اجتذبت الخيل العربية بجمالها ورشاقة حركاتها وتناسق جسدها طلاب نادي تراث الإمارات الذين جاؤوا إلى جزيرة السمالية، للاستمتاع بالأنشطة والالعاب المتنوعة التي يطرحها النادي في ملتقياته الربيعية والصيفية، ولكنهم وجدوا أنفسهم مأسورين بالفروسية، ويحلم كل منهم بأن يكون فارس هذه الخيل او تلك في السمالية (جزيرة الاحلام)، حيث بدأ العديد منهم يخطون خطوات ثابتة ويضعون أقدامهم على طريق الفروسية.
وفي اطار هذا الحماس الشبابي الكبير عمل نادي التراث على النهوض برياضة الفروسية، من خلال تطوير قسم خاص بها في اطار دعم وتوجيهات سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس نادي تراث الإمارات، وتم تغذية القسم بكافة الامكانات والخبرات التدريبية للوصول لمخرجات وطنية على أعلى المستويات تكون مستقبلاً فرساناً للإمارات.
بداية أوضح سعيد المناعي مشرف عام الأنشطة في نادي تراث الإمارات أن الفروسية من الأنشطة الرئيسية في النادي، ووضعت في قائمة اولويات مجلس إدارته التي حرصت على تطوير هذه الرياضة والخروج منها بنتائج فعلية تتمثل في تأهيل فريق وطني من الفروسية، للمشاركة في مختلف السباقات المحلية والخارجية، وخلق جيل من الشباب ذي قدرات ومهارات رياضية عالية المستوى تمكنهم من ترك بصمات واضحة في ميدان الفروسية.
وأضاف انه لتحقيق ذلك تم تأسيس قسم الفروسية في العام 1994 بدعم وتوجيهات من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان رئيس مجلس الوزراء رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تم استقطاب المدربين الأكفاء ذوي الخبرات وتوفير اسطبلات للتدريب على الفروسية،
وكانت بداية القسم متواضعة فلم يكن عدد الخيول يتجاوز العشرة كما كان دوره محصوراً في استقبال الزوار والوفود الطلابية المتدربة، ولكن تطور النشاط وشمل تدريب الخيل للمشاركة في سباقات قفز الحواجز والقدرة بالإضافة للاستعراضات التراثية في المناسبات الوطنية والأعياد الرسمية،
وتم تخريج أول فوج للفروسية في ابريل من العام 2003 وضم 26 طالباً، وجاء الفوج الثاني في شهر يوليو من العام ذاته وضم 19 طالبا، تلاها تخريج الفوج الثالث من الفرسان في العام 2004 بعدد 25 طالبا، اما العام الحالي فقد شهد تخريج الفوج الرابع بعدد 26 طالبا. والمميز هو تخريج اول فوج من الفارسات المبتدئات والذي ضم 29 طالبة لتدخل بذلك الفتيات مجال التنافس مع الشباب.
واشار مشرف عام الأنشطة الى ان النادي استطاع تأهيل فريق الفروسية لقفز الحواجز وضم سبعة فرسان حققوا مراكز متقدمة في جميع المباريات التي شاركوا فيها بالإضافة لتأهيل فريق الفروسية للقدرة، ووصل عدد الخيول المتوفرة حاليا في قسم الفروسية 49 خيلا.
ساسة الخيول
وذكر المناعي ان هناك طلبة وصلوا لمستويات عالية من الكفاءة والمهارة، فعلى مستوى الفروسية استطاع النادي الاستغناء عن بعض ساسة الخيول واعتمد على الشباب المتدربين، الذين اصبح لديهم خبرات جيدة في التعامل مع الخيل والعناية بها، كما ان هناك طلبة اصبحوا مدربين ومساعدي مدربين على مستوى رياضات وأنشطة مختلفة مثل الكاراتيه وسلاح الشيش والقوارب البحرية والرملية.
مخرجات متكاملة
واهتمام النادي ليس قاصرا على المهارات البدنية كما يقول مشرف عام الأنشطة، لأنه يهتم كثيرا بالنواحي العقلية لدى الطلاب، حيث يقدم لهم دورات تربوية وفكرية متخصصة لتنمية عقولهم ايمانا بضرورة بناء الشخصية المتكاملة لدى الطالب من النواحي العقلية والجسدية والنفسية، ليكون للنادي مخرجات متوازنة لديها القدرة على التعامل مع الحياة ومواجهة متطلباتها الحديثة والمتغيرة ويكون الشباب والفرسان فخراً للنادي وللوطن.
