رفض مسؤولو بعض مراكز المسنين اللقاء في اعتذار مبطن بضرورة اتباع الإجراءات الطويلة والحصول على إذن سابق من قياداتهم، مشيرين إلى انهم تعرضوا كثيرا لمضايقات من أقارب نزلاء المراكز وذويهم لنشر صورهم والحديث مع الصحف عن إهمالهم لآبائهم او أجدادهم الذين تقدموا في السن، واضطروا إلى الإقامة الجبرية وانعزلوا عن الحياة التي أعطتهم ظهرها، ولم يرحم تقدمهم في السن فلذات أكبادهم.

وتؤكد تلك الحقائق ان العلاقات الإنسانية تسير نحو الضعف والاهتزاز فالعواطف والمشاعر الحميمة التي كانت تغلف الأجواء الأسرية فقدت ذلك البريق الذي كنا نتباهى به كعرب ومسلمين وأصبح الأساس في العلاقات محكوما بالمصالح المادية والمنفعة المتبادلة، وأكثر ما يثير الحزن والاستهجان ما بدا يبرز في الآونة الأخيرة من عقوق بعض الأبناء لوالديهم الذين أمضوا سنوات العمر في السهر على راحتهم وتوفير سبل الحياة الكريمة لهم وعلى الرغم من أن الإسلام قد أعطى للوالدين مكانة خاصة تكاد تصل إلى درجة الإجلال إلا أن ضعف الوازع الديني وانصراف الناس إلى قضاء شؤونهم الخاصة أبعدهم حتى عن تنفيذ الأوامر الإلهية التي تقضي ببر الوالدين والإحسان إليهما.

في دار رعاية المسنين في عجمان نماذج إنسانية لأشخاص عاشوا عمرهم وحدهم ولم يؤسسوا عائلة منذ البداية فمنهم من فاتهم قطار الزواج ومنهم من لم تشأ الأقدار السماوية منحه نعمة الإنجاب فانتهى به الحال إلى مأوى للعجزة وعلى الرغم من عدم وجود أبناء لهم إلا أنهم أكدوا لنا أن جفاف العلاقات الإنسانية وانصراف الناس كل إلى قضاء احتياجاته ورغباته الإنسانية التي لا تنتهي أفقدت الإنسان أدميته وجعلته آلة لإنتاج المادة فقط وهو الأمر الذي جعل البشرية تنتهي إلى تكتلات تتصارع فيما بينها وبات القتال لغة الحوار الوحيدة بينهم.

الدنيا بخير.... سيف الشامسي مدير دار رعاية المسنين في عجمان أكد أن العلاقات بين البشر لا تزال بخير بالرغم من النماذج العاقة التي تعيش و تتغلغل في مجتمعاتنا وتنخر في أساسها، وقال إن هناك ثماني حالات في الدار اغلبهم ممن قضوا سنوات العمر وحدهم ولم يؤسسوا لأنفسهم عائلات أو لم يرزقوا بذرية لذا فالدار لا يوجد بها عقوق من الدرجة الأولى إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن الأسر باتت تعاني جمودا في العلاقات وفتوراً في العواطف حتى بين أبناء البيت الواحد.

واعتقد أن ذلك مرده إلى متغيرات الحياة السريعة وخروج الأم والأب إلى العمل لفترات طويلة مهملين تربية أبنائهم او زيارة أقربائهم الأمر الذي يكرس لدى الأبناء أهمية العمل على زيارة الأرحام وتفقد احتياجاتهم وذكر أن علاج حالة عقوق الوالدين وحتى الأقرباء البعيدين يكون عبر اتباع منهج الدين الإسلامي الحنيف في تربية الأولاد وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نقي أنفسنا وأهلينا النار فقال تعالى «ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً».

وإذا كان الله قد أوصى الآباء بحسن تربية الأبناء فقد أوصى الأبناء بطاعة ورعاية الآباء قال تعالى «وقضى ربك ألاّ تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً».

