كيف نحمي أنفسنا من مخاطر البث الفضائي السيء؟ سؤال طرحته بجدّية وحماس بالغين ثلاث فتيات يمثلن مراكز الطفولة والفتيات بالشارقة وهن: جنان محمد وناعمة الكعبي وأسماء العبيدلي، وذلك في محاضرة استضافتها جمعية الاتحاد النسائية بالشارقة تهدف الى لفت الانتباه الى خطورة الكثير من البرامج والمسلسلات التلفزيونية التي تدس السم في العسل وتضرب عرض الحائط بالعديد من القيم الاخلاقية والعادات المتعارف عليها.

وقالت سحر علي منسقة ثقافية في مركز الرقة للطفل في الشارقة أن مركز الرقة للطفل شارك في تنظيم المحاضرة لتحقيق أهداف لابد ان ينتبه اليها المسؤولون والقائمون على اختيار البرامج التلفزيونية انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية بحيث تمثل هذه البرامج والفقرات المتنوعة أمانة في أعناقهم عليهم حملها بما يرضى ضمائرهم ويتماشى مع القيم والاخلاقيات السائدة محلياً، خاصة ان مواد الفضائيات العربية تتبارى بعضها مع الفضائيات الاجنبية في بث رسائل إعلامية فاسدة تتجاوز الخطوط الحمراء وتتجرد من رسالتها الإنسانية قبل الأخلاقية.

وأضافت ان المحاضرة منحت الأطفال أنفسهم فرصة للتعبير عما يجول في خواطرهم ويتبادلون الآراء والأفكار والملاحظات مع اقرانهم من الحضور في حوار جريء وهادف، الامر الذي يحرص عليه مركز الرقة من خلال مختلف النشاطات والأحداث التي ينظمها أو تلك التي يشارك في تنظيمها مثل الأمسيات الشعرية والمعارض الثقافية والعروض الموسيقية ومسارح الدمى المتحركة، بحيث يتم تدريب الطفل على مواجهة الجمهور بثقة عالية وأداء متميز عبر الإلقاء الشعري أو التقديم التلفزيوني والإذاعي وصقل مواهبه المتباينة وإبراز إبداعاته حتى أن كثيراً من مقدمي البرامج التلفزيونية الهادفة والجادة اليوم من الأطفال كانوا أعضاء فاعلين في المركز.

وقالت ان المحاضرة دعت أولياء الأمور الى ضرورة ملء أوقات ابنائهم وبناتهم من الأطفال في هذه المرحلة العمرية الحرجة بكل ما هو نافع ومفيد لبناء شخصياتهم مستقبلاً، وليشاركوا بفعالية في بناء وتطوير مجتمعاتهم، وتعد مراكز الطفولة والفتيات من بين الجهات المثالية لشغل فراغ الصغار بالفعاليات والنشاطات الثقافية والرياضية والدينية والترفيهية التي تمنحهم مزيداً من الثقة في قدراتهم وامكاناتهم الذاتية، وتشعرهم في الوقت نفسه بأهمية وجدوى العمل الجماعي والتعاون، والتميز والإبداع.

ثورة معلوماتية

وصفت جنان محمد في بداية حديثها البرامج التلفزيونية المنافية للأخلاق والدين بأنها بمثابة «عفن فني» لابد من التخلص منه نظرآً لتأثيره الخطير والمباشر على النشء الجديد الذي يشهد ثورة معلوماتية تحمل الغث والسمين يختلط فيها الحابل بالنابل ولا يستطيع الأطفال بطبيعة الحال في هذا العمر التمييز بين ما هو خاطيء وصحيح لذا يلعب هنا أولياء الأمور دوراً لا يستهان به في مراقبتهم بصورة لا تؤذي وتجرح أحداً، وذلك من خلال السيطرة منذ البداية على طبيعة ونوعيات المواد التلفزيونية المسموح بها والتي تتناسب وكافة الأعمار.

