أمام تفشي ظاهرة «الشللية» بين صفوف الطلبة وخطر مردودها على العملية التربوية والتعليمية ليس فقط داخل أسوار مدارسنا كان لابد لنا من محاولة البحث عن أسباب وبذور تلك الظاهرة التي تكاد تقتصر على مجتمعاتنا العربية، فلو سرت اليوم الى أية مدرسة فسوف تطالعك أعداد كبيرة من الشباب يمشون على غير هدي ويرتكبون أعمالاً وأقوالاً غير حضارية فمن معاكسة الفتيات الى العبث بالمرافق وتدخين السجائر انتهاء بالألفاظ النابية التي تعبر عن مكنون أنفسهم بأسلوب لا يتوافق وقيمنا التي تربينا عليها.
يقول إبراهيم الحوسني مدير مدرسة حميد بن عبد العزيز الثانوية في عجمان إن التجمعات الطلابية المعروفة بـ «بالشللية» من أخطر الظواهر المنتشرة في مدارسنا، والغريب أن هؤلاء الطلبة في أغلب الأحيان يجمعون بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، مرجعاً الأمر الى الخواء الفكري وإلى مصاحبة رفاق السوء حيث يقلد الطلبة بعضهم البعض تقليداً أعمى في محاولة فهم لإثبات الذات ببعض الممارسات وهي بالعادة ممارسات سيئة.
ويرى الحوسني ان هذه الشلل التي أخذت تزداد بصورة كبيرة بين صفوف الطلبة خاصة في المرحلة الثانوية هي حقيقة لا مجال لإنكارها داعياً الى ضرورة البحث والتمحيص في الأسباب الكامنة لها وهل هي مرتبطة بوضع اجتماعي معين، وهل أسهمت الطفرة التكنولوجية في زيادة رقعتها.
سلوكيات غير حضارية
ويشير محمد عمر الشمري مدير مدرسة الراشدية في عجمان من واقع عمله الى أهم الصفات التي يتسم بها هؤلاء الطلبة حيث يرى أن أغلب المنتمين الى تلك الشلل من أصحاب المستويات العلمية والثقافية المتقاربة وهم منحدرون من أسر ذات ظروف متشابهة، ويقول إن هناك نوعين من الشلل، الأولى إيجابية حيث يشارك فيها الطلبة بفعاليات كثيرة تفضي الى تميزهم وإبداعهم نظراً لتبادل الخبرات فيما بينهم، أما الشللية السلبية فهي تجمعات طلابية داخل أسوار المدرسة وخارجها حيث يقوم الطلبة المنتمون إليها بسلوكيات غير حضارية تخدش حياء المجتمع ككتابة الألفاظ النابية على الجدران ومعاكسة الفتيات والهروب من المدرسة وتدخين السجائر.
وأكد أن العلاج يكمن في إدخال الطلبة في أنشطة رياضية وثقافية لتفريغ الطاقة الزائدة لديهم واستثمارها في قنوات صائبة، إضافة الى محاولة التفريق بين أعضاء الشلة الواحدة من خلال توزيعهم في فصول مختلفة، داعياً الى تضافر الجهود بين الأسرة والمدرسة ومد جسور التعاون للوصول بالطالب الى بر الأمان.
وحول هذه الظاهرة التي تهدد شريحة الشباب باعتبارهم عماد الأمة قال إسماعيل الحسيني اختصاصي الخدمة الاجتماعية في مدرسة الأمير الثانوية في أم القيوين ان طلاب الثانوية العامة يتميزون بخصائص عدة قد لا تكون موجودة في مراحل التعليم الأخرى، منها الشللية وهي موجودة في المجتمع المدرسي وتتخذ أشكالاً عدة حسب ميول واتجاهات الطالب منها ماهو صحي ويدفع الطالب الى النجاح والتقدم الدراسي ومنها ما يهدم سلوكيات وأخلاقيات فئة أخرى من الطلاب فنجد في المرحلة الثانوية بعض الطلاب الذين ينتمون الى شلل يكون المحك المؤثر فيها الدين والتمسك بالأخلاقيات والفضائل.
فتجدهم يحرصون على تأدية الصلاة جماعة ويترابطون خارج المجتمع المدرسي كما ان لهم دوراً في نشر الفضائل والتصدي للسلبيات ويجتمعون دوماً كرجل واحد بغض النظر عن جنسياتهم ويعتقد الحسيني ان الشلة لها دور واضح في التأثير على اتجاهات وميول الطلبة فبعض من يختارون القسم الأدبي أو العلمي تكون اختياراتهم نابعة من ميول الشلة كلها.
المشكلات السلوكية
أما الشلل الهدامة للمجتمع المدرسي فيرى الاختصاصي الاجتماعي أن أهم السمات التي تجمعهم هي عدم وجود الدافعية للتعلم والدراسة فانتهاء المرحلة الثانوية يمثل أعلى أمانيهم كما نجد انتشار المشكلات السلوكية بينهم كالتدخين والتسرب والتأخر الصباحي إضافة الى العصبية التي تدفعهم الى المشاحنات والمشاجرة مع بعض الطلبة.
فقد ترى طالبا واحداً في مشاجرة وفي أقل من عشر دقائق نجد أن عدد الطلاب في المشاجرة قد وصل الى أكثر من عشرة طلاب، علاوة على ذلك ينتشر بين معظم هؤلاء الطلاب مشكلات جديدة على المجتمع حيث نجدهم ينتشرون في الأسواق مع هواتفهم النقالة وما يحملون من تقنية حديثة «البلوتوث» ونشر أرقامهم للفتيات وبث رسائل تحمل في طياتها ماهو هادم ومنحرف ويبدأون مرحلة جديدة من إقامة علاقات مع الفتيات ومشكلات في الأسواق.
القدوة الحسنة
ومن وجهة نظر أشرف درويش اختصاصي اجتماعي في مدرسة الأمير الثانوية في أم القيوين ان حلول هذه المشكلة راجع في الأصل الى ضرورة تعميق الوازع الديني لدى الطلاب والتكثيف من المحاضرات والندوات الهادفة، إضافة الى دور الإعلام في التصدي لهذه الظاهرة كما أن الدور الأساسي لوقفها يعود الى الأسرة باعتبارها منظمة تربوية لها منهجها الجاد في تنشئة أبنائها واكسابهم سلوكيات قويمة داخل المجتمع، ولا يمكن إغفال دور القدوة، حيث أن وجود القدوة يلعب دوراً حيوياً في الحد من هذه الظواهر سواء كانت القدوة داخل الأسرة أو في المدرسة.
الدكتور سيد منصور موجه الخدمة الاجتماعية في منطقتي عجمان وأم القيوين التعليميتين يؤكد أن هذه الظاهرة تتضح معالمها جلياً في نهاية المرحلة الإعدادية. والمرحلة التأسيسية الحلقة الثانية والمرحلة الثانوية وهي مرحلة المراهقة وسن التمرد الذي نطلق عليه «الاتجاه نحو النضج» فالطالب في هذه المرحلة يزداد وعيه ويبدأ بتقليد أقرانه والاستزادة بالمعلومات من شبكة الإنترنت والفضائيات وهو واقع فرض عليهم دون خيار منهم.
ويوضح من واقع خبرته الطويلة أن «الشللية» يقودها في العادة طلبة لهم صفات جسمانية وسلوكية معينة ترضي غرور المراهق الذي يميل إلى «الفتونة» والقوة ويثير إعجابه في معظم الأحيان الشباب المخالف للقانون ومخترقي السلطة.
وهذه الفئة من مخالفي القانون ينحدرون من أسر مفككة أو تربوا على أيدي الخدم والأجانب، وهذه الأمور في اعتقادي هي الوقود التي تشعل فتيل الشللية داخل المجتمع المدرسي.
ويقودنا ذلك، إذا أردنا وضع أساليب للعلاج، أن نشد على أيدي أولياء الأمور في المقام الأول خاصة أن مجتمع الإمارات مجتمع مفتوح تسقط عليه ثقافات من كل حدب وصوب، ثقافات تحمل من السيئ نفس ما تحمله من الحسن. والأسرة هي البوتقة التي يتم فيها انصهار الشخصية وتعديل السلوك وتوجيه الأبناء حول كيفية التعامل مع الأقران والمجتمع وفي غياب هذا الدور يرى سيد منصور أن الطالب يتحول إلى الدور السلبي المؤثر على المحيطين به.
ويدعو المعلمين والإدارات المدرسية والأخصائيين إلى اتباع واستخدام أدوات تربوية إنسانية فيها من الحنان والحب الكثير، فإذا أساء الطالب أو أخطأ في أداء واجباته لابد من الاستماع إلى وجهة نظره والانطلاق لوضع خطة علاج دون استخدام العقاب البدني، وفي الوقت نفسه نقول للطالب إن المعلم والإداري والمدرسة هي بيته الثاني، وعليه أن يعي الدور وأن يبذل الجهد للاستفادة وأن يضع المعلم في دور الأب والاستماع إلى نصائحه.
فقدان السلام الداخلي
وتتساءل دينا محمد معلمة في مدرسة دسمان بالشارقة: لماذا يحاول المشاغبون تخريب المكان الذي يتلقون فيه العلم؟ فيعمدون إلى تحطيم وتشويه الجدران وكتابة شعارات تدعو إلى التمرد، ولكن هل يكفي العقاب الصارم لردعهم؟ مشيرة إلى أن العقاب ليس حلاً لأن بعض الطلبة من أعضاء الشلل لا يأبهون بالعقاب البدني لأنهم يعتقدون أنهم أقوياء وأكثر بأساً وشدة من أي عقاب كان.