الكم وليس الكيف
المصطفى مافوضي مسؤول اسطبلات ومشرف تدريب يؤكد ان التدريب داخل قسم الفروسية يقوم على التخصص والنوعية المخرجة من الطلاب، بمعنى الاهتمام بالكيف لا بالكم، ويقول انه يأتي للنادي كل عام عدد كبير من الطلاب، ويتم مراقبة الجميع كما يتم استقطاب من يكون لديه الموهبة والاستعداد اللذان يؤهلانه للفروسية، ومن بين الالف والألفيي طالب قد يخرج النادي بعدد يتراوح بين 15 و30 طالباً يخضعون لدورات تدريبية متخصصة.
وتكون البداية بدورة تأهيلية يدخلون من خلالها لعالم الخيل ليتعرفوا على سلالاته وانواعه وطريقة حياته داخل الاسطبل ونظافته وعلاجه، كما يتدربون على الطريقة الصحيحة لامتطاء الخيل والسيطرة عليه وتتطلب هذه المرحلة فترة تعادل في المتوسط الـ 45 يوما تقريبا، بعدها يتم توزيع الطلاب على الدورات الاكثر تخصصا وهي ترتبط بثلاث مجالات: قفز الحواجز والقدرة بالاضافة للفريق التراثي الاستعراضي ويتم هذا التوزيع بناء على القدرات والمهارات التي نلمسها في الطالب خلال المرحلة التأهيلية كما نأخذ في عين الاعتبار ميوله لأن الإنسان يكون اكثر تميزا وعطاء عندما يعمل في المجال الذي يرى نفسه فيه.
وحول كيفية اختيار الفارس لحصانه يذكر مافوضي انه خلال الدورات التدريبية يتمرن الفارس على ركوب جميع انواع الخيول ويتعلم كيفية التعامل مع مزاجيتها المختلفة وهذا يطور قدراته ولكنه بعدها يشعر بالاعتياد والالفة مع احدهم ويثبت بذلك حصاناً له طبقا لقدراته لأن المسألة النفسية بين الفارس والخيل شيء اساسي في انجاح العلاقة بينهما وجعل كل منهما يشعر بالراحة مع الاخر وكأنه صديق حميم.
مهارة قفز الحواجز
فن قفز الحواجز يحتاج من الطالب، التركيز العالي والتفاعل بإحساس مع الخيل، والعديد من الطلبة يحلقون بالعديد من الاحلام والاحاسيس وهم يمتطون خيولهم ويتجاوزون بها تلك الحواجز بنجاح ولا يجعلون من اخفاق خيلهم في تجاوز احدها سببا في ارباكهم بقدر ما يكون دافعا لهم نحو الافضل لأن التنافس مشتعل بين فرسان نادي التراث كبيرهم وصغيرهم، والفارس عبدالرزاق عبدالرحمن البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما أمضى سنتين من التدريب في نادي التراث الذي وجد فيه الفرصة الحقيقية لاشباع هوايته وحبه العميق للخيول.
ويقول عبدالرزاق ان رياضة القفز ليست سهلة وتحتاج لقوة عضلية وانتباه خلال التنقل بالخيل بين الحواجز كما انها ليست مهارة بدنية فقط بل كذلك عقلية، فحركاتك بالخيل يجب ان تكون دقيقة ومدروسة، مشيراً إلى الحرص على التدريب المستمر لأهمية ذلك في تطور ادائه، وقد حصل خلال اليوم المفتوح الذي نظمه النادي في هذا الصيف خلال تخريج الفوج الرابع في الدورة التأسيسية على المركز الثاني في القفز بعد ان تخطى خمسة حواجز لمرتين متتاليتين تنافسا مع مجموعة من فرسان النادي ولم يسقط اي حاجز، فشعر بسعادة كبيرة لهذا الفوز الذي شاركه فيها الجمهور الحاضر بتصفيقه وتشجيعه لذلك يطمح في الاستمرار ليصبح يوما من فرسان الإمارات الذين يمثلونها بقوة داخل وخارج الدولة.
