في السجن المركزي التابع للإدارة العامة للمنشآت العقابية والإصلاحية في دبي التقى ملحق «الجيل» بعض الحالات لتكون شاهدة على جرح قارب على الالتئام بعد طول معاناة وضياع، لتروي حقيقة ما عاشت وتجعل من التفاؤل سلاحاً، وتعيد ترميم كيانها وتنطلق ثانية، بعد حياة مظلمة مع الدخان الأزرق والمسحوق الأبيض السحري.

البداية كانت مع حكاية صالح علي الذي قضى من حكمه المؤبد خمسة أعوام، وعمره الآن 29 عاماً، بدأ رحلته المشؤومة مع المخدرات بتعاطي الحشيش في عمر 16 عاماً، حينما ضل الطريق مع رفقاء السوء من باب الفضول ليعتاد تدريجياً على تناول الحبوب المخدرة والعقاقير، تحول بعد ذلك إلى شم الهيروين. وقال صالح عن تجربته: تأثرت بأصدقائي وأخذني الفضول إلى التعاطي بهدف التجربة وإثبات الرجولة في هذه السن الحرجة. ومرة بعد أخرى أصبحت مدمناً دونما أشعر، وانغمست في حياة اللهو والسهر مع أصدقاء السوء الذين أسأت اختيارهم إضافة إلى غياب التوعية من الأقارب والأصدقاء، الأمر الذي زاد من مأساتي وتشتتي، لأنني لم أكن أشعر حينها بخطورة ما أقوم به، كوني لا أزال في مرحلة المراهقة، ولا أنظر إلى الحياة إلا من زاوية واحدة، هي التمرد والسهر وعدم الاستماع للتوجيه أو النصيحة والسعي فقط لإثبات الرجولة.

ويضيف أن إدمانه وسهراته الطويلة مع أصدقاء السوء غيرا مسار التعاطي وحولا الدفة إلى ما هو أخطر من الحشيش وعرفت جرعات الهيروين التي حولته إلى عبد أسير لنزواته، وزاد الانحراف في مسار حياته من ضياع وتشتت، مما دفعه إلى ترك المدرسة والانقطاع عن الدراسة والمجتمع، وهذه الدرجة من اللامبالاة والضياع، كانت بداية الطريق إلى النهاية المتوقعة، وهي الوقوع بين أيدي رجال الأمن والسجن المؤبد، ليبدأ رحلة جديدة من المعاناة مع عمره المتبقي، لكن ما يعزيه في هذه الرحلة اقلاعه عن المخدرات، واكتشافه لانسانيته من جديد، وأصبح يرى النور بعد ان اظلمت حياته فترات طويلة.

متابعة الأبناء

صالح والذي بدا الأكثر اتزاناً وحكمة بين نظرائه، انتقم من أخطائه وحماقاته كما يقول، حينما كان متعثراً مع المخدرات، فكتب ومثل مع عدد من زملائه في السجن مسرحيتين تتحدثان عن عالم المخدرات المجهول ومآسيه، لتكونا عبرة للجميع، وشاهدتين على جرم بكل معنى الكلمة وكلتا المسرحيتين تبينان أن دور المجتمع والأسرة في متابعة الأبناء والمراهقين هو الأساس،

إضافة إلى انتقاء الأصدقاء ومتابعة الابن والأماكن التي يرتادها، لحمايته من خطر المخدرات والخضوع لتأثيرها، كما تحذر المسرحيتان الشباب من الضياع والهلاك.

شوق الى الأم

حالياً لا يخفي صالح حقيقة ما يعيشه، فهو في النهاية قابع في السجن، وأكثر ما يؤلمه بعده عن والدته، والتي لم تغب صورتها عن عينيه ومخيلته يوماً واحداً، والعزاء الأكبر، ومنبع الفرح والسعادة بالنسبة له أن تفكيره صار في الاتجاه الصحيح كما يقول، وأصبح ينظر الى الحياة بعين ترى النور بعد ان عاشت كثيراً في الظلام بسبب الحماقات التي أوقعته فريسة سهلة للمخدرات،

مؤكداً ان ما وصل إليه اليوم من هدوء واتزان بعد علاجه بفضل الإدارة الحكيمة للمؤسسات العقابية والإصلاحية، حيث يحفظ حالياً ثمانية أجزاء من القرآن الكريم، ويعيش بشكل يختلف عن حياته السابقة.

