تسكنه الطمأنينة والهدوء رغم مهامه التي تثير الأعصاب وتحرك الساكن أينما كان.. متواضع رغم طموحه الكبير وسعيه الدؤوب للوصول إلى أكبر الإنجازات في مجال عمله. حيث يسعى باستمرار إلى التطوير والإبداع والتحصيل العلمي حتى أصبح أول إماراتي يحصل على شهادة التدريب العالمية في المجال المحاسبي «الاتوساي».
ساهم بفاعلية في وقف محاولات كثيرة لهدر المال العام فأعاد الكثير من الاموال التي انفقت دون وجه حق، بل أنهى خدمات بعض المسؤولين المتسلطين الذين لا يستحقون ان يكونوا في هذه المناصب. إنه هاشم سالم القيواني مراقب نفقات الدولة في ديوان المحاسبة الذي جمع في تعليمه بين المدارس النظامية وكتاتيب تحفيظ القرآن الكريم منطلقاً من مدرسة الأحمدية التي جمعت الرعيل الأول من المتعلمين في إمارة دبي. اختار العمل الحكومي على العمل الحر رغم نصائح والده المستمرة للانخراط في التجارة. التحق بديوان المحاسبة رغم انه كان لا يعرف شيئاً عن هذا الديوان سوى لوحة مكتوب عليها ديوان المحاسبة.
ترعرع في اسرة مولعة بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر حيث كانت صوره تملأ أرجاء المنزل كافة. وبعد مرور سنوات طويلة من العمل في الديوان يعتبر أن موظفي الديوان جنود مجهولون يجب أن يحصلوا على مزايا اجتماعية وعالية عديدة مقابل الجهد الكبير الذي يؤديه العاملون في الديوان.
ويعتبر أن شباب اليوم أفضل حالاً من شباب الأمس وأن الفرص امامهم متعددة على عكس شباب الأمس، في الوقت ذاته يجد نفسه قلقاً من التركيبة السكانية الحالية ويرى أن الحل الأمثل هو في تعدد الزوجات وتجنيس الكفاءات وفق ضوابط محدودة.
وخص القيواني ملحق «الجيل» ليقص حكايته من البداية قائلاً:
كنا نسكن في منطقة فريج المرر وكان المكان كله عبارة عن بحر باستثناء مساحة قليلة يعيش فيها أهل الفريج وكنا نعرف بعضنا بعضاً حيث كانت العلاقات الاجتماعية متينة وقوية وتجمع بيننا أواصر المحبة، نشارك بعضنا في جميع المناسبات حيث كان جميع أهل الفريج يعرفون بعضهم بعضاً بشكل جيد على عكس الوضع الحالي، فنادراً ما يعرف الجار جاره.
وفي هذه المنطقة انطلقت بدايتي التعليمية الأولى حيث ذهبنا إلى الكتاتيب وكان الكتاب بمثابة مرحلة الروضة حالياً حيث لم يكن هناك روضة في ذلك الوقت وكان كتاب «موزه» احد أشهر الكتاتيب في ذلك الوقت فقد كانت إحدى المحسنات اللاتي يقمن بتحفيظ وتدريس القرآن للأطفال في المنطقة.
وبعد مرحلة الكتاتيب دخلت مدرسة الأحمدية التي كانت موجودة مكان النادي العلمي حالياً وكانت مدرسة تضم أربعة صفوف ابتدائي ومثلها للإعدادي وتتبع المنهج الكويتي وبقيت فيها بها حتى الصف السادس الابتدائي وكانت الابتدائية في ذلك الوقت شهادة مستقلة مثلها مثل الشهادة الإعدادية.
ويواصل القيواني حديثه من الذكريات: لقد زار الإمارات في ذاك الوقت الرئيس السوداني جعفر النميري فخرجنا في استقباله نرفع الأعلام ونرحب بالضيوف حيث كانت بداية قيام الاتحاد فكانت الفرحة تسيطر علينا جميعاً بهذا الإنجاز الكبير الذي تحقق بين إمارات الدولة.
وكنا جميعاً مولعين في هذه الفترة بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر فقد كانت صوره معلقة في جميع أركان المنزل حيث كنا نعيش في بيت العائلة التي تضم والدي وجدي بالإضافة إلى إخواني فكانت العائلات في ذلك الوقت مركبة ولم يكن الوضع مثلما هو عليه الآن.
كما كنا نذهب إلى مدارس تحفيظ القرآن الكريم خلال فترة الصيف في المدرسة نفسها التي ندرس بها خلال العام الدراسي.