مراكز متقدمة
أما سباقات القدرة فطموحات الشباب فيها كبيرة فمعظم الطلاب يحلمون بأن يكونوا في يوم ما فرسان الإمارات الذين يمثلونها عالميا في سباقات القدرة سيرا على خطى كل من سبقوهم في هذا المجال من ابناء الدولة. الفارس ابراهيم العلي يتدرب بكل طاقته استعدادا لخوض اول سباق له خارج الدولة خلال الاشهر القليلة المقبلة والذي سيكون في احدى الدول الأوروبية.
ويذكر العلي: أمضيت خمس سنوات في التدريب على الفروسية وساعده في تحقيق المستوى المتميز الدورات المتخصصة التي حرص عليها نادي التراث منذ تطور قسم الفروسية، وقد تدربت على كافة الامور المرتبطة بالخيل من بداية رعايتها وتنظيفها وصولا لامتطائها والمشاركة بها في السباقات حيث شاركت في سباقات محلية منها سباق كأس صاحب السمو رئيس الدولة وكأس بوذيب.ويفضل ابراهيم الخيل العربية في السباق.
وقال ان الخيل العربية أصيلة جدا ولديها وفاء لصاحبها وقدرة على التحمل، فهي في السباق تصر على ان تكون الأولى وتسعى لذلك حتى انها اذا شعرت بالتعب او الإعياء فانها تستمر حتى النهاية بينما الخيل الانجليزية اذا تعبت توقفت، ايضا الخيل العربي يتمتع بجمالية خاصة وهناك تناسق واضح بين اجزاء جسمه ككل ويمتاز بالبطن المقوس والرقبة نصف مقوسة والأنف الكبير والعين البارزة والذيل المرفوع لاعلى والحقيقة ان عالم الخيل واسع ودائما احرص على التعرف عليه اكثر.
علاقة وطيدة
وينخرط الفارس ابراهيم العلي وزملاؤه حاليا في دورة تدريبية حول العناية الصحية بالخيل موضحا ان الفارس لابد ان يعرف كيفية علاج خيله إذا حدث له مكروه ونادي التراث يدربنا من خلال مختصين على ذلك حيث اعرف الآن كيف اعالج خيلي اذا حدث لها شد في القدم او تعرضت لاصابة بليغة فيها خلال السباق وغيرهما، كما اتابع تدريبي مع الخيل المفضلة عندي (كاترينا) وهي خيل عربية اصيلة كما اتدرب على خيول أخرى لأهمية ذلك في صقل قدراتي.
ويضيف: وانا مولع جدا بالخيل فلدي في غرفتي مجسمات وهياكل لخيول ولا انام قبل النظر إليها لأني ارتاح لرؤيتها كما ان لدي ثلاثة اخوان فرسان ووالدي باستمرار يشجعني على هذه الرياضة التي تصلنا بماضي الاجداد والتي ترمز للاصالة والشجاعة والوفاء لذلك اشكر نادي التراث وكل القائمين على قسم الفروسية لما يبذلونه من جهود معنا لنكون فرسان المستقبل ويفخر بنا الوطن.
اما الفارس ناصر الزعابي فقد انهى المرحلة التأسيسية من التدريب في النادي ويشير إلى أنه يتدرب بشكل مكثف استعدادا لدخول اول سباقات القدرة وذلك على مستوى الـ 40 كم، في اسطبلات عدة ومن المهم جدا تعلم السيطرة على الخيل من خلال التعامل معها بحب وكانها صديق حميم خاصة انها تصبح مع مرور الوقت اكثر احساسا بصاحبها، وقد شارك في تقديم احد العروض الفنية بالخيل من خلال تدريب مكثف استمر لمدة يومين متتاليين مع عدد من زملائه.
الفارس راشد عبدالله بالمرحلة الثانوية يعد نفسه لدخول سباق الناشئين وهو اول سباق على مستوى الاسطبلات خلال شهر سبتمبر المقبل واشار إلى ان نادي التراث يعد قاعدة اساسية لانطلاق الفارس المعد بشكل جيد في ظل وجود المدربين المتخصصين ذوي الخبرات العالية.
ويذكر راشد انه بدأ يمارس الفروسية من المرحلة الاعدادية والآن تعلق بها كثيرا ويحلم بمستقبل متميز معها وهو يعشق الخيل العربي بالرغم من ان الخيول المهجنه التي تدرب عليها ايضا قوية ولكن الخيل العربي له سحر وجمالية خاصة يلمسها كثيرا عندما ينطلق به في السباق وخلال العروض التراثية للفروسية.