وترى هبة محمد الاختصاصية الاجتماعية في مدرسة الزهراء للتعليم الثانوي أن الشللية ظاهرة ترجع في الأساس إلى عدة عوامل أهمها فقدان السلام الداخلي والقلق والاضطراب النفسي والسعي لتحقيق الذات، فمعظم المنتمين لهذه الشلل من الضعاف، والمتأخرين دراسياً. وقد يكون ذلك راجعاً إلى المناخ المدرسي الخالي من العلاقات الإنسانية المنسجمة.
أما لجوء بعضهم إلى تحطيم المرافق العامة وتشويه البيئة المحيطة فيعود من وجهة نظرها إلى إحساس بعضهم بكبت الحرية، الأمر الذي يحول المدرسة والبيت إلى بيئات طاردة جعلت الطالب ينظر إليهما نظرة عداء.
وللحد من سلبيات هذه الظاهرة تؤكد سناء عبدالعظيم الاختصاصية النفسية في منطقة دبي التعليمية أن تدبر الحلول لمشكلة «الشللية المدرسية» لا تعني جهة بعينها وإنما نحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات الحكومية والخاصة لأن الظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى وانعكاساتها السلبية تؤثر على المجتمع بأسره، مشيرة إلى أن قيام هذه الفئة بسلوكيات تتسم بالعنف إنما هو أحد التعابير الحقيقية عن فائض النشاط لديهم، داعية أيضاً إلى تكثيف برامج التوعية والتثقيف من خلال أندية ووسائل إيجابية وفي الوقت نفسه طرح المشكلة بجدية ووضع حلول صارمة لها.
عديمو الشخصية
وترد عبدالعظيم سرعة استقطاب الطلبة إلى «شلل التمرد» إلى قلة التوجيه وضعف مستوى الطلبة دراسياً حيث يحاول هؤلاء إثبات ذاتهم من خلال تصرفات مشينة تتسم بالعنف واللاأخلاق.
كما ترى أن الطلبة المضطهدين من الكبار هم فريسة سهلة لمثل هذه الشلل والطلبة ضعاف الشخصية من الذين ليس لديهم وعي أو إدراك سليم للتمييز بين الصواب والخطأ، وهذه النوعية من الطلبة «عديمي الشخصية» سهلة الاستدراج وفريسة تستخدم كمخلب لتنفيذ أغراض الشلة، كما أن الأولاد ـ والحديث للاختصاصية النفسية ـ ممن ينجرفون وراء سلوكيات هذه الشلل هم في العادة فاقدو الحاجات النفسية من الأمن والحنان والإحساس بالانتماء.
ابتسام بو شليبي مديرة مدرسة الشيماء في الشارقة تشير إلى أن غياب الحركة الثقافية في المجتمع ربما كانت سبباً لانتشار الشللية والتسكع بلا هدف بين صفوف الطلبة، فضلاً عن غياب الحوار البناء بين أفراد الأسرة الواحدة.
وعلى جانب آخر تشير وفاء محمد مساعدة المديرة في مدرسة الرولة في الشارقة إلى خطورة تفشي هذه الظاهرة، مؤكدة أن «اللاهدف في الحياة» قد يدفع الشباب لفعل أي شيء، والحل من وجهة نظرها هو توعية الأهل وتوجيه الشباب إلى استثمار أوقاتهم في الأندية بعمل ما يعود بالنفع على أنفسهم ومجتمعاتهم في نهاية المطاف.
رأي آخر
ولدى سؤالهم عن جملة الأسباب التي تدفعهم نحو الانخراط في شلل داخل المدرسة وخارجها، قال الطالب سعيد بن طوق إن الشللية تلعب دوراً كبيراً في تحديد أخلاق الطالب وتوجهاته باعتبار أن الطالب مرآة صديقه، معتقداً أن ملء وقت اليوم الدراسي الذي يبدو لهم مملاً أحد الأسباب التي تدفع الشلل إلى ارتكاب تصرفات غير أخلاقية.
ويسوق لنا زميله راشد ناصر علي سبباً آخر لانخراط الطلبة في شلل غير سوية وهو العلاقة غير الودودة التي ترتبط بها المدرسة مع الطلبة والتي تشكل دافعاً أساسياً لدى السواد الأعظم منهم لارتكاب مثل هذه التصرفات.
ويلتقط الطالب شهاب ناصر حسن أطراف الحديث ويتحدث بشيء من الصراحة قائلاً: الشلة لقضاء وقت الفراغ، خاصة في الإجازة الصيفية. ونقوم بعمل بعض الفوضى في المطاعم التي نرتادها، أما أسوأ ما قمنا به فهو ضرب أحد الطلبة الذي تعدى على عضو من أفراد الشلة الذين يعتبرون (بقوانين الشلة) أي تعد على أحد منهم تعدياً على الجميع، كما يعترف أن هناك مناطق وتقاطعات خاصة للشلل في كل إمارة، فمنطقة الرملة في الشارقة هي لتجمعات الشلل من المواطنين.
أما الطالب أحمد سعيد فيرى أن الشلل الطالبية ليست سيئة بالمطلق، فبعضها يهدف إلى توعية الناس وتقديم المساعدة وتبادل الخبرات.
الشارقة ـ «الجيل»