مبدع متميز ومثقف طموح وعربي من الطراز الرفيع مهموم بقضايا أمته منذ الصغر، جمع في طفولته بين المدارس الدينية ومدارس التعليم العام، ووصولاً إلى الأزهر الشريف ودراسة اللغة العربية التي سبر غورها، ولكن طريق حياته يجمع بين ضروب شتى ومعارف متعددة ومهارات متنوعة.

طربت أذناه منذ وعى الحياة إلى الثقافة والمعرفة فكان مساهماً فاعلاً في الحركة الثقافية منذ انطلاقتها الأولى وممثلاً ناشطاً للدولة في المحافل العربية والدولية، انه بلال ربيع البدور وكيل وزارة الثقافة والإعلام المساعد للشؤون الثقافية وأمين سر ندوة الثقافة والعلوم الذي نهل من العلوم فتنوعت خبراته، لتشكل في النهاية كياناً يتسم بالحماس والنشاط والعمل الدؤوب في الدفاع عن قضايا أمته، وانتشال الشباب من براثن التيه والضياع، والمشاركة الفاعلة في رفعة الوطن وإعلاء شأنه.

انه العصامي المثابر الذي خاض الدرب من البداية، فعلم ما بداخله من أسرار، .. يعود بذكرياته إلى الماضي البعيد ليقص الحكاية من جديد وكأنها كتاب مفتوح يحوي تفاصيل الأشياء بذاكرة مفعمة بالحيوية لم تنل منها الصدمات العنيفة التي بدلت المفاهيم وأثرت سلباً على العادات والتقاليد، فقد اعتاد مواجهة المواقف الحياتية والثقافية المختلفة بشجاعة، انطلاقاً من قراءة عميقة للتاريخ وتحليل دقيق للواقع المعاش، فلم يلق الاتهامات جزافاً وإنما اعترف بالقصور والأخطاء وطرح الحلول الناجعة لقضايا الثقافة والشباب.

ويقول البدور: بدايتي تجمع بين مدارس تحفيظ القرآن والمدارس النظامية الأخرى إلا ان الغلبة فيها كانت للمدارس القرآنية، حيث كانت أكثر انتشاراً وشيوعاً، وشهدت هذه الفترة التي بدأت مع السنوات الأولى من العقد الخامس من القرن الماضي بداية التعليم الحديث، ولا أعني التعليم النظامي، ففي الوقت الذي يعتبر فيه البعض ان التعليم النظامي بدأ في الخمسينات فانني أعتقد جازماً انه بدأ في الثلاثينات،

ففي عام 1912 بدأت رحلة الدراسة في مدرسة الأحمدية في دبي، واعتمدت على العديد من الأنظمة المعمول بها في المدارس حالياً، فقد كان هناك نظام للغياب والحضور وجدول للدروس وغيرها من المتطلبات التعليمية الأخرى، ووصل التعليم في الخمسينات إلى مرحلة النضج ودخول المواد الحديثة مثل الرياضيات والعلوم والجغرافيا بعد ان كانت المواد الدينية أساس العملية التعليمية.

وبالرغم من ذلك فقد ظلت مدارس تحفيظ القرآن الكريم مستمرة حتى أواخر الستينات والبعض منها استمر إلى ما بعد قيام الدولة، وكانت بدايتي التعليمية في تلك المدارس ثم انتقلت منها إلى المدارس الحكومية من الذكريات الجميلة التي ما زال يتردد صداها في ذهنى، ونحن في الصف الثاني الابتدائي وترديد الأناشيد بأسلوب شيق وممتع، ثم انتقلت وأنا في الصف الرابع إلى المعهد الديني الذي افتتح في دبي عام 1962 واستمريت في المعهد وكنا أول دفعة تحصل على الشهادة المتوسطة بالرغم من وجود دفعة قبلنا إلا انها حرمت من دخول الامتحانات.

التواصل الثقافي

وعن ذكرياته ونشاطه الثقافي في تلك الفترة يذكر البدور: رغم قلة مؤسسات المجتمع المدني إلا ان التواصل الثقافي كان موجوداً من خلال المكتبة العامة التي أنشئت في عام 1963 وكانت حاضنة وملتقى للطلاب للاطلاع والمذاكرة كما كان لديها برنامج ثقافي نحضر إليه في الفترة المسائية نجلس مع كبار القوم في ذلك الوقت فننهل من أفكارهم وابدعاتهم كما انتشرت المكتبات التجارية مما ساهم في إثراء الحركة الثقافية.

