تعاني المدارس اليابانية، المشهود لها بالكفاءة والمستوى التعليمي الرفيع، من تنامي ظاهرة العنف بين طلابها في جميع المراحل التعليمية، وهي ظاهرة لم تكن معروفة من قبل، ويحاول الخبراء معرفة الأسباب التي تدفع تلاميذ المدارس إلى هذا السلوك غير السوي الذي يسيء إلى العملية التربوية برمتها، واتسعت الظاهرة في السنوات الأخيرة وامتدت لتشمل المدارس الحكومية والخاصة، الأمر الذي أثار القلق في نفوس المعلمين وأولياء الأمور والسلطات التعليمية على حد سواء.
وتقول معلمة في إحدى المدارس الابتدائية اليابانية اختارت اسماً مستعاراً لها هو شيباتا: «قبل أن أباشر التعليم، كنت اعتبر نفسي محبة للأطفال، ولكنني الآن أشعر بالخوف في بعض الأحيان من مستوى السلوك السيئ الذي يمكن أن يبديه التلاميذ في غرف الصف»، مشيرة إلى بعض حوادث العنف التي تقع في المدارس وكان من أبرزها، مؤخراً، إن تلميذة تبلغ من العمر 11 عاماً قتلت زميلتها في الصف لقيام الأخيرة بمضايقتها برسائل وضعتها على الانترنت.
وفي الصف الخامس الابتدائي الذي تشرف عليه شيباتا في مدرستها الحالية، يقوم التلاميذ بممارسة لعبة خبيثة يعمد فيها الصف كله إلى تجاهل أحد زملائهم لمدة شهر كامل. وفي كل مرة تحاول القيام بشيء لحملهم على التراجع عن هذا السلوك، فإن الوضع يزداد سوءاً.
وتشير شيباتا إلى أن المدارس المتوسطة لا تختلف عن المدارس الابتدائية، فانهيار النظام العام في غرفة الصف بصورة كلية والتناحر بين التلاميذ أو أولياء أمورهم والمدرسين لم يعد حكراً على المدارس المتوسطة، وإنما امتد ليشمل المدارس الابتدائية أيضاً.
وتضيف: «عندما كنت في عمرهم، كان هناك على الأقل حد أدنى من الإحساس بالتسلسل الهرمي بين التلاميذ والمدرسين، وحتى عندما كنا نكره مدرسينا كنا نستخدم لغة مؤدبة عندما نتكلم معهم. أما اليوم، فإن التلاميذ في الصفوف العليا من المرحلة الابتدائية يميلون إلى التقليل من شأن المدرس وإهانته، بل إن بعض التلاميذ يسألون المدرس: «في أي جامعة درست؟ مع أن ذلك قد يكون مرده إلى رغبة أولياء أمورهم بمعرفة ذلك».
إحدى المشكلات التي تواجه العديد من مدرسي المدارس الابتدائية تتمثل في الفجوة الواسعة بين التلاميذ في بيئاتهم المنزلية ومستويات المعيشة وطبيعة الأصل. وتميل المدارس الخاصة إلى اجتذاب التلاميذ المنحدرين من عائلات ثرية نسبياً يحكمها أولياء أمور يتمتعون بعقلية تمجد التعليم، أما في المدارس الحكومية فإن الفجوة في مستويات الدخل للعائلات تؤثر على العلاقات بين التلاميذ أنفسهم.
وتقول إحدى المدرسات في مدرسة ابتدائية في منطقة طوكيو ان الفروقات في دخل العائلة تنعكس سلباً على العلاقة بين التلاميذ في غرفة الصف، ففي المدارس الحكومية، لا يتم تطبيع الزي المدرسي الموحد كما يجري في المدارس الخاصة، وهذا يترك المجال مفتوحاً أمام قدوم تلاميذ إلى المدرسة بملابس باهظة الثمن تثير غيرة وحقد التلاميذ الذين لا تسمح لهم ظروفهم المادية ارتداء مثل تلك الملابس.
هذه الظاهرة تلاحظ بصورة أبرز في أوساط التلميذات. وتقول المدرسة ذاتها: «تدرك الفتيات من سن مبكرة، أن مظهرهن وأناقتهن يحددان موقعهن ومكانتهن داخل الصف. ونتيجة لذلك، فإن أولياء الأمور وحتى الذين يعانون من ضائقة مالية، ينتهي بهم الحال إلى الرضوخ لرغبة الأبناء بشراء ملابس من ماركات شهيرة».
وتضيف: «في العام الماضي، وصل هذا الهوس بالأزياء إلى مستوى سيئ لدرجة جعلتني أثير الموضوع في اجتماع للهيئة التدريسية مع أولياء الأمور، حيث سألتهم حول ما إذا كان هناك أي فائدة في جعل التلاميذ يرتدون ملابس باهظة الثمن أثناء قدومهم إلى المدرسة، فأجابت الأمهات بأنهن لم يكن يملكن أي خيار سوى شراء هذه الأنواع من الملابس لأن بناتهن كن يؤكدن انهن سيتحولن إلى أضحوكة إذا لم يفعلن ذلك.
قد يكون الهوس بألعاب الفيديو مشكلة ولكن هذا الهوس بالملابس الثمينة يذهلني باعتباره دلالة حقيقية على شيوع قيم مشوهة لدى الأطفال. وأولياء الأمور اليوم لا يملكون الشجاعة لإخبار أبنائهم بضرورة عدم الخضوع لهذه القيم المشوهة».