ولا ينقطع الفارس خليفه الرميثي عن تدريبات الفروسية خلال الدراسة ويتدرب يوميا في اسطبلات بوذيب وفي ايام الدراسة ثلاثة ايام اسبوعيا فأسرته تشجعه دائما على ممارسة الرياضة وان يكون له هدف منها وخاصة الفروسية لتأثيرها الكبير في بناء شخصية الطالب وتعويده الشجاعة والصبر والوفاء، وتعلم الكثير عن الخيل وتسريجه والعناية به وتدرب على القفز وسباقات القدرة واحب القدرة لأنه يشعر معها بالانطلاق بالخيل وهي تحتاج للتدريب المستمر والقوة والتركيز.
الفريق التراثي
ويبرز الفريق التراثي الاستعراضي الذي أسسه قسم الفروسية بنادي التراث المهارات العالية للفرسان في التعامل مع خيولهم والسيطرة عليها كما يرسم لوحة واقعية معبرة من جماليات الخيل وروعتها، الفارس عبدالله رجب من خريجي الفوج الرابع في الدورة التأسيسية الرابعة للفروسية لهذا العام 2005 وقدم خلال مهرجان الفروسية عرضا تراثيا مع مجموعة من زملائه الفرسان واشتمل العرض على التحرك بالخيل في اشكال هندسية وبشكل منتظم حيث ارتدى بعض الفرسان الزي الوطني الشعبي والبعض الآخر زي الفروسية.
ويقول عبدالله ان تقديم العرض التراثي تدربنا عليه على مدار اليومين ولكن التحكم بالخيل يكون به نوع من الصعوبة اذا كان الفارس مرتديا الزي التراثي مقارنة بزي الفروسية، ويرافق الاستعراض موسيقى عبارة عن «شلات» او قصائد تراثية يرددها الفرسان انفسهم، كما يحتاج الفارس خلال تقديمه العرض لجهد وتركيز للسيطرة على حصانه طبقا للاشكال الهندسية المطلوبة وعدم الانحراف عن المجموعة.
هذا ويتمتع عدد من الفرسان المتدربين بنادي التراث كذلك بالقدرة على تقديم استعراضات لمهاراتهم في التحكم بالخيل والتي تتطلب تدريباً جيداً والقيام بعملية احماء للخيل قبل دفعها للجلوس على الارض في وضعية الاسد مثلا او جعلها تتمدد على الارض وغيرها من الاوضاع التي تظهر قدرات الفارس ومدى تفهم الخيل له من خلال اللغة الخاصة التي تربط بينهما.
دقة الهدف
بالدقة والسرعة المحددة يستطيع الفارس سعيد بن سميدة التقاط الاوتاد برمحة وهو ممتطٍ خيله ويوضح ذلك بقوله إن التقاط الأوتاد احد اشكال التعبير عن المهارة في الفروسية ويقوم خلالها الفارس بعد ركوبه الخيل بحمل رمح طويلة بيده بشكل خارجي اي بعيدة عن الخيل حتى لاتصيبه ويتحرك بسرعة محددة باتجاه الاوتاد الموضوعة على الارض لمسافات متباعدة وقبل الهدف بأمتار قليلة ننزل الرمح تدريجيا ونلتقط الوتد، والتركيز اساسي حتى لانخطئ الهدف او نسقطه،
مشيراً إلى انه منذ سنتين وهو مركز على الفروسية حيث كان يشارك قبلها في مختلف أنشطة نادي التراث من خلال معسكرات فرع الوثبة،ولم يكن بداية التحاقه بالفروسية يعرف شيئا عنها ولكنه الآن يعلم كيفية تسريج الخيل وتنظيفها، كما تدرب على انواع مختلفة المزاجية منها خاصة في مجال القفز فهو ليس سهلا فلابد ان يكون الخيل متمرناً بشكل جيد فقد تجد خيلا تخاف عند الاقتراب من الحاجز وتمتنع عن القفز ربما لخوفها من لونه،
فقد صادف خيلا تخاف اللون الاحمر، ولديه طموح ان يصبح يوما فارساً مشهوراً في مجال سباقات القدرة التي سيكثف تدريباته عليها وهو يتدرب اكثر على خيل عربي أصيل اسمه «شيطان».
لبنى أنور