معتبراً أن تلك المرحلة كانت خصبة ثقافياً وفكرياً وأفضل من اليوم فكان الشباب يتسابقون إلى الاستماع إلى إذاعة صوت العرب وعموم الهند ومونت كارلو، فكان أحمد عروق وسعد غزال وأحمد سعيد ضيوفاً دائمين علينا عبر صوت الإذاعة كما كانت الصحافة مصدر الغذاء الفكري فكانت تأتي محملة بالأفكار والمعلومات فنتسابق إليها وننهل منها.

وكان تأسيس تلفزيون الكويت من دبي فرصة مهمة لأبناء الإمارات، فقد شاركت أنا ومجموعة من الطلاب في مسلسل تلفزيوني اجتماعي، وكان تسجيل الحلقات غير مختلط حيث يتم تسجيل مشاهد الإناث في يوم والذكور في يوم آخر باستثناء اليوم الأخير الذي تم التسجيل فيه بشكل مشترك بين الجنسين.

وقدم لنا التلفزيون العديد من المفكرين والشعراء فبدأنا نستمع إلى أشعارهم مما ينعكس على ثقافتنا ومهاراتنا الإبداعية كما كانت مجلة أخبار دبي متنفساً مهماً للمبدعين في تلك الفترة وشهدت انطلاقة الكتاب الذين يتربعون على عرش الكتابة في الدولة حالياً.

أول خصومة أدبية

ويواصل وكيل وزارة الثقافة والإعلام ذكرياته عن الماضي قائلاً: ان صفحات مجلة أخبار دبي شهدت تفاصيل أول خصومة أدبية في الإمارات عند ما أصدر الدكتور أحمد أمين مدني كتابة «حصاد السنين» وبالرغم من صغر حجمه إلا انه كان غني في معناه وكان إطلالة للقارئ الإماراتي على الأدب الحديث، وبعد نشره رد حامد عاشور أمين المكتبة على ما جاء فيه، فحدثت خصومة أدبية بينهما نقلت تفاصيلها المجلة إلى القارئ.

وكانت مجلة المجمع فرصة للاطلاع على كتابة أكثر رصانة وأكثر جدية وكانت الأندية الرياضية محطة مهمة في حياة الشباب في ذلك الوقت، فكانت الثقافة جزءاً أساسياً من مكونات الأندية بل تحظى باهتمام يفوق الاهتمام بالجوانب الرياضية، فكانت العروض المسرحية والموسيقى وإصدار المجلات والندوات أنشطة دائمة، ويكفي ان نادي النصر في دبي أنشئ تحت اسم النادي الأدبي عام 1945.

وعن أسباب انصراف الأندية والشباب عن القضايا والاهتمامات الثقافية يقول ان اهتمامات المجتمع تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الماضية فبرزت قضايا المال وأصبح الرجال أصحاب محلات وشركات ولم يعد لديهم الوقت لممارسة أي أنشطة داخل النوادي فبدأت شريحة الشباب تتجه إلى خارج النادي بعدما تحولت الأنشطة الرياضية، إلى فئة الصفوة ولا يجد الشباب اليوم من يحتضنهم.

كما أصبحت الرياضة مكلفة، وبالرغم من ذلك يتم تسخير الأموال الطائلة لها ولا تحظى الثقافة بأي دعم مماثل فعندما يكون سعر الكتاب 20 درهماً وسعر الحذاء 500 درهم تهب بعض الأندية لشراء الحذاء ولا تشتري الكتاب، فقد كسب الحذاء المنافسة مع الكتاب فتراجعت الثقافة بين الشباب إلى أدنى مستوياتها.

ويواصل البدور حديثه عن الواقع الثقافي المرير. عندما اعتمدت الهيئة العامة للشباب والرياضة الموسم الثقافي والمسابقات التي يجب أن تنفذ على مدار العام فقد وجهت الأموال التي خصصت لها إلى دعم الجوانب الرياضية.

جهاز مستقل للثقافة

ولم يكتف البدور بالتشخيص ووصف الواقع الثقافي الذي يتراجع رويداً رويداً منذ سنوات طويلة وإنما طرح بعضاً من الحلول اللازمة للعلاج فطالب بضرورة الفصل بين الهيئات بحيث يكون هناك جهاز مستقل للثقافة يضطلع بالواجبات والمهام الثقافية التي تذوب الآن في ظل الجمع بين الرياضة والشباب والثقافة.

حيث يحتاج قطاع الشباب إلى رعاية صحية واجتماعية وفكرية فلا توجد رعاية فكرية للشباب حالياً في الدولة لعدم وجود سياسة ثقافية كما أن المؤسسات الموجودة حالياً تعمل بدعم وجهود المشرفين عليها.