وكنا نحصل على عشرة دراهم عن كل يوم نحضره في الدرس فكان يصل إجمالي ما يحصل عليه الفرد 600 درهم نظير حضوره دروس تحفيظ القرآن الكريم حيث كان هناك اهتمام كبير ورعاية ودعم في مطلع اتحاد دولة الإمارات لكافة أبنائها لحثهم على التعليم.
ومن بين المزايا التي كان يتمتع بها المعلمون في ذلك الوقت هي قوة الشخصية، حيث كان المعلمون أكثر شدة وقوة ضبط في الأمور والسيطرة على الطلبة من الوقت الحالي في الوقت نفسه كان الطالب يهاب المعلم ويقدره أعظم تقدير.
ويضيف مراقب نفقات الدولة في حديثه حول ذكرياته التعليمية الأولى: لقد انتقلت إلى ثانوية دبي للدراسة الإعدادية وكان يطلق على هذه المدرسة في ذاك الوقت مدرسة المهلب وبقيت فيها لمدة سنة واحدة ثم انتقلت إلى مكان آخر ثم درسنا في ثانوية دبي المرحلة الثانوية حيث بدأت المدارس تنفصل عن بعضها البعض بعد إعلان قيام اتحاد الدولة ورغم مرور السنين إلا أنني ما زلت أذكر تلك الأيام جيداً كما أنني ما زلت على اتصال بعدد من الزملاء في الدراسة وان كانت الحياة العملية أصبحت تحول دون ذلك.
ثم انتقلت بعد ذلك إلى المرحلة الجامعية فدرست في كلية العلوم الإدارية والسياسية بجامعة الإمارات وجاء اختيار هذا التخصص بناء على توجيهات الرعيل الأول في الجامعة الذين أكدوا حاجة الدولة إلى هذا التخصص.
وخاصة ان تلك الفترة كانت تشهد حالة من التقشف بعد هبوط سعر البترول إلى أقل من 7 دولارات للبرميل الواحد في الوقت نفسه كانت هذه الكلية تتمتع برغبة كبيرة واقبال شديد من الطلبة الحاصلين على الثانوية العامة والراغبين في استكمال دراستهم الجامعية فقد كانت الكلية تتمتع بالعديد من المزايا في الدراسة من بينها السماح بالدراسة المزدوجة والدراسة الفرعية أو في كليهما.
لوحة مكتوب عليها ديوان المحاسبة
وبعد الحصول على الشهادة الجامعية بدأت رحلة الحياة العملية فقد التحقت بديوان المحاسبة عن طريق أحد الأصدقاء علماً بأنني لم أكن أعرف ما هو ديوان المحاسبة باستثناء لوحة مكتوب عليها ديوان المحاسبة في إحدى البنايات التي كانت موجودة خلف مركز حمر عين حالياً.
ولكن لا أعرف طبيعة عمل الديوان في الوقت نفسه كانت هناك فرص وظيفية للعمل في أبوظبي ولكني فضلت العمل في دبي نظراً لبعد المسافة، فكان الديوان الذي بقيت فيه منذ البداية حتى الآن ورغم التحاقي بالعمل الحكومي إلا أن الوالد كان يحثنا دائماً على العمل الحر والتجارة حيث يعمل الوالد تاجراً وانخرط اثنان من إخوتي معه في العمل التجاري بينما بقيت أنا وأخ آخر في العمل الحكومي فلم يكن لدي النزعة والرغبة للعمل في هذا المجال وإنما فضلت العمل الحكومي حيث كان الوالد لا يتدخل في اختيار العمل الذي نرغب فيه وإنما كان يوجه لنا النصائح فقط.
مدرس إنجليزي
ويعود القيواني بذكرياته إلى الوراء فيقول لقد كان والدي يقوم بالتعاون مع أحد أصدقائه بإحضار مدرس لغة إنجليزية لتعليمهم الإنجليزية فقد كانوا حريصين على التعلم والاستفادة من المعلمين حتى أصبحوا يتقنو اللغة الإنجليزية بمهارة حيث كان الوالد يسعى دائماً إلى التعلم والاطلاع والاستفادة من كل ما هو جديد وخاصة أن هذه الفترة بدأت تشهد توسعاً واهتماماً بالتعلم على عكس ما كان معمولاً به سابقاً.
كما كان الوالد يدفعنا إلى الاعتماد على النفس ويشجعنا ويحثنا على الدراسة وبالرغم من ذلك لم يكن يتدخل في أمورنا الشخصية بالرغم من توفير كل الاحتياجات اللازمة لنا.