وقالت: ان مخاطر البث الفضائي السيء تدعو الى التشبه بغير الأسوياء في أسلوب الحياة والملبس والعادات خاصة النيولوك الى جانب تصوير العلاقات المحرمة وهدم القيم وخدش الحياء، وتقديم تلك البرامج للجريمة والعنف وأشكال الأجرام المتنوعة في صورة مثيرة ومحفزة للاقتداء، وضياع الأوقات الثمينة في أمور لا طائل من ورائها قد تكون مضرتها غالبة، والتأثير السلبي على العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة من خلال صرفهم عن بعضهم البعض بمشاهدة التلفاز على حساب الأحاديث والجلسات العائلية، كما تساهم كثرة متابعة البرامج في الاضرار بالبصر وضعفه والانحناء وذلك بسبب طول فترة الجلوس.

وأضافت ان الفضاء يزدحم ببث تلفزيوني مكثف وعابر للحدود يغير طباعاً ومفاهيم ويقلب أوضاعاً اجتماعية قائمة رأساً على عقب، وأجمع الباحثون على ضرورة حماية الطفل من برامج البث الفضائي التي تسيء الى القيم الأخلاقية وتسهم في ممارسة ونشر السلوكيات الشاذة وغير المقبولة.

مشيرة الى ان مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الأسرة في حماية أطفالهم وذلك من خلال متابعة الطفل باستمرار ويشارك أفراد الأسرة الأكبر سناً الصغار في متابعة الفضائيات دون منعهم واللجوء الى التعليق المستمر على الأخطاء غير ان معاقبة الطفل حين يشاهد برامج سيئة لا تتم مطلقاً بالضرب والقسوة لأن النتيجة هنا ستكون عكسية اذ سيتحدى الطفل أوامر من يضربه ويتصيد اللحظات كي يتابع ما نهي بالضرب مسبقاً عن متابعته بدافع العناد.

وأبدت أسفها الشديد ازاء الحال التي آلت اليها الكثير من المجتمعات العربية والمسلمة في مشارق الأرض ومغاربها بحيث ساهم البث الفضائي السيء في ضياع بل وتشويه الصورة وفقدت بعض تلك المجتمعات خصوصيتها التي طالما تميزت بها بعد ان تخلت عن أصالتها ولحقت بركب الحداثة والموضة المجنونة والجانب المظلم من التطور بدلاً من الاستفادة من جوانبه المضيئة في تنمية المؤسسات والقطاعات في البلد وتنوير العقول حينما تسابقت فيما بينها لاستضافة برامج الواقع التي تمتد لأسابيع وشهور طويلة تماماً كالمسلسلات المكسيكية المدبلجة لتنقل لنا تفاصيل مخيفة لممارسات مجموعة من الأشخاص بواسطة كاميرات مزروعة في كل ركن من أركان منزل الإقامة.

فنانات ومطربات

وتساءلت مستنكرة: ماذا استفيد وبنات جيلي من متابعة برامج تلاحق فنانات ومطربات لمعرفة مأكولاتهن المفضلة ونوع الحيوانات الأليفة التي يربينها في منازلهن، والأماكن التي يملن لارتيادها والتردد عليها؟ في وقت نحن أحوج ما نكون فيه الى القدوة الحسنة ومتابعة سير الصالحين والتابعين لحذو حذوهم واقتفاء أثرهم في العبادات والطاعات في نواحي الحياة المختلفة.

برامج هادفة

وتحدثت أسماء العبيدلي عن أهمية انتقاء ما نشاهده على شاشات التلفاز كاهتمامنا باختيار ما نأكل ونلبس لأن البرامج التي تحرص على متابعتها تعكس طبيعة ميولك وذوقك جيدة كانت أم رديئة وحتى لو لم تصدق هذه العبارة فإن للمواد التلفزيونية تأثيراً مباشراً في سلوكياتنا ونظرتنا للناس والأمور من حولنا، لذلك لابد ان يسعى المرء إلى استغلال الوسائل الحديثة في فائدته لا مضرته.

وقالت ان والدتها أوضحت لها فوائد وعيوب الفضائيات حتى تتمسك بالاولى وتتجنب الثانية لذلك توجه من يصغرها سناً بأسلوب محبب غير منفر بعيداً على الأمر والضرب، ولم تواجه صعوبة في اختيار ما يناسبني من مواد تلفزيونية لأن لها نظرة وخطة وتفعل صديقاتها مثلها فكما يقال «المرء على دين خليله» وحين تجتمع بهن تكتشف ان البرامج التي تابعتها بالامس تثري احاديثها وتزيدها متعة ومعرفة.

