يواصل بوب وودوارد سرد قصة عودته إلى صحيفة «واشنطن بوست» فيقول إنه التقى للمرة الأولى بمدير التحرير بن برادلي الذي لم يكن مقتنعاً بتجربته في مجلة «سينتينيل» لكنه أبدى اهتماماً بفترة السنوات الخمس التي قضاها في سلاح البحرية.

ويضيف: في النهاية بدأت العمل في «واشنطن بوست» يوم 15 سبتمبر 1971 بمرتب أسبوعي 165 دولاراً وكان أدنى أجر يحصل عليه مندوب صحافي بالجريدة. طُلب مني تغطية المهام الليلية بأقسام الشرطة وهي تعد بالنسبة لكثيرين أسوأ مهمة صحافية ولكنني أحببتها، ورحت أتابع الحوادث والحرائق والتحقيقات والجرائم وما يدور في أقسام الشرطة.

«وعلى الرغم من انشغالي خلال الأشهر الأولى من تعييني في «واشنطن بوست»، فقد حافظت على اتصالي بصورة منتظمة بفيلت. كان فيلت منفتحاً نسبياً في تبادل أطراف الحديث معي، لكنه أصر على الإبقاء على اسمه ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل بعيداً عن أي شيء من المحتمل أن أكتبه أو أمرره لآخرين في الصحيفة.

كان متشدداً وصارماً فيما يتعلق بهذه القواعد، التي حددها بوضوح. تعهدت له بتنفيذ هذه القواعد، فقال لي إنه من الضروري أن أكون حريصاً وأن الطريقة الوحيدة لضمان السرية التامة هي ألا أبلغ أحداً بأنني أعرفه أو تبادلت معه أطراف الحديث، أو إنني أعرف أي شخص في «أف بي آي» أو في وزارة العدل.

أبلغني في ربيع ذلك العام بلهجة تنم عن ثقة كبيرة أن «أف بي آي» لديه معلومات بأن نائب الرئيس سبيرو أغنيو تلقى رشوة قدرها 2500 دولار نقداً ووضع المبلغ في درج مكتبه. فقلت هذه المعلومة إلى ريتشارد كوهين كبير مندوبي «واشنطن بوست» في ميريلاند دون أي ذكر لمصدري.

قال كوهين، وأورد في وقت لاحق في كتابه حول التحقيق مع أغنيو إنه يعتقد أن مثل هذا التصرف أمر لا يمكن تصديقه. قضيت ومراسل آخر لـ «واشنطن بوست» يوماً كاملاً في أنحاء بالتيمور بحثاً عن شخص قيل إن لديه معلومات حول قضية الرشوة، لكننا لم نتوصل إلى شيء. وبعد ذلك بعامين كشفت تحقيقات القضية أن نائب الرئيس تلقى بالفعل مثل هذه الرشوة في مكتبه.

خيبة الأمل

يقول وودوارد إنه في حوالي الساعة التاسعة و45 دقيقة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 2 مايو 1972 كان فيلت في مكتبه في «أف بي آي» عندما دخل أحد مساعدي المدير ليبلغه أن المدير ادغار هوفر قد توفي في منزله. أصيب فيلت بصدمة.

ولأسباب عملية فقد كان فيلت الشخص التالي في الهرم الوظيفي الذي من المفترض أن يتولى رئاسة «أف بي آي». ولكي نفهم فيلت من الضروري فهم علاقته بهوفر. فقد أورد فيلت في كتابه قائلاً: «لم أشعر بأي خسارة على الصعيد الشخصي» ثم يخصص فصلاً من 15 صفحة يدافع فيها عن هوفر الذي يرى فيه شخصية كاريزمية ساحرة ورائعة».

ورغم إشادة فيلت بشخصية هوفر في العمل، فإنه لم ينجح قط في الاقتراب منه على المستوى الشخصي ولم يعرف عن الرجل شيئاً سوى من خلال علاقة العمل. لقد حاول فيلت الاقتراب من هوفر، لكن العلاقة الشخصية الوحيدة التي أقامها هوفر كانت مع تولسون.

ويصف هوفر بأنه عنيد ومتصلب في رأيه وحريص في الرد على أية رسائل واردة إلى المكتب في غضون 24 ساعة من ورودها، وينبغي الرد على أية مكالمة هاتفية بسرعة وعند الرنين الثالث على أكثر تقدير.

بل ويذهب فيلت إلى أبعد من ذلك في الشادة بهوفر قائلاً إنه كان واحداً من هؤلاء المسؤولين الفيدراليين الذين حرصوا على احترام الدستور وحقوق الإنسان. ويدافع في فصل مطول من مذكراته عن قيام «أف بي آي» بالتنصت على الزعيم مارتن لوثر كينغ خلال الستينيات من القرن الماضي.

وقد برر فيلت تصرفات هوفر ووجه اللوم على آخرين من بينهم المدعي العام روبرت كيندي الذي قال عنه إنه كان يشعر بالقلق إزاء علاقة كينغ بأحد أعضاء الحزب الشيوعي. وقال إن التحقيقات في قضية كينج أظهرت مدى الضغوط التي تعرض لها «أف بي آي» مشيراً إلى أنه بالإضافة إلى التسجيلات الهاتفية فقد تم وضع ميكروفونات من العديد من غرف الفنادق التي نزل فيها الدكتور كينج خلال جولاته في الولايات المتحدة.

وقال فيلت في مذكراته إنه عند وفاة هوفر «لم يرد في ذهني أن الرئيس سوف يعين شخصاً من خارج المكتب ليحل محل هوفر.. لقد كان سجلي جيداً وسمحت لنفسي بالتفكير في إمكانية الحصول على فرصة ممتازة». ولكن سرعان ما أصيب فيلت بخيبة أمل.ويقول فيلت بهذا الخصوص: «إنه بعد 26 ساعة وعشر دقائق، على نحو الدقة، من إعلان وفاة هوفر عين الرئيس نيكسون باتريك غراي قائماً بأعمال مدير «أف بي آي».

كان غراي من الموالين لنيكسون على مدى سنوات، واستقال غراي من سلاح البحرية في عام 1960 ليعمل مع نيكسون خلال حملته لانتخابات الرئاسة، والتي خسرها نيكسون في مواجهة جون كيندي. وشعر فيلت بالمرارة والاستياء إزاء تعيين شخص من خارج «أف بي آي» خلفاً لهوفر وقال في مذكراته فيما بعد «لو كنت عاقلاً لتقدمت باستقالتي».

الحديث مع الرئيس

في يوم 15 مايو 1972 وبعد أقل من أسبوعين على وفاة هوفر وتعيين غراي أطلق مسلح النار على جورج والاس حاكم ولاية الