهيلهم وإصلاحهم.