انكسار عيسى

عيسى عبدالله، حالة أخرى من المعاناة مع المخدر والادمان، كان عمره لحظة تعاطيه لها ثمانية عشر عاماً، حينما بدأ مع زملائه بالحشيش، بسؤاله لقريب له، يكبره بعشرة أعوام، ومتزوج وله ثلاثة أبناء، عن حقيقة ما يتعاطاه، وبدلاً من أن يزجره ويمنعه أخذ بيده نحو هذه الطريق، ووضعه على أولها مع تعاطيه للحشيش عن طريق التدخين، وصار ينحدر في زوبعة التخدير شيئاً فشيئاً، إلى أن سقط في فخ الهيروين، الذي قاده الى السجن المؤبد.

لا ثقة في الاصدقاء

في قلب عيسى غصة كبيرة ونقمة أكبر على واقع الأصدقاء والرفقاء الذين سايرهم وحينما سألناه عن دور الصديق في الوصول الى هذه الطريق، صمت قليلاً وقال: «أما الوفاء فشيء قد سمعت به، ولم أر له رسماً ولا أثراً، ونظر بعينين مكسورتين» وتابع: في دروب المخدرات لا ثقة بأحد إطلاقاً، كله نصب واحتيال ودمار، وأقرب الأصدقاء ينظر الى صديقه بعين قد تكون باسمة، لكنها مغشية بالموت والهلاك والدمار.

عيسى أصر على شكر الإدارة العامة للمنشآت العقابية والاصلاحية، التي أعادت لهؤلاء التائهين نظرتهم السليمة للحياة، وأحيت فيهم الأمل، وأبقتهم يشمون رائحة دبي العطرة ووطنهم، كما يقول، وهذا بفضل التوجيهات الحكيمة للفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، ورعاية سموه ودعمه للشباب، حيث يرى فيهم الطاقة الحقيقية والسند المثالي للبلاد، لانه في النهاية سيخرج هؤلاء الشباب، ويبعثون من جديد، ليثبتوا للجميع أنهم قادرون على المشاركة والعناية بهذا الوطن الجميل.

إدمان طالب مجتهد

(ه. م) شاب يبلغ من العمر 27 عاماً، تزوج حديثاً، رغم انه بدأ بتعاطي المخدرات والحشيش في عمر 15 عاماً، بعدما عاش تجربة مراهقة مريرة الى جانب رفقاء السوء، وبعيداً عن التوعية والرعاية من المجتمع والأسرة، وبعد عام أرسى به القدر في السجن، رغم انه كما يقول كان طالباً مجتهداً في المدرسة، ويحمل كل مقومات النجاح للوصول الى حلمه في كلية الطيران.

في تجربته الأولى من السجن لم يعش تلك البيئة السليمة في التوعية والتوجيه والتأهيل، وهناك في سجن الأحداث تعرف على أشخاص آخرين يعانون مثله، وعندما خرجوا من السجن، انتقلوا للعمل في حقل المخدرات كمجموعة، وبدأ الأفق يضيق أمامه، إلى أن وصل إلى درجات متقدمة من الإدمان والمخدر، ليترك بعدها هذا الجو مؤقتا،

بعد ان أنبه ضميره قليلاً، وفي ذلك الوقت تزوج وعاش قليلاً من عمره بعيداً عن وباء المخدرات، وما لبث حتى أعيد إلى تلك الدوامة مرة أخرى، بفعل فضوله السلبي وعدم إدراكه ووعيه لمسؤولياته، وضيق الحياة في عينيه كما يقول، إلى جانب أصدقاء السوء، حتى انتهى به المطاف مؤخراً في السجن.

الطيران طموح ضائع

هذا الشاب ترك زوجته، وآمن بقدره في السجن، الذي جاء نهاية حتمية لما عاش من لا مبالاة وحماقات، وهو يعترف بأن السجن كان ضريبة حتمية لمشواره مع المخدرات، الذي أفسد عليه الكثير من مراحل الحياة الجميلة، ووضعه في معادلة جديدة، حيث يقول: كان طموحي أن أتخرج من كلية الطيران لكن السلوك الخاطئ ساقني إلى المخدرات والإدمان، فضاع الطموح وانتهى الابداع، وأصبحت أسير تصرفات لا يقبلها أي إنسان، واليوم تعلمت من السجن كثيراً، وأدركت أن الأهم من كل شيء أن يبقى الإنسان إنساناً.

أب لا يرى أبناءه

(أ.م) مدمن آخر، نهايته الحتمية في السجن كانت في العام 2000، واليوم تذكر أن الحياة تحتاج نظرة أخرى أكثر بياضاً ونقاء، وهو متزوج وأب لخمسة أبناء يرفض بتاتاً أن يمر أحدهم بتجربته المخجلة، فمنذ عام ونصف لم ير أياً منهم، لأنه لا يريد أن يروه بهذه الصورة، وهذه الحال، وينتظر الخروج من السجن ليحتضنهم في أبوة حقيقية.