الأزهر أو السعودية

وينتقل أمين ندوة الثقافة والعلوم بذاكرته إلى محطة أخرى في حياته: فبعد حصولي على الشهادة المتوسطة من المعهد الديني كان أمامي الذهاب إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف أو الرحيل إلى السعودية ووقع الاختيار على دراسة اللغة العربية في الأزهر فكنت أول طالب إماراتي يدرس لغتنا الجميلة في جامعة الأزهر، حيث درس الطلبة السابقون في التخصصات الأخرى.

وبالرغم من محاولاتي الي التحويل إلى دراسة الشريعة إلا ان محاولاتي لم يكتب لها النجاح فاستمررت في دراسة اللغة العربية، ووجدت تلك الفترة فرصة مهمة لصقل مهاراتي وقدراتي فكنت استمع إلى العديد من المحاضرات ومناقشات رسائل الماجستير والدكتوراه.

وكانت الكتب التي تغطي سور الأزهر فرصة لاقتناء كتب ساهمت في تكويني المعرفي وكانت نواة لمكتبة مهمة في المنزل مع مرور الوقت، وبالرغم من ان الأحداث السياسية ألقت بظلالها على الأوضاع في تلك الفترة وخاصة الجوانب الثقافية حيث، كان العالم العربي يعاني من أثار نكسة 1967، إلا ان المرحلة كانت غنية بالإبداع والمبدعين.

وبعد العودة من القاهرة في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، عُرِض علي العمل مدير إدارة تفتيش المساجد في وزارة الأوقاف أو التعليم، إلا ان احد الأصدقاء عرض علي العمل في وزارة الخارجية فالتحقت بها بالفعل في عام 1975 لأعود من جديد إلى القاهرة في عام 1976،

ولكن هذه المرة في مهمة مختلفة، فتم تعييني مشرفاً على الملحقية الثقافية بالسفارة الإماراتية في مصر، وكان الإشراف تعليمياً أكثر منه ثقافياً وبعد عام ونصف اعتمد نظام الملحقين الثقافيين فكلفت بالعمل هذه المرة في مكتب المندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية.

ومنذ اللحظة الأولى لالتحاقي بالخارجية ذهبت إلى المكتبة لإعداد نفسي في الجانب السياسي وعندما كنت قريباً من الجامعة العربية، وكلفت بتمثيل الدولة في اللجنة الدائمة للشؤون المالية والإدارية بدأت أقرأ في علوم المحاسبة والإدارة فكانت حياتي سلسلة من الحلقات المتواصلة التي تجمع بين علوم شتى.

الجامعة العربية بمثابة الرجل المظلوم

وعن رأيه في الجامعة العربية حاليا يقول البدور: ان الجامعة العربية كانت ولا تزال الرجل المظلوم مثلما كانت الدولة العثمانية الرجل المريض، فأعضاء الجامعة إذا أرادوا العمل بصدق وتحويلها إلى مظلة فاعلة لكانت الجامعة كذلك، فما هي إلا انعكاسات لسياسات أعضائها.

فقد وضعت العديد من الدراسات ولكنها بقيت حبيسة الأدراج لذا فإنني اعتقد ان الجامعة العربية كانت وستبقى بهذا الشكل ما لم تتغير إرادة الدول الأعضاء، لقد استعدت كثيراً من تلك الخبرة فساهمت في تحمل الشؤون الإدارية والمالية في المجلس الأعلى للرياضة لمدة 8 سنوات فكانت حياتي مزيجا من العمل المتواصل في مجالات متعددة.

وفي تعليقه على النظام التعليمي الحالي ومقارنته بالفترة الزمنية الماضية يؤكد البدور ان الأنظمة التعليمية الحديثة ضيعت هيبة المعلم كما أدت الرغبة في تغيير المناهج لذات التغير إلى اضعاف المناهج فأصبحت لا تعطي مادة علمية حقيقية كما ان المواد العلمية لا تأخذ حقها الكافي في المختبرات وكثير من المعلمين ليسوا على مستوى المنهج وبذلك أصبحت المشكلة في المنهج الدراسي والمعلمين.

وأدى ضعف النظام المالي والإداري إلى فقدان الكثير من المزايا التي كان يتمتع بها المعلم في الفترات الماضية فأصبح غير قادر على ان يوجه اللوم للطالب أو معاقبته على أي خطأ كما ان الأمور المالية أصابت المعلم بضغوط نفسية عديدة فجعلته غير قادر على أداء مهامه بالشكل الأمثل متسائلاً كيف يمكن للمعلم أن يؤدي دوره المنشود وهو يعاني من ضائقة مالية والنظام الإداري لا يدعمه والمناهج الدراسية تشهد تغيرا مستمراً من اجل التغير فقط لا من اجل التطوير وتحسين الأداء؟

رمضان العباسي