وأشارت أسماء الى ان مشاهدة التلفاز لبعض الوقت جزء من برنامجها اليوم الحافل بالمذاكرة والاطلاع، وليس كما يفعل البعض منا بحيث يجعل البرامج والفقرات التلفزيونية شغله الشاغل وهمه الأعظم، لاسيما فيما يتعلق بالمواد الهابطة.

وتشاطرها الرأي ناعمة الكعبي في أن الفضائيات وسيلة لزيادة الثقافة وأحيانا للترفيه كما في الافلام الكرتونية الشيقة في وقت يهتم البعض بمتابعة آخر أخبار الممثلة الفلانية لحد الهوس ولا يكتفين بذلك بل يلاحقن الشائعات حول فناناتهن المفضلات عبر الانترنت، وأتوقع ان غايات مثل هذه لا تضيع وقتنا فحسب بل الجهود والطاقات المبذولة.

أما بالنسبة للبرامج الهادفة فإنها تقف على طرفي نقيض منها بحيث توعي الرأي العام وتنبه الى الظواهر التي تعززها المجتمعات وكيفية تعميم الفائدة وسبل تفادي الأمور السلبية بما يفتح أمامنا كأفراد أسرة واحدة من جهة، وصديقات من جهة اخرى آفاقاً رحبة للمناقشة وتبادل الآراء والأفكار بهدف الوصول للحلول والمعالجات الصحيحة لبعض القضايا.

توصيات المحاضرة

وحول التوصيات التي اتفقت عليها المتحدثات لحماية الطفل من مخاطر البث الفضائي ذكرت ناعمة الكعبي ان المحاضرة حذرت من العقوبات الربانية في الدنيا والعذاب في الآخرة، بالاضافة الى اشغالهم ببعض الأعمال النافعة حتى لا يجدوا متسعاً من الوقت لمتابعة البرامج التلفزيونية الفاسدة والأغنيات الهابطة،

ومحاولة تزويد الأطفال بالمواد المرئية الاسلامية الممتعة والهادفة كتلك التي تحكي عن معجزات الرسل والانبياء وسيرهم الطيبة وتغيير آيات القرآن الكريم، كما يجب العمل على التأثير الايجابي عليهم باعطائهم كتيبات عن مخاطر الفضائيات، وإعلامهم في الوقت ذاته بالقنوات المفيدة التي تطرح برامج هادفة، وإلغاء بعض القنوات كقنوات الأفلام وبعض الفضائيات الغربية مع الاستعانة بمن له مكانة وتقدير عند الأطفال لكي يذكرهم ويعظهم ويوجههم نحو الطريق السليم وهذا الشخص قد يكون المعلم أو قريباً للطفل يعنى بمصلحته ويحرص على تربيته التربية الإسلامية الصالحة.

وعلى هامش المحاضرة التقى ملحق الجيل بعدد من المشاركات في التنظيم والحضور للتعرف إلى آرائهن حول البرامج التلفزيونية.

قالت هبة باسم: ان أجهزة التلفاز قد غزت بيوتنا العربية بشكل ملحوظ، فلا يكاد يخلو بيت من تلفاز أو أكثر ولا يجتمع أفراد الأسرة الى حديث أو مائدة الا وكان التلفزيون حاضرا، حتى اصبح مسيطرا على عقولنا ببرامجه المختلفة مستهدفاً بالذات فئة مهمة جداً في المجتمع، الا وهي فئة الشباب والأطفال الذين يتهافتون الى متابعة ما يبثه لهم حتى ولو كان فيه ضرر، وافساد للعقيدة، واستخفاف بالعقل وأحياناً كثيرة خروج عن نطاق الحياء.

وساقت لنا بعض الاحصائيات التي قام بها مجموعة من المتخصصين في المجال، واظهرت أن 85% من الأسر تحرص على مشاهدة القنوات التي تعرض المناظر الاباحية، و53% منها تراجعت لديهم تأدية الفرائض الدينية، بسبب انشغالهم الدائم بمشاهدة القنوات الفضائية، كما أن 32% تدنى مستوى تحصيلهم العلمي والدراسي نظراً لتفضيلهم متابعة البرامج بدلا من المذاكرة، كما بينت الدراسات الحديثة أن 42% من الأسر يتطلع أفرادها الى الزواج المبكر حتى لو كان عرفياً، وذلك لتأثرهم بما يشاهدونه في هذه القنوات.