الأمر الأكثر إحباطاً فيما يصادفه المدرسون أثناء عملية إدارة صفوفهم الدراسية هو علاقتهم بأولياء الأمور. ومثلما يختلف تلاميذ اليوم عن تلاميذ الأمس، فإن أولياء الأمور اليوم الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثينات والأربعينات يختلفون عن أولياء الأمور في الماضي. وقد أصبحت العلاقة بين المدرسين وأولياء الأمور أكثر تعقيداً. ويمكن تصنيف أولياء الأمور اليوم إلى فئتين: أولياء الأمور المبالغون في حماية أبنائهم، والذين يبدون شديدي الحساسية إزاء أطفالهم، وأولئك الذين يفتقرون للوعي فيما يتعلق بمسؤولياتهم الأبوية ويتركون كل شيء للمدرسة.
عمل نومورا أوسامو، الذي يشغل حالياً منصب المشرف على المدارس لدى مجلس تعليم محلي في مقاطعة كاغوشيما ـ عمل مدرساً لمدة 29 يوماً. وهو يشير إلى أن التحول الجوهري في البيئة الاجتماعية والتغييرات العظيمة في العلاقات بين ولي الأمر والمدرس قد أوجد حاجة لأن يتحلى المدرسون بالتصميم والتحمل والمهارات الاجتماعية.
ويقول بهذا الصدد: «في الماضي، كان عدد خريجي الجامعات قليلاً، ولهذا فإن أولياء الأمور والتلاميذ كانوا يشعرون بشيء من الاحترام والرهبة إزاء المدرسين أما اليوم، فإن التعليم الجامعي شائع ولديك الانترنت كمصدر سريع وسهل للمعرفة. وفوق كل ذلك، فإن أولياء الأمور بوجه عام أصبحوا أفضل تعليماً مما كانوا عليه. وحتى أن البعض منهم يحكم على جودة المدرسين ومستواهم بناء على مؤهلاته الأكاديمية الشخصية ومعرفته المتخصصة.
ويتساءل أولياء الأمور اليابانيون حول كفاءة المدرسين ويشككون في المعايير المتبعة في توظيف معلمي المدارس، حيث يقولون إن أي شخص يحمل شهادة من إحدى الجامعات ويجتاز امتحان القبول يستطيع أن يمارس التعليم. ويطالبون بضرورة اكتساب المدرسين لخبرة اجتماعية حول كيفية التعامل مع التلاميذ في غرفة الصف واستيعاب مشاكلهم الاجتماعية.
وحول هذا الموضوع، يقول أحد المسؤولين الذي يعمل لصالح مجلس التعليم المحلي في طوكيو، حيث يقدم التوجيه الإداري للمدارس والمدرسين: «إن مجرد حصول الشخص على خبرة اجتماعية من مكان مثل إحدى الشركات لا يعني أنه سيصبح مدرساً جيداً بالضرورة.
ولكن فكرة توظيف أشخاص لديهم خبرة اجتماعية طويلة للعمل كمدرسين وتوظيف معرفتهم ومهاراتهم العملية في التدريس، كما يقترح أولياء الأمور، اكتسبت زخماً كبيراً خلال السنوات القليلة الماضية. ونحن نرى فرصاً متزايدة لهؤلاء الأشخاص لدخول عالم التدريس. وعلى سبيل المثال، يتم تعيين بعضهم بموجب حصص خاصة كجزء من عملية اختبار مدرسين جدد وتعيينهم.
كما تم تعيين أشخاص من القطاع الخاص لا يحملون شهادات في التدريس في منصب مديري مدارس، ولكن الحقيقة الثابتة هي أن الشهادة تعتبر مطلباً سابقاً لأعضاء الهيئة التدريسية الذين يعطون الدروس عملياً، بخلاف المديرين. ولهذا، فإن أولئك الأشخاص الذين لا يحملون شهادات في التدريس إما عليهم أن يعودوا إلى الجامعة أو ينخرطوا في الجامعة بالمراسلة للحصول على الشهادة. كما تعاني المدارس من نقص في المدرسين الجدد الذين يتم تعيينهم وذلك بسبب التراجع في أعداد التلاميذ وبخاصة في المرحلة الابتدائية.
وإذا ما استمر الأمر على هذا، النحو، فإن المدارس ستعاني نقصاً خطيراً في السنوات العشر المقبلة في أعداد المدرسين مع إحالة الكثيرين منهم على التقاعد.
ويقول المسؤول التربوي في منطقة طوكيو، الذي يفضل الإشارة إلى اسمه بالحرف «كيه» إن عدد المدرسين الجدد الذين سيتم التعاقد معهم سيزداد خلال السنوات القليلة المقبلة. ويضيف: «أعتقد أن هذا التغيير المتعلق بالجيل الحالي من المدرسين يمثل مرحلة انتقالية في عملية الإصلاح التربوي. ونأمل بأن نتمكن من تحسين نوعية المدرسين إلى الدرجة الممكنة عن طريق تطبيق برامج عملية وتطوير أنظمة جديدة مع الإبقاء على العناصر الإيجابية التي تراكمت بفعل الجهود السابقة للمدرسين».
ومن الأسباب التي تساعد على تدهور النظام وشيوع السلوك السيئ في أوساط التلاميذ سوء العلاقة بين المدرسين أنفسهم، وعدم استعدادهم لتقبل النصيحة من بعضهم البعض. ويميل المدرسون إلى الوحدة والابتعاد عن مناقشة المشاكل التي يواجهونها في غرفة الصف مع زملائهم، وذلك خوفاً من أن يفهم ذلك على أنه عجز من قبل المدرسين في إدارة شؤون صفوفهم الدراسية. وهذه المشكلة تنعكس سلباً على أداء المدرس، وبالتالي على سلوك التلاميذ وتحصيلهم العلمي.
ضرار عمير