تُولي الدول المتقدمة، لاسيما الغربية منها، اهتماماً كبيراً بالفئات الطالبية التي تتمتع بقدرات خاصة يتميزون بها على نظرائهم من الطلبة العاديين، ومن شأن ذلك الاهتمام أن يفرز في النهاية عناصر لها رؤى خاصة يستفيد منها المجتمع بشكل كبير بعدما ينغمس هؤلاء الطلبة في الحياة العملية ويواجهون التحديات التي تُفرض على المجتمع الذي يعيشون فيه.

غير أن الصورة مختلفة في بلداننا العربية بشكل كبير، فقليلة هي تلك الدول التي تنتهج سياسات تعليمية خاصة من شأنها الارتقاء بمستوى الطلاب المتميزين في الأساس، وفي هذا الصدد وردت دراسة أميركية تشير إلى أهمية التعامل مع تلك الفئات من الطلبة بشكل مختلق يناسب قدراتهم و يمنحهم مزيداً من الثقة التي تحفزهم على الإبداع وإخراج كل ما لديهم من طاقات.

وتشير الدراسة إلى أن الأطفال الموهوبين أكاديمياً لديهم في العادة عدد من الاحتياجات الخاصة المرتبطة بمستوى الذكاء عند كل منهم ودرجة موهبته.

وبحسب الدراسة فإن هناك الكثير ممن لديهم اعتقاد خاطئ بأن وضع الأطفال الموهوبين في فصول الطلبة العاديين من شأنه أن يرتقي من مستوى الطلاب المتوسطي المستوى، وهو الاعتقاد الذي تصفه الدراسة بأنه يجانبه الصواب قلباً وقالباً.

وتوضح الدراسة أن ولي الأمر ينبغي له أن يتعرف أولاً ما إذا كان صغيره موهوباً أم لا، إذ إن الطفل الموهوب غالباً ما تظهر عليه الأعراض التالية: الشعور بالملل في فصول الدراسة العادية في ضوء الفرق الكبير في المستوى بينه وبين الطلبة الآخرين، مشكلات سلوكية في المدرسة، درجات ضعيفة في الاختبارات على الرغم من علامات الذكاء التي تبدو ظاهرة عليه أو عليها، الإحباط، يبدو متعالياً في علاقته بالآخرين، العمل بشكل منفصل عن الجماعة، يسبق قرناءه لاسيما في مجال القراءة واكتساب المفردات الجديدة، حسن قيادة الآخرين، أحلام اليقظة، حسن التخيل ـ كثرة الأسئلة وحب الاستطلاع واكتساب المعلومات عن البيئة المحيطة به،

كما يكون شغوفاً بمعرفة آلية عمل الأشياء، ويجنح إلى تبني أفكار قد تبدو سخيفة وغير طبيعية للآخرين واختراع أشياء غير مألوفة، ونظرة مختلفة للعالم المحيط ليست لها علاقة بالقواعد التقليدية التي يتبعها أقرانه في السن ذاتها، والميل إلى مصادقة فئات عمرية أكبر من سنه وتجنب من هم في سنه.

وتبين الدراسة أن الطالب في الولايات المتحدة الأميركية يلتحق بفصول الموهوبين بناءً على ترشيح مدرسه الذي يكون له الرأي الأول في هذا الشأن، وبعد الالتحاق بتلك الفصول يخضع الطالب إلى اختبار تحديد قدرات أولي، وإذا كانت نتائج تلك الاختبارات مرضية فإن الطالب يخضع بعدها إلى ثلاثة اختبارات أخرى وفي حالة اجتيازها فإن والده يكون لديه حرية الاختيار في ضمه إلى فصول الموهوبين سواء أكان ذلك في الجامعة أو في المدرسة.

وتوضح أن وضع الطفل الموهوب داخل فصول الطلاب العاديين يؤثر بالسلب بشدة على مستواه الدراسي ولا يحقق هدف البعض المتمثل في أن وجود الطفل المتفوق ذهنيا جنبا إلى جنب مع الطفل العادي أو المتوسط الذكاء من شأنه أن يساعد الأخير على التعلم بشكل أسرع.

فالطفل المتوسط الذكاء يحتاج أن تتكرر الفكرة أمامه بشكل أو بآخر لمرات قد تصل إلى 32 مرة قبل أن يستوعبها، في حين أن الطالب الموهوب أو المتفوق ذهنياً يدرك الفكرة بعد عرضها أحيانا للمرة الأولى، ومن ثم يكون تكرارها بعد ذلك أمامه أمراً من من قبيل السخف أو مضيعة الوقت.

وهو الموقف الذي يصيبه بالملل ويدفعه إلى القيام بالكثير من الأشياء غير المقبولة مع من يشعر أنهم أقل منه إذ يعاملهم بشيء من التعالي أو الغطرسة وقد يصل الأمر به في أحيان كثيرة إلى إهمال الدراسة لأنه يشعر في قرارة نفسه أنه لا يستفيد من المدرسة بشكل ايجابي يناسب قدراته، وهو ما ينعكس بالضرورة سلباً على درجاته في الاختبارات المدرسية.

وتبين أن وجود الطفل الموهوب في المدارس العادية لا يساعد إطلاقا إلى الاستفادة من قدراته الذهنية، ويؤدي به إلى الإحباط وفقدان الرغبة في التعلم ومن ثم وأد قدراته الذهنية العالية في أكثر مراحل تكونها نشاطا.

وتبين الدراسة أن هناك فرقاً بين نوعين من الأطفال: الأذكياء والموهوبين. أما النمط الأول فهم هؤلاء الذين قد تكون لديهم إجابات على كثير من الأسئلة التي تُطرح عليهم. في حين أن الطفل الموهوب هو الذي يكثر من الأسئلة سواء لنفسه أو للآخرين. ويضيف الخبراء أن الطالب الموهوب يتعلم بسرعة كبيرة تكاد تكون قياسية ويحقق نتائج متميزة في اختبارات الذكاء ويمتلك موهبة بشكل من الأشكال في فرع أو أكثر من فروع العلم.

وتضيف الدراسة أن الطالب الموهوب في أمس الحاجة إلى اهتمام خاص من قبل الآباء وذلك قبل المدرسة نفسها. فالطفل الموهوب غالباً ما يشعر بالملل عندما يدرس في الفصول العادية، الأمر الذي يدفعه إلى التغيب عن المدرسة عندما يتقدم في الدراسة، وبعض الآباء يتغاضون عن أو يُهملون الاحتياجات الخاصة لأبنائهم الموهوبين لا لشيء سوى أنهم لا يعرفون أن طفلهم موهوب ويحتاج إلى معاملة من نوع خاص. فالطفل الموهوب قد يبدو في أحيان كثيرة أنه كسول وغير مبال بمن حوله.

كما تبين أن الآباء الذين يكون لديهم ابن أو ابنة موهوبة يتعين عليهم دائما تذكر أن تجاوز الطفل، في أي سن كانت، أقرانه من الناحية الذهنية لا يعني بالضرورة أن تكون قدراته العاطفية ومشاعره النفسية على المستوى نفسه من التطور إذ إن تلك القدرات عادة ما تكون متماشية مع سنهم، ومن ثم فإن الطفل الشديد الموهبة ابن الستة أعوام يظل في حاجة ماسة إلى توجيهات أبويه الدائمة.

ونخلص من تلك الدراسة أن الحاجة تمُس في بلداننا النامية إلى توجيه مزيد من الاهتمام سواء من داخل المدرسة أو المنزل بتلك الفئة من التلاميذ أو الطلاب وتوفير المناخ الدراسي المناسب لقدراتهم والذي بدوره يشجعهم على بذل مزيد من الجهد ومن ثم إفادة أوطانهم.

حاتم حسين