يقول هذا السجين إنه بدأ مع مهنة المخدرات المدمرة منذ كان مراهقاً، وكما غالبية المدمنين، ساقه الفضول وحب التجربة مع أصدقاء السوء لهذه الطريق، الذي بدأ أيضاً مع الحشيش، وتطور إلى الهيروين، وكان يحاول تعاطي المخدر بعيداً عن العائلة والأبناء، ويضطر للسفر كثيراً إلى الهند وتايلاند وأوروبا لهذا الغرض،

وصرف أموال كثيرة وخسر كما يقول كل ما لديه مادياً ومعنوياً، ووجد نفسه في النهاية وحيداً تائهاً في بحر الأوهام والمخدرات، فصار يفرض على نفسه الهروب من واقعه باستمرار، حتى وجد نفسه أخيراً في السجن، ومعه وجد أنه لا يزال يملك حساً إنسانياً، صار يكبر ويتضخم بفعل الأمل والمعاملة الطيبة، والجهود المباركة في إعادة تأهيل المساجين في إدارة المنشآت العقابية والإصلاحية.

المخدرات حقل واسع، مرتادوه كثر، والشباب هم الشريحة العظمى منهم، والسجن واقع شاهد على عمق مأساة ما يعيشون، لكن المدمن (ن.م) البالغ من العمر 38 عاماً دخل إلى هذا الحقل قبل سنتين، وفضوله أيضاً كان السبب عن طريق الأصدقاء غير الأسوياء حتى أدمن سريعاً ووجد نفسه دون إذن خلف أسوار السجن.

سهرات غير عادية

هذا المدمن لم يكن من المدخنين، ولكنه يشرب الخمور ويهوى السهرات غير العادية مع أصدقائه، وهذه الأسباب قادته إلى عالم آخر لم يكن يتمناه من الإدمان والغرق في الأوهام وبمجرد أن ألقي القبض على أحد أصدقائه إنساب الحبل سريعاً وبدأوا يسقطون كمجموعة واحداً تلو الآخر.

وكما يقول المدمن هذا فإنه كان يخشى السجن كثيراً، ولم يكن يتوقع يوماً أن يجد نفسه فيه، لأنه يتصور أن السجن مكاناً لتقييد الحرية وابتذال النفس ولا مكان فيه للإنسانية، وبعد المعاملة التي لمسها من القائمين على أمر النزلاء، والأسلوب المثالي الذي يقدر الإنسان، تغيرت النظرة عنده تماماً، والحياة كما يراها أصبحت مختلفة، فيها الأمل والحب، وليس شرب الخمر والسهرات المشبوهة.

هروب من الواقع

ويضيف: أتمنى ألا يمر أي إنسان آخر بهذه التجربة، لأن ادمان الهيروين والمدخرات يبدأ بسهرة وأصدقاء غير عاديين، ثم تتطور الأمور ليجد الشخص نفسه بلا سند، ولا يلجأ إلاّ إلى التخدير للهروب من الواقع، وبالتالي صارت الحياة كلها مهددة، بما في ذلك البيت والأهل والأبناء.

المدمنون طيبون

الرائد طارق كلنتر، مدير إدارة السجن المركزي في دبي أكد أن الغالبية العظمى من المتعاطين للمخدرات في طبيعتهم حسن الخلق ولكن الظروف المحيطة بهم تفرض عليهم شخصية مختلفة، فيها الحماقة واللامبالاة والعدوانية، وبهذا السلوك يؤذون أنفسهم وعائلاتهم والمجتمع، لذا فإن دور السجن ليس في حجزهم فقط، وإنما في إعادة تأهيلهم وتعريفهم بأنفسهم من المنظور السليم.

التعويض عن الخطأ

وأشار إلى الأساليب المتنوعة في السجن المركزي التي جعلت من النزلاء أناساً آخرين، وإضافة إلى المعاملة الطيبة والتعامل مع المدمن بكل احترام، سواء من عناصر الشرطة أو الضباط والمسؤولين توجد الدورات والبرامج والفعاليات المتنوعة، التي يستفيد منها النزيل، ويجد نفسه وكأنه في مكان آخر غير السجن،

وبالتالي يدرك الجميع حجم ما اقترفه من أخطاء ويحاول التعويض بشتى الوسائل عن الخطأ بالانضباط والاحترام والتعلم وحفظ القرآن، ومع أن السجن يضم أشخاصاً من جنسيات مختلفة وبأحكام متنوعة فيها المؤبدات، إلا أن الجميع يعيشون معاً وكأنهم أصدقاء، وأية ملامح للعدوانية أو السلوك الخاطئ لا وجود لهما في هذا المكان.

الرائد طارق كلنتر