الشباب طاقات وكفاءات، وكثيرة هي إنجازاتهم، وإذا أتيحت لهم الفرصة أكثر، ربما سيظل عطاؤهم متواصلاً، ومع ما يعيشه هذا الجيل من تقدم وتطور تقني، من الممكن أن تستفز قسماً منهم بعض الأفكار، وأن يصارعوها حتى يجدوها واقعاً يستفاد منه، وهو ما حصل مع الطالب عبدالأمير أحمد من قسم هندسة الطيران في كلية التقنية في دبي.
عبد الأمير وجد النادي العلمي في دبي مكاناً مختلفاً، ليس كما المقاهي والمراكز التجارية، فهو وسيلة أخرى من الترويح عن النفس، واستنطاق العقل وإتاحة المجال أمامه في تجسيد وترجمة الأفكار والمشاريع إلى منجزات ملموسة، فظل يؤمه منذ عام 1999 وحتى اليوم.
ربما أن المواقف التي عاشها جعلته يبدع في ترجمة ما يخطر في باله إلى حقيقة، لكن الأهم من ذلك تلك المقومات والمحفزات التي وجدها في نادي الإمارات العلمي من احتضان ودفع المشاريع والطموحات حتى ترى النور لاحقاً.
بعد أن حصل عبد الأمير على رخصة القيادة صار يخرج مع أصدقاؤه في السيارة، وكعادة الشباب يسمعون الموسيقى ويسافرون إلى أماكن عديدة فيقفون معظم يومهم في السيارة، وهو ما حصل معهم حتى باتوا لا يتذكرون أو يسمعون النداء للصلاة، وهو ما جعله يفكر وصديقه سامي شيراز في آلية لا تحرمهم رؤية الأصدقاء وتذكرهم بالصلاة.
من أجل هذا الهدف صارا يفكران حتى خرجا بابتكار جهاز تتم برمجته حسب نظام معين، ويوضع في السيارة، وعن طريق نقطة تحكم آلية خارجية يتم إرسال موجات راديو، فيستقبلها الجهاز في السيارة، ومباشرة يتوقف المسجل والراديو لبث الرسالة الموجهة.
عبد الأمير أشار إلى أن برمجتهم كانت لرسالة تبث صوت الأذان، حيث تتوقف كل الأجهزة الأخرى ليصدر فقط هذا الصوت، وبهذا صارت أوقات الصلاة معروفة ويتذكرها الجميع في أي مكان، مثلما أن الجهاز يصلح لأن يكون خدمة أو وسيلة تستخدمها الشرطة، وإذا ما تم تركيبه في السيارات يتم إيصال ما يريدون من رسائل للسائقين، وقد جاء وفد من شرطة دبي واطلع على فكرة الجهاز، ولكن العملية تحتاج إلى دعم أكبر، ويمكن للشركات المصنعة للسيارات تثبيت ذلك الجهاز في سياراتها الجديدة.
الجهاز المنبه ليس أول ولا آخر مشروع عند عبد الأمير، فهو على الدوام يأتي إلى النادي العلمي لاستكمال مشاريعه ورسم أفكاره، ومشروع آخر أنجزه ذلك الطالب عبارة عن برنامج الكتروني لمكتبة كبيرة، وبعد أن يتم اختيار اسم الكتاب والتأكد من المؤلف وسنة النشر ودار النشر، وبالضغط على الزر يضيئ مباشرة مصباح صغير لفترة معينة تحت الكتاب لتسهيل واختصار مهمة البحث عنه، وهذا البرنامج كما يقول مبتكره يصلح لأن يستخدم في المكتبات العامة والكبيرة، لأنه يسهل عملية البحث عن الكتب كثيراً.
الطالب صاحب الابتكارات هذا خلص إلى إنجاز تقنية أخرى، وهي التوصيلة الكهربائية الآمنة «سوكت» التي لا يمكن لها استقبال السلك الكهربائي ثنائي الوصلة، وصممت فقط للثلاثي الوصلة، حيث تكون أكثر قوة في الإمساك، وبالتالي أكثر أماناً، وهذا «السوكت» الآمن يمكن أن يصنع كنموذج آمن في الاستخدام المنزلي.
الظروف المحيطة والحياة التي يعيشها الإنسان تكون عادة المحفز والدافع لإنجاز الأفكار والبرامج التي تحتاجها الحياة البشرية، وكترجمة لذلك جاء مشروع إنارة الشوارع أثناء الضباب، حيث يقول عبد الأمير ان الإنارة العادية للشارع لا تقي السائقين خطر الحوادث أثناء الضباب، لذلك ابتكر هو وزميله آلية أخرى لإنارة الشوارع في هذه الظروف.
الآلية هذه عبارة عن مصابيح فسفورية الإنارة تكون في الأسفل على الرصيف، وتعمل عن طريق الإحساس، ومجرد أن تتلمس هذه المصابيح الضباب تضيء تلقائياً، لتصبح الرؤية عادية أمام السائقين، والشارع مكشوفة لمسافات طويلة، من دون أن يؤثر ذلك الضوء الفسفوري على من في السيارة، كونه يكون منخفضاً وإنارته فقط على الشارع، الأمر الذي يقلل من عدد الحوادث والازدحام المروري أثناء الضباب، والذي كثيراً ما يتكون في هذا البلد، لذا كان المشروع علاجاً لتلك الظاهرة، وهو الآن فكرة منجزة، وهذه المنجزات يتشارك فيها عبد الأمير وزميله شيراز أثناء عملهما في النادي العلمي.
أما الطالب سامي شيراز، فقد أنجز لوحده تقنية أخرى شبيهة بجهاز منبه الأذان، هذا الإنجاز يتمثل في جهاز تستخدمه الشرطة لإعلام السائقين عن الشوارع المزدحمة، وتوجيههم إلى غيرها، ويكون هذا الجهاز في لوحة أمام السائق ترشده إلى أقصر الطرق من أجل الوصول إلى هدفه.
الطالبان عبد الأمير أحمد وسامي شيراز أثبتا حقيقة مقدرة الشباب على العطاء والإبداع، إذا توافرت لهم البيئة المناسبة، ووجدوا الدعم الكافي لترجمة أحلامهم إلى الواقع، أما النادي العلمي في دبي، فكان بيئة ملائمة ومحفزة، ولو أنه استقطب أعداداً محدودة من هؤلاء الشباب والذين أبدعوا في رسم التقنيات والبرامج الحديثة.