وأكدت أن القنوات الفضائية لها سلبياتها وايجابياتها، كما أن لكل شخص منا حرية اختيار ما يريد مشاهدته، بالاضافة إلى أن الأسرة تستطيع التحكم بما يشاهده أولادها، دون اغفال أهمية القنوات الفضائية في عصرنا الحالي، لأنها تعد مظهرا من مظاهر التقدم بالرغم من المآخذ عليها،

وهي مصدر من مصادر نشر الثقافة والوعي بين الناس، فالتلفاز في نهاية المطاف سلاح ذو حدين لا مفر من استخدامه بشرط أن نكون قادرين على توجيهه فيما يخدمنا ووطننا وديننا الذي دعانا إلى احترام العقل وتسخير الآلة لما فيه المنفعة.

مها العبيدلي طفلة في الثانية عشرة من عمرها أعربت عن حرصها الشديد على المشاركة في المحاضرات والأمسيات الشعرية التي تضيف الكثير الى شخصيتها، بل انها تتولى الاعداد والتقديم في بعض الأحيان انطلاقا من دورها كعضو في مركز الرقة للطفل.

البرامج الخاصة

وناشدت الطفلة القائمين والمسؤولين المعنيين باختيار وانتاج واعداد البرامج التلفزيونية للأطفال أن يكونوا أكثر حذرا وروية في انتقاء البرامج الخاصة بهم لأن أبناءهم وبناتهم كذلك يشاهدون التلفزيون، وعندما يضعف لديهم الوازع الديني نتيجة لابداعات وأعمال ذويهم لن ينفع هؤلاء بعدها أية مردودات وعائدات ربحية ولو كانت بالأرقام الفلكية.

اعتبارات تجارية

من جهتها ترى أمينة ابراهيم مشرفة البحث العلمي في جمعية النهضة النسائية أن أسباباً تجارية ربحية بحتة تقف وراء هذا السيل العرم من البرامج والمواد التلفزيونية الملغومة التي تغص بها الكثير من الفضائيات وليس جميعها بعيدا عن أية اعتبارات فنية أو أخلاقية أو اجتماعية أو دينية أو ثقافية وتعليمية، والخطورة تكمن في أن الاطفال يقومون بتقليد كل ما يشاهدونه على التلفاز دون وعي أو ادراك منهم للآثار المترتبة عليه.

وقالت ان المسؤولية اليوم تقع على أكتاف جميع المسؤولين دون استثناء، بدءا بالأهل من داخل المنزل مروراً بالمؤسسات المختلفة كالمعلم في المدرسة والواعظ في المسجد والمدرب في النوادي أي جميع من يستمع الطفل اليهم ويحترمهم ويتأثر بآرائهم، ولا يمكننا بحال من الأحوال أن نلقي باللوم على الفضائيات وحدها لأنها تمثل تحدياً طالما كان موجودا عبر الاجيال المتعاقبة ولكنه بشكل واسلوب مختلفين، فدائما هناك المغريات والتحديات التي تهدد بنسف كل ما بنيناه كأولياء أمور، ولكن يبقى الأساس في التربية الصالحة والتهذيب، والطفل المؤدب على سبيل المثال حتى لو غاب عنه دور المراقبة ممن ��كبرونه سناً ستجده ملتزماً بالبرامج التي يشاهدها في حضور ذويه.

الى ذلك فإن لمراكز الناشئة ومجالس الطفولة وغيرها من الجهات المعنية بالطفل ورعايته دور لا يستهان به في التأثير والضغط على الفضائيات التي تقدم ولائم فاسدة من البرامج للصغار لاسيما وأن سبل التواصل لدينا على صعيد دولة الامارات العربية المتحدة مذللة بحيث تكاد جميع تلك القنوات تتخذ من مكان واحدا مقراً لها بحيث يسهل الوصول اليها جميعا العربية والاجنبية منها، وتستطيع ان تقدم تلك المراكز رؤيتها على ادارات القنوات الفضائية وملاحظاتها ومقترحاتها علها تجد صدى ايجابياً في نفوس القائمين على التخطيط لدوراتها البرامجية.

لولوة ثاني