«القريب البعيد» باب نطل من خلاله على تجارب الآخرين في أماكن ودول أخرى، نثري من خلاله الميدان التربوي بفئاته وشرائحه. وما يعرض له قد يكون بعيداً عنا لكنه قريب بأفكاره وطروحاته وتجاربه مرادف لما نسعى اليه.

ومن المؤكد ان ذلك سيسهم في تقديم ثروة إثرائية تفيدنا وتدفعنا قدماً لمواكبة العصر ومستجداته.ينظر البعض، لا سيما في البلاد النامية وعلى رأسها البلدان العربية، إلى المكتبات باعتبارها أداة تثقيفية مقصورة على الطبقة المثقفة فحسب. الأمر الذي يختلف في البلاد المتقدمة.

وأفاد بحث علمي أن المكتبات تلعب دوراً رئيسياً في دفع العملية التعليمية في البلاد الغربية بشكل عام وفي الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص لاسيما بين تلك الفئات من الشعب التي تحتاج مساعدة خاصة من أجل صقل مهاراتهم التعليمية وخفض معدلات الأمية بينهم، وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة وهؤلاء في المدارس الابتدائية.

وتؤكد الدراسة التي قامت بها باحثتان هما الدكتورة دونا سيلانو من جامعة تمبل الأميركية والدكتورة سوزان نويمتن من جامعة ميتشيغان، أن المكتبات العامة تضطلع بمسؤولية كبيرة في تنمية مهارات القراءة لدى الطلاب في جميع المراحل، لاسيما في تلك المراحل التي تشهد تكوين عقلية التلميذ وهي المراحل الابتدائية وما قبل المدرسة وذلك في ضوء ما تمتلكه من مخزون هائل من الكتب والمواد العلمية والأدبية والفنية والتراثية وغيرها التي من شأنها أن تؤسس شخصية ملمة بشؤون وهموم مجتمعاتها وبالتالي تكون قادرة على لعب أدوار مؤثرة في تلك المجتمعات.

ووجدت الدراسة أن الأطفال الذين يتلقون برامج تعليمية في المكتبات في مرحلة ما قبل المدرسة قد طوروا مهارات قراءة متميزة وقدرة على الاستيعاب أكثر من غيرهم ممن لم تتح لديهم الفرصة نفسها، وتعتمد مثل تلك البرامج التي تطبقها الكثير من المدارس الأميركية والتي تقدم عادة في فصل الصيف أثناء العطلة المدرسية على اجتذاب أعداد كبيرة من الأطفال الى المكتبات أثناء هذا الفصل الذي عادة ما تتدنى فيه معدلات القراءة بشكل كبير مما قد ينعكس سلباً على مستوى الطلاب الذين يهجرون القراءة بشكل كامل أثناء تلك الفترة من حياتهم.

وأوضحت الدراسة أن من أهم الأنماط التعليمية التي تركز عليها البرامج التعليمية المكتبية هي ما يطلق عليها «التعليم الفطري»، وهو نوع من التعليم يقوم على تطوير مهارات الكتابة والقراءة بشكل تفاعلي بعيداً عن التعليمات الصارمة والتوجيهات التي لا تنتهي من جانب المدرسين والمدرسات، إذ يتم تشجيع الطالب على الكتابة والقراءة بشكل تلقائي وإخراج ما لديه من قدرات كامنة من دون التدخل من أي طرف خارجي.

وأوضحت الدراسات الميدانية وكذلك اللقاءات التي تمت مع الآباء وكذلك الأطفال أنفسهم المشاركين في البرامج التعليمية المكتبية ان تلك البرامج تتسبب في ان يقضي الأطفال أوقات كثيرة داخل المكتبات من ناحية مما ينعكس ايجاباً على تخصيص هؤلاء أوقات أكبر مع الكتب داخل منازلهم من ناحية أخرى.

كما أوضحت تلك اللقاءات ان مثل تلك البرامج تساعد على أن يلعب الآباء أدواراً أهم في تطوير مهارات القراءة والكتابة لدى أبنائهم.

والأهم من ذلك كله بحسب الدراسة هو أنه تبين أن الأطفال الذين يحضرون برامج القراءة الصيفية سواء تلك التي تنظمها المكتبات او أي معاهد تعليمية أو ثقافية أخرى ـ هؤلاء الأطفال يكونون أكثر استعداداً لتلقي واستيعاب المعلومات أثناء فترة الدراسة الفعلية بالمقارنة مع هؤلاء الذين يشتركون في معسكرات ترفيهية أثناء أشهر الصيف، الأمر الذي يؤكد أن الوقت الذي يقضيه الطفل أو الطالب في المكتبة هو في العادة أكثر إفادة لشخصيته من الوقت الذي يقضيه في أنشطة ترويحية أو ترفيهية.

كما ركزت الدراسة على الدور الكبير الذي تلعبه المكتبات في منح فرصة التعلم لتلك الطبقات غير القادرة على الاستفادة من العملية بسبب ضيق ذات اليد.

وأشارت الدراسة إلى أن المكتبات تلعب دوراً مؤثراً على مدار التاريخ في مساعدة شرائح كبيرة من الشعوب على تطوير مهارات القراءة والكتابة والتخلص من داء الأمية. وضربت أمثلة في هذا الصدد بأمناء المكتبات الذين بدورهم ساعدوا في نهاية القرن الماضي وبشكل كبير المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأميركية على التأقلم على حياتهم الجديدة هناك.

وكان هؤلاء المهجرون بمثابة «رواد التعليم» في العالم الجديد وساعدوا الأجيال الجديدة من أطفال وكبار على فهم وإدراك العادات والنظم الأميركية والتأقلم مع البيئة الأميركية على الرغم من تباينها مع عاداتهم وتقاليدهم الأصلية. وأوضحت الدراسة أن أمناء المكتبات في الولايات المتحدة الأميركية عملوا على امتداد العقود على مساعدة كل الأطفال والشباب على القراءة والكتابة والتحدث بشكل سليم وعلى استخدام الكمبيوتر.

ومن أجل تكوين هذا النظام التعليمي داخل المجتمع كان أمام المكتبات والمسؤولين عنها عدة مهام يجب أن تنجز أولا قبل أن يمكن تحقيق أهدافهم السامية. تلك المهام يمكن تلخيصها في الآتي: تقديم خدمات ومواد تعليمية وفرص تدريبية لكل هؤلاء الذين تتبين حاجتهم لهذا النوع من المساعدة. وتحويل المكتبات الى جزء لا يتجزأ من النظام التعليمي. وتبني الأساليب غير التقليدية في مساعدة تلك المجتمعات المقبلة على التعليم لأول مرة. ولعب دور نشط في العملية التعليمية ونشر المعلومات وتنمية الموارد.، والتعاون مع الوكالات الأخرى يما يتعلق ببرامج تعليم القراءة والكتابة.

وأوضحت الدراسة ان دور المكتبات كان ولا يزال ملموساً في مكافحة خطر الأمية في دولة كبيرة مثال الولايات المتحدة الأميركية بل وساعد أمناء المكتبات على ابراز الخطر الكبير الذي يمكن أن تمثله تلك المشكلة إذا لم يتم تداركها والعمل على حلها.

وفي سعيهم لتطوير مهارات القراءة والكتابة في المجتمعات المختلفة، يركز القائمون على المكتبات في أية دولة بالعالم على ثلاث شرائح من الشعب تبين من خلال البحوث أنها هي الأكثر حاجة إلى المساعدة من غيرها. تلك الشرائح هي:

أ)الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة وأطفال المدارس الابتدائية، ب) البالغون الذين يعانون ضعف مهارات القراءة والكتابة، ج) هؤلاء الذين يتحدثون الانجليزية كلغة ثانية.

وتعمل المكتبات العامة في الولايات المتحدة الأميركية على المساعدة في جسر «الهوة المعرفية» عن طريق مد الطفل بكل المتاح من مواد القراءة العالية الجودة والخبرات اللازمة لتعلم اللغات الأجنبية. وبحسب بحث صادر عن الجمعية الأميركية للمكتبات، فإن أمناء المكتبات يعملون على ضمان أن يحقق أكبر عدد ممكن من الطلبة أو التلاميذ، بصرف النظر عن مستواهم الاجتماعي أو الطبقة التي ينتمون إليها، ذاتهم من خلال القراءة.

وتبين الدراسة أن الصلة التي تجمع بين المكتبات والأطفال وهدف تطوير القراءة والكتابة تتمثل في الخدمات العديدة والمتنوعة التي تقدمها المكتبات العامة في شتى أنحاء الولايات المتحدة. وأشارت الدراسة إلى أن 49% من المكتبات في الولايات المتحدة الأميركية تقدم مساحات دراسية للأطفال في حين أن 95% تقدم برامج قراءة صيفية و89% تقدم فترات مخصصة لرواية القصص والحكايات التثقيفية والترويحية و83% تعمل بالتنسيق مع المدارس والمعاهد التعليمية المختلفة.

وأفادت الدراسة ان الاطفال في سن ما قبل المدرسة يمكنهم ارتياد المكتبات باعتبارها تمثل خطوة اعدادية للمدارس. وتقدم تلك المكتبات تشكيلة متنوعة من المواد التعليمية والعديد من الأنشطة الأخرى التي هي ذات علاقة بالمناهج المدرسية مثل الفنون والحرف، الأغاني الدرامية ورواية القصص والرسوم المتحركة.

ومن الأساليب المبتكرة التي تبتدعها المكتبات العامة في بلد مثل أميركا هو أن تترك الحرية أمام الطالب كي يختار نوعية الكتب والمواد التي يريد أن يدرسها او يطلع عليها من دون أي تدخل من أي طرف خارجي يملي عليه إرادته كما هي الحال في المدارس. وبمجرد ان يدخل الطفل المدرسة فإن المواد الدراسية التي تكون لديه في المكتبة من شرائط سمعية ومرئية ومواد مكتوبة يجري تطويعها لخدمة المناهج الدراسية الأساسية وبالتالي تلعب المكتبة دوراً تكميلياً للمدرسة في تدريب وصقل مهارات الأجيال الناشئة في أية دولة.

حاتم حسين