وأثناء فترة عملي في ديوان المحاسبة التي تصل إلى عشرين عاماً قمت بتمثيل الديوان في عدد كبير من المؤتمرات الدولية من بينها مؤتمرات واجتماعات في ليبيا وتونس ومصر والكويت والسعودية والأردن وكانت الرحلات الخارجية ذات أهمية كبرى في حياتي حيث فتحت أمامنا الفرصة للاطلاع على تجارب الدول الأخرى والاستفادة من الخبرات العلمية والمعرفية التي تطبق في هذه الدول كما خلقت نوعاً من التواصل مع تلك المؤسسات في الدول التي تم زيارتها. كذلك ساهمت في تكوين صداقات في هذه البلدان.
علوم الانتوساي
ويقول القيواني: حصلت على دبلوم في التدريب المحاسبي الخاص من الانتوساي وكنت الشخص الوحيد من دولة الإمارات الذي يحصل على هذه الشهادة والتي تعتبر واحدة من أرفع الشهادات العالمية في النظام المحاسبي.
ورغم ذلك يؤكد مراقب نفقات الدولة أن عمله في ديوان المحاسبة لم يفده في الحياة الاجتماعية بشكل كبير، حيث يعتبر العاملون في ديوان المحاسبة منسيين اجتماعياً ولكن استفادتهم في مجال آخر وهو الاطلاع على كل شيء من خلال عمليات التدقيق التي تشمل كل المجالات والمشاريع والأعمال الحكومية.
وكانت استفادتي كبيرة جداً في هذا المجال خاصة أنني بدأت من بداية السلم الوظيفي في الديوان فعرفت كل الخبايا والأسرار في هذا المجال الحيوي المهم فقد دققت على السفارات في الخارج حيث ذهبت إلى لندن للتدقيق، على السفارة الإماراتية هناك، كذلك الأمر نفسه على السفارة في الأردن، بالإضافة إلى التدقيق على مشاريع وعقود وميزانيات وحساب ختامي وغيرها من أنواع الرقابة والتدقيق الأخرى.
قلق التركيبة السكانية
وعن القلق الذي يساوره مستقبلياً يقول القيواني: لقد تطورت الحياة في دولة الإمارات بشكل سريع ومذهل، ونتمنى مزيداً من التطوير في المستقبل، ولكن أكثر ما يقلقني هو التركيبة السكانية في الدولة والتغيرات الديموغرافية التي تميل إلى صالح بعض الجنسيات الآسيوية الأخرى على حساب الديموغرافية السكانية للمواطنين.
لذا اقترح تعدد الزوجات بين المواطنين للمساهمة في حل مشكلات التركيبة السكانية، لذلك نتمنى أن يتم تجنيس بعض الناس الذين خدموا الدولة لسنوات طويلة ويتمتعون بكفاءات علمية تستفيد الدولة منها وخاصة أن الدولة مازالت في حاجة إلى الكفاءات والتخصصات العلمية النادرة، في الوقت نفسه يجب أن تتم عملية التجنيس وفق ضوابط محددة.
وألا يتم فتح الباب على مصراعيه إذا حدثت ولا نجد العديد من الوظائف الدنيا التي لا يحتاج إليها الوطن تحصل على الجنسية بحجة بقائها في الدولة سنوات طويلة، حيث يمكن أن يؤدي عدم تقنين هذه العملية إلى مشكلات عديدة تزيد الوضع الحالي تعقيداً بدلاً من المساهمة في حلها.
وحول ديوان المحاسبة يقول القيواني: نتمنى أن يتم تغيير آلية العمل في الديوان إلى الأفضل، خاصة أننا بهذه الطريقة نتأخر ولا نتقدم ولا نستطيع أن نواكب التغيرات العالمية المستمرة والنهضة الكبيرة التي تشهدها الدولة، وعلى الرغم من ذلك، يبذل العاملون في الديوان جهوداً مضنية لتحقيق هذا الهدف،
ولكن تراجع أعداد المواطنين نظراً لقلة الحوافز سوف يؤثر سلباً على الأداء، وخاصة أن العمل في ديوان المحاسبة مرهق ومزعج في آن واحد، ولا يحصل المواطنون في الديوان على الامتيازات والمكافآت التي يحصل عليها زملاؤهم في الدوائر والمؤسسات الأخرى رغم الجهد الكبير الذي يؤديه العاملون في الديوان بالمقارنة مع زملائهم في الدوائر الحكومية الأخرى.
كما نتمنى أن يكون للديوان قوة أكثر وفاعلية أكبر مما هي عليه الآن، خاصة أنني في بداية عملي في الديوان كنت أشعر أن الديوان أنشط مما هو عليه الآن من حيث المواضيع التي يتم بحثها وغيرها من الأمور الأخرى، رغم ما يتمتع به العاملون في الديوان من قدرات.
جنود مجهولون
ويواصل مراقب نفقات الدولة حديثه: العاملون في ديوان المحاسبة بمثابة جنود مجهولين، نظراً للمجهود الكبير الذي يقومون به في خدمة الوطن والحفاظ على المال العام، حيث يبذلون مجهوداً شاقاً في ظل اختلاف القوانين وتباينها من وزارة إلى أخرى مما يتطلب تركيزاً ودقة في المتابعة وخاصة أن التقارير الصادرة عنهم ترفع إلى الجهات العليا في الدولة.
ومن القصص المثيرة التي وقعت معي أثناء قيامي بعمليات التدقيق والمتابعة أن كلفت بالتدقيق على وزارة الشباب والرياضة قبل دمجها في وزارة التربية، وكان في الوزارة أحد الأشخاص الذين تم تعيينهم بدرجة مدير عام، ولكن سمعته كانت غير طيبة، فعندما وجدني شعر بأن ديوان المحاسبة سيكون الطريق لكشف حقيقته، فقام هذا المدير أثناء إجازتي بالقاء مكتبي داخل الممر في محاولة للتخلص من مكتب ديوان المحاسبة داخل الوزارة.
ولكنه عدل هذا الإجراء عندما عدت من الإجازة، وذهبت إليه، إلا أنه بهذا العمل دفعني للبحث في ملفاته حتى عثرت على كل المخالفات الخاصة به، وكتبت بها تقريراً شاملاً، وبناء على هذا التقرير صدر قرار بإعفائه من منصبه. وفي إحدى السنوات كلفت بالتدقيق على وزارة الكهرباء، وبينما أنا جالس أدقق رأيت ملف أحد العاملين الذين انتهت خدماتهم فلم يعجبني شكل الملف.
فقمت بفتحه والدقيق عليه، فتبين أن الشخص حصل على مبالغ مالية تفوق حقوقه الأصلية، فطالبت بإرجاع الأموال التي حصل عليها هذا الشخص عن طريق الشخص الذي تسبب في هذا الإجراء، وتم تحويل القائمين على الموضوع إلى التحقيق، ولكن في النهاية دفع المبالغ أحد الموظفين المعنيين علماً بأنه كان زميلاً لي في الدراسة.
كراسي غير صالحة
وفي وزارة التربية ذهبت لكي أتابع عملية توريد كراسي إلى الوزارة بعدما علمت أن الكراسي غير صالحة ولا تتفق مع مواصفات العقود، فذهبت إلى مدرسة للبنات في عجمان وجلست أمام الطالبات على كرسي لكي أجربه فطاح بي الكرسي أمام الجميع، وخرجت وذهبت إلى مدرسة رأس الخيمة، فسألت عن المدير، فقالوا إنه خارج الآن من المستشفى حيث طاح به الكرسي فأصيب بإصابات بليغة استوجبت دخوله المستشفى، وبعد ذلك كتبت تقريراً شاملاً عن الوضع وتم تغيير الكراسي.
وعن نظرته إلى شباب اليوم ومقارنتهم بالشباب خلال السنوات الماضية يقول: إن نظرتي إلى شباب اليوم ليست سيئة كما يعتقد الكثيرون، فنجد أن الكثير من الشباب الآن يتمتعون بقدر عال من الثقافة والمعرفة وتوجد لديهم العديد من الوسائل والإمكانيات للتطوير والتحديث على عكس السنوات الماضية كان الشباب يعاني من غياب الموارد والدعم وعدم وجود وسائل تعليمية على غرار الوسائل الحديثة، إلا أن الظروف التي يعيشها الشباب في الفترة الماضية كانت تدفعهم إلى تحدي الصعاب والعمل الدؤوب، بينما يوجد الآن لديهم العديد من الخيارات التي يمكن التحرك بيسر وسهولة من خلالها.
ويواصل أن الأجيال القديمة كانت رغم ذلك تتمتع بالعديد من المزايا الاجتماعية والخصال الحميدة إلا أن الظروف المعيشية الصعبة آنذاك كانت تحول دون تحقيق أهدافهم وطموحاتهم في ظل غياب الخدمات والوسائل اللازم لتحقيق هذا الطموح، لذلك أعتقد أن شباب اليوم ليسوا بالدرجة السيئة التي يتحدث عنها الآخرون، ولكن عليهم أن يستغلوا الفرص المتاحة أمامهم لخدمة وطنهم وإثبات ذاتهم في كل الميادين الحياتية المختلفة.
رمضان العباسي