التكنولوجيا والتقنيات الحديثة وأدواتها العديدة هي التي افتعلت الكثير من الأمور الكمالية، والتي عاشت وتقاطرت أجيال كثيرة دونما تسايرها كسلعة.
والموبايل هو أحد هذه الكماليات، وربما حساسية وأهمية دوره جعلت منه ابتكاراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه، أما تلك الأغاني والنغمات ومقاطع الفيديو، التي لم تخطر على قلب بشر في أن يسمعها أو يتعامل معها، فأصبحت الميزة القوية التي تتزين بها الموبايلات الحديثة، أو شخصيات أصحابها، وصار الجميع يعلن عن أحاسيسه ومشاعره ببعض تلك الأنغام الغريبة في جهازه العجيب. النغمات الحديثة هي المسمى الذي يرهق الشباب سعياً وراء كل جديد، ولهذا الغرض سُخرت بعض المواقع على الانترنت تعرض ما لذ وطاب منها، والتي في نهاية المطاف تخدم أذواقاً مختلفة في التعامل مع نغمات موسيقية أوتمثيلية أو تسجيلية، والتي بعضها يعبر عن سلوك الأفراد، لا سيما الشباب الذين يرغبون في سماع ومسايرة كل ما يميزهم عن نظرائهم وأصدقائهم، وكأنها لعبة أو سباق يمارسونه على الدوام.
خضر الحمد، صاحب محل «للموبايلات» وتحميل النغمات في الشارقة يؤكد أن جيل الشباب اليوم يهتم كثيراً بكل جديد، وهذه النغمات الغريبة على مسامع الكثيرين تمثل بالنسبة لهم كابوساً يلاحقونه في كل أحوالهم، وأكثر ما يستهوي سمع الشباب المواطنين في هذا البلد من الأغاني هي الخليجية، لا سيما الجديدة، وتحديداً أغنية حربي العامري «يا خسارة» وأغنية حاتم العراقي «مهاجر»، حيث سجلتا رقماً قياسياً في الاستهلاك الشبابي.
ويضيف أن بعض النغمات غير الأغاني يستسيغها جمهور عريض من الشباب، مثل النغمات الحوارية المسجلة، ومنها علي سبيل المثال نغمة تمثل اتصالاً بين شاب وفتاة مواطنين يتحدثون عن التعرف والحب، وأسمها «بنت تبي تتعرف». وأخرى «لبنت تطلب طلال»، وغيرها فتاة تتحدث مع شاب في هيئة نوم وغير واعٍ، «ومصري يطلب سالم»، وهذه النغمات يقبل عليها قطاع كبير من الشباب، وكثيرة موضوعاتها التي تستغل صوت الفتاة في التعرف والحب أو ما شابه، عن طريق تسجيل لحوار بين فتاة وشاب، حتى صارت هذه المقاطع تغزو السوق.
وبالنسبة للنغمات الأخرى المتمثلة في أصوات سيارات الاسعاف أو فرامل السيارات أو الحيوانات المختلفة، أو حتى الأصوات الغريبة والمضحكة مثل البكاء وحديث الشخص الهندي باللغة العربية، فيقبل عليها جيل معين من الشباب، وتكون حسب مزاج مالك الجهاز، لكن كبار السن والذين يعتبرون أنفسهم في مكانة ما بعد الشباب فيفضلون فقط الأصوات الهادئة والمقبولة بالنسبة لهم، مثل صوت العصفور أو «القطو».
ويوضح الحمد أن فئة معينة من الشباب وتحديداً ذوي اللباس المخجل كما يصفهم، والذين لا يتوقفون عن استخدام الاكسسوارات المراهقة والعلامات المقلدة للغرب فيطلبون نغمات لأغنيات غربية حركية فيها القوة والجنون في الموسيقى، وهذا نابع عن الثقافة والتربية التي يتلقاها الأبناء على اختلاف أشكالها، حيث لا تتوافق هذه الفئة من الشباب إلا مع الأغنيات الراقصة والصاخبة للمغنين الغربيين أمثال «تشاجي» و«سنوب دوج» و«نيللي» و«بلو» وغيرها من الأسماء الغربية والتي يحفظونها عن ظهر قلب.
ويقول خضر الحمد إن الكمبيوتر والنغمات هي رأسمال أي محل للهواتف النقالة، حيث إن كل ثلاث نغمات تباع بعشرة دراهم، وهذا المبلغ يأتي دون مقابل، مثلما أن معظم الزبائن ومن يشترون الهواتف الجديدة، يرفضون في النهاية أخذها دون تحميلها بالنغمات والمقاطع التي يرغبون،
في المقابل الجهات الرسمية منعت تحميل هذه النغمات والفيديو كليبات والمقاطع المختلفة حتى تقلل من شيوع اللقطات والمناظر المخلة بالآداب، والتي أصبحت عنواناً راسخاً «لموبايلات» الكثيرين من الشباب و الذين يسعون باستمرار إلى حيازة أكبر قدر منها وبشتى الوسائل وهذا الإجراء من شأنه أن يقلل من بيع الهواتف النقالة أو النغمات واللقطات، والجميع يخشى أن تنزل عليه العقوبة التي حددتها تلك الجهات وعممتها على محلات البيع كافة، والتي تتمثل بغرامة مالية قدرها عشرة آلاف درهم.
الشباب هم الشريحة الأكثر استهدافاً لمثل هذه النغمات أو المقاطع الغنائية المستجدة على ساحة الموبايلات، حيث يعتبر أيمن خليل «17 عاماً» أن النغمات التي يفضلها في موبايله هي نفسها التي تعبر عن الحالة التي يعيشها، ولا يرغب بغير تلك الأغنيات التي تدق على وتر الحب والغرام والغزل، لفنانين محددين أمثال وائل كفوري وجورج وسوف وأليسا، وهي التي يقضي في سماعها معظم وقته، إضافة إلى المقاطع الصوتية والحركية المضحكة، والتي تلطف الجو عنده وعند أصدقائه.
ويفضل الشاب أنس محمد التعامل مع مقاطع الفيديو المضحكة والتي تتوفر باستمرار في جهازه النقال، إضافة إلى الأغنيات الأجنبية الحركية لعدد من المغنين الغربيين المعروفين، حيث يعيش معها أروع الأوقات بسبب قوتها ومتعتها وحركيتها مع كل مكالمة يستقبلها.
أحمد الرزة طالب جامعي لا يؤمن ولا يتوافق إلا مع الأغنيات الخليجية في موبايله كنغمات، وجديد السوق منها فقط ما يطرق سماعة هاتفه، وبالنسبة للأغنيات الحديثة الراقصة كما يقول فهي بنظره أشياء تافهة، وتأخذ حيزاً من ذاكرة «الموبايل» دون جدوى،
كما أن نغمة الرنين عند أي شخص تدل على شخصيته وطبيعته الفطرية، وعلى ميوله في سماع ما يرغب من الأغنيات سواء كانت شرقية أو غربية.
سعيد الكتبي، موظف حكومي شاب، هو الآخر لا يمكن أن يسمح بأن يحتوي «موبايله» على غير النغمات والأغنيات الخليجية الممتعة بالنسبة له، ويعزو حبه لتلك النغمات، كما بقية الشباب المواطنين إلى طبيعة التربية والثقافة التي يتشربها الأبناء، في حبهم لكل ما يمت إلى تقاليدهم وتراثهم بصلة، وعلى الأقل بعض الأغنيات الخليجية لا تزال تحفظ جزءاً من الروح الخليجية الأصيلة، وهذا لا يمنع سعيد من سماع بعض الأغنيات الأجنبية، لكنه يرفضها كنغمات في «موبايله»، لأن ذلك على الأقل لا يرضي عائلته وأقاربه.
* أغنيات خليجية
أما الشاب حامد محمد فهو باستمرار يقبل على تحميل «موبايله» بأحدث الأغنيات التي تغزو السوق، وتكون مفضلة عنده، وهي أغنيات شبابية وتعايش العصر والموضة، وكما يقول فالشباب هذه الأيام يتسابقون إلى إظهار ما بحوزتهم من نغمات ومقاطع فيديو، ويتفاخرون بكل جديد مهما كان، وهواية تحميل وإرسال الجديد من هذه «البضائع» صارت دارجة بينهم، والهدف الأكبر فقط البروز أمام الآخرين.
وبالنسبة لزميله أحمد علي، وكما يعترف فإن الأغنيات الخليجية دائماً تسرقه وتستهويه كنغمات أو مقاطع «فيديو كليب»، والسبب في أنه ولد في هذا البلد، وتعود على ثقافته من خلال تعلقه بتلك الأغنيات، وهو يعتبر أن «موبايل» الشخص أصبح بيت السر الذي يركن فيه صاحبه كل أسراره وخفاياه، والتي هي الأشياء الحقيقية الدالة على شخصيته، فالشاب لا يمكن أن يقبل بنغمة أو مقطع فيديو لا يستمتع معه، بل إنه دائماً يلجأ إلى ما يفضله من المقاطع المتنوعة لتحميلها في جهازه، وكل هذه التصرفات لا تدل إلا على شخصية صاحبها على اختلاف المستويات والرغبات.
معن طعمة بائع للهواتف المتحركة يؤكد أن معظم الشباب يطلبون اليوم فقط كل ما هو جديد من الأغاني ومقاطع الفيديو المختلفة، وعدد قليل يطلب أغنيات قديمة، أو مقاطع من آيات قرآنية ورموزاً دينية، وكما يعتبر فإن هذا السلوك لا يدل على الشخصية لأنه عشوائي، والشباب تائهون ولا يرددون سوى الأغاني الجديدة، مع أنهم لا يحسنون تذوقها لا سمعاً ولا طرباً.
* سماع واستمتاع
ويضيف: ان الشباب لا يصنعون المقطع الغنائي حتى يمتعون أنفسهم في سماعها، بل من أجل إضحاك الغير وإرسالها إلى أصدقائهم ومعارفهم، وبالإضافة إلى المقاطع غير اللائقة توجد أصوات مزعجة يفضلها جيل اليوم، وتتمثل بصوت البقرة أو فرامل السيارة أو سيارة الإسعاف، وعدد كبير جداً من الزبائن صغاراً وكباراً يطلبون صوراً ومقاطع فيديو خادشة للحياء، وكما يقول فإنه يعمد إلى تحميل بعض الآيات القرآنية أو صوت الآذان علّ ذلك يكون رادعاً بسيطاً وإحراجاً للزبون في تحميل تلك المقاطع المرفوضة اجتماعياً والتي يتداولها الشباب بقوة.
ويشير طعمة إلى أن الشباب اليوم، والذين تجاوزوا الثلاثين من عمرهم في معظمهم يطلبون أغنيات قديمة طربية أو موسيقى هادئة، من مبدأ أن تليق بعمرهم ومركزهم ولا تكون طائشة ومزعجة كما يرغبها الشباب الصغار، أما البنات فيطلبن فقط الأغنيات الحديثة والمقبولة نوعاً ما، وبصورة عامة فهن أكثر رزانة وحكمة في انتقاء الأغنيات من الشباب الذين لا يركضون إلا وراء كل ما هو مشوّه ومضحك ومضر بالأجيال.
الدكتور عامر سعد الدين الأخصاصي في الطب النفسي يوضح أن شخصية الإنسان وطبيعته النفسية تحدد ميوله إلى نغمات ومقاطع معينة، حيث توجد شخصيات مرحة تفضل نغمات من هذا القبيل، وأخرى رزينة تسعى إلى اختيار نغمات مختلفة، والشباب بصورة يفضلون التغيير والتجديد، وهذا الموضوع متجذر بطبيعتهم.
ويضيف ان الجميع يحاول التميز بفكرة لم يسبق لأحد أن تعامل معها، في أي مجال، والنغمات صارت تجارة ومسابقة بين جمهور قوي من المتابعين، وسابقاً كان التنافس بينهم في قصات الشعر، وقبل ذلك في الثياب، وقبل منها العلم، واليوم التلفزيون ثم أصبحت النغمات واللقطات المصورة، وهذا مؤشر على أن اهتمامات الشباب صارت تتضاءل في أهميتها مع التقدم والتطور، لتصبح في نهاية المطاف سطحية جداً.
ويعتبر الدكتور عامر أن علاقة الشباب محدودة مع التليفون والموبايل والسي دي، وهذه الأمور مدمرة لحياة الشباب اليوم، وتعمقهم في النغمات واللقطات التي لا تضيف لهم سوى التشتت والضياع الأمر الذي يسهم بتذويب شخصياتهم في أمور مثيرة وتؤدي إلى الانحراف مستقبلاً.
ويقول إن جيل اليوم لا يتحمل المسؤولية وتحديداً الفئة العريضة منهم التي تسير وراء النغمات والتليفون وجديدها، وهدف الشباب من النغمات والرسائل والمقاطع المتنوعة لا تحديد له، ومعظمهم يسيرون في طرق مظلمة، وهي علامة سلبية جداً، موضحاً أنه لا مانع من الترفيه ولكن دون أن يكون ذلك على حساب جوانب أخرى من شخصية الشاب.
عنان كتانة