ودعا الشامسي أيضاً إلى العودة إلى التقاليد العربية الأصيلة المستمدة أيضاً من تعاليم الدين والرامية دوما إلى تأكيد أهمية ترابط الأسر بعضها البعض ومد يد المساعدة لكل محتاج فيها مشيرا إلى ضرورة تنوير الطلبة في المدارس بعقوبة قاطع الأرحام وفائدة زيارة كبار السن خاصة الجد والجدة وتنفيذ زيارات ميدانية إلى بعض دور المسنين ليرى الأطفال كبار السن ويعتادوا زيارتهم والجلوس والحديث إليهم وهي محاولة قد تكون ذات فائدة لو عممت في جميع المدارس للحد من ظاهرة أخذت في الانتشار والتفاقم في المجتمعات العربية التي بقيت إلى زمن طويل تفاخر الأمم بمدى لحمتها وترابط أبناء جلدتها.

أغرب من الخيال

وذكر مدير دار رعاية المسنين في عجمان من واقع عمله في الدار واصطدامه اليومي بنماذج شاذة عن الطبيعة البشرية ان هناك احد الأبناء الذي رفض عقب اتصال الدار به اخذ والدته للعيش في كنفه معتذرا بالظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها سواء في المسكن أو العمل فقامت الدار على الفور بتوفير الإعالة التي تؤمن لهما العيش الكريم.

ورغم ذلك سعى إلى إبقائها في الدار ناهرا إياها من أنها تعوق مسير حياته وأنها حجر عثرة في دربه لينتهي بها الحال في دار رعاية المسنين في الشارقة على الرغم من وجود ابنها في ذات الإمارة وهذه القصة ليست إلا مثالا لوحشية الإنسان وجحوده ونكرانه للجميل، مشيرا أيضا إلى انه بالرغم من وجود نماذج يندى لها الجبين خجلا إلا ان هناك بعض الأشخاص الذين يعيدون الأمل لدينا حيث يحرصون على زيارة أقاربهم بشكل دائم ويطمئنون على طبيعة الخدمات المقدمة لهم.

بدرية الكعبي الاختصاصية النفسية في الدار أرجعت فقدان الترابط الأسري بين أبناء البيت الواحد إلى تحول الأسرة من ممتدة إلى نووية مما أسهم في جعل البيوت منغلقة وشبه مستقلة عن الأسر الأخرى ومع مرور الوقت طغى الجفاف على العلاقات وسادت الأنانية بعض العقليات التي تتحكم فيها المادة ولا تسعى إلا إلى توفير احتياجات أسرها الكثيرة وغير المنتهية.

مشيرة إلى أن خروج الأم إلى العمل لساعات طويلة اضعف بنيان الأسرة وهز أركانه لأن الأم هي أساس التربية ومفتاح نجاحها، وقالت ان الجد والجدة كانا هم أساس الأسرة حيث يلتف حولهم الأبناء يغرفون من خبراتهم وتجاربهم في الحياة ويستقون منهم المعرفة، والجد والجدة بقيا حتى مدة قريبة مفتاح الحب وسر تماسك العائلة إلا أن دورهما الآن بات شبه غائب او مغيب ومع تسارع وتيرة الحياة وانصراف الأطفال لشؤونهم التي باتت كثيرة كالأصدقاء والانترنت لم يعد للجد والجدة ذلك الدور المهم.

بر الأرحام

وعن الحلول لظاهرة عقوق الأبناء لآبائهم قالت إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فالحل بين أيدي أبناء المجتمع والمبادرات يجب ان تكون شخصية لمد جسور العلاقات مرة أخرى وزيادة الترابط بين الأقرباء من خلال اللقاءات الدائمة والتوجيه الأسري ليكون الآباء والأمهات بالفعل نماذج وقدوة في بر الأرحام.

وأوضحت الكعبي ان كثيراً من الآباء والأمهات يشكون من عقوق الأبناء او من سلوك الأبناء الجاحد إلا أنهم يغفلون ان تربيتهم هي السبب والسوس الذي نخر في بنيان العائلة والغريب ان الغرب بدأ يلمس آثار التفكك الأسري على أبنائه فقام باستنساخ تجربة العرب وعادوا إلى منهاج الإسلام ليأخذوا منه القواعد السليمة في التربية الصحيحة أما نحن فأخذنا أسوء ما عندهم والنتائج بدأت تظهر جليا لنا وبصورة لا تتلاءم وتعاليم ديننا والفطرة التي تربينا عليها.

وقال خلفان حميد الشامسي احد نزلاء الدار ويبلغ من العمر 78 عاما ان عقوق الوالدين من قبل أبنائهم وعدم تأدية واجباتهم وحقوقهم هي حقيقة منظورة لا يمكن إنكارها او إغفالها بل يجب البحث في أسباب تفشيها في المجتمعات الإسلامية التي أمرها الله بطاعة وبر الوالدين وتوعد العاقين فيها بالنار.

وقال ان قطار العمر يمضي سريعا ولا يكاد يمر العمر حتى يجد الشباب أنفسهم وقد وصلوا إلى مرحلتي الكهولة والشيخوخة لذا على الشباب ان يراعوا كبار السن لكي يقوم أبناؤهم بالإحسان إليهم عندما يكبرون ويشيعوا المحبة في بيوتهم بدلا من الفرقة والشقاء مشيرا إلى ان المحبة هي التي تنقذ الإنسان وتبعده عن الشقاء والتعاسة والإحساس بالوحدة والظلم من اقرب الناس إليه مستندا في قوله إلى قول أبى الحسن موسى بن جعفر عليه السلام «إن أهل الأرض لمرحومون ما تحابوا وأدوا الأمانة وعملوا الحق».

ويرد محمد عيسى احمد احد نزلاء الدار تمزق الأسر وضعف العلاقات بين الآباء والأبناء يرجع إلى انشغال الناس في قضاء مصالحهم ومتطلبات الحياة غير المنتهية الآخذة في التزايد والتعقيد مؤكدا ان العلاقات الإنسانية باتت تحكمها المادة والمصلحة حتى بين اقرب الناس وكم طالعتنا صفحات الجرائد والمجلات بخلافات على الإرث وصلت حد وقوف الإخوة ضد بعضهم البعض في المحاكم او حجر الأبناء على أبائهم كل ذلك يدعونا إلى التأمل في واقع علاقاتنا والعودة إلى الدين الإسلامي وتقاليد أجدادنا العريقة المبنية على الاحترام والتقدير، مشيرا إلى انه في الماضي كانت الجدة والجد بحكاياتهما المتنوعة يجمعان الأسرة حولهم متلاحمين حريصين على بعضهم البعض.

وقال ان دار رعاية المسنين تمثل للمقيمين فيها فرصة لبدء حياة كريمة تغلفها المشاعر الإنسانية النبيلة التي لا تحكمها قوانين المصلحة والمادة فهم كأسرة واحدة يحترمون بعضهم ويقضون ساعات النهار الطويل يستذكرون الماضي الجميل ويغلقون على أنفسهم الباب بعيدا عن المجتمعات الاستهلاكية التي قتلها اللهاث وراء الكماليات واغفلوا أجمل ما حباهم الله به إلا وهو الحب.

محمد عيد شاب في مقتبل العمر يعمل في احد الشركات الخاصة قال لنا انه لا يرى جده وجدته إلا في المناسبات ليس لسبب وإنما لأنه اعتاد مرافقة والديه في الأعياد لتقديم الواجب فقط مؤكدا ان الفتور في أحاسيس الشباب اتجاه والديهم او أجدادهم يعود في الأساس إلى التربية فإذا كرست الأسرة أهمية صلة الرحم في نفوس أبنائها شبوا وهم يضعون الاعتبار الأكبر لهذه العلاقة ويحرصون على إبقائها متوهجة، معترفا في الوقت ذاته انه يفضل قضاء وقته مع أصدقائه بدلا من أسرته.

وقالت فاطمة محمود وهي أم لثمانية أبناء أنها تعاني جحودا ونكراناً للجميل من قبل أبنائها لا يمكن وصفه او تخيله مشيرة إلى أنها تحملت في حياتها الكثير وعانت من اجل ان تعلمهم وتحسن تربيتهم والمكافأة إهمالهم لوالدتهم التي تعيش بمفردها منتظرة الموت في هذه الحياة التي ضاقت بها لافتة أنها لم تسمع أو ترى أحداً من أبنائها منذ ما يقارب خمس سنوات متسائلة لماذا وما الذي اقترفته في حق اقرب الناس إلى؟ أنني اشعر بالأسى من نظرات الشفقة التي المحها من وقت لآخر في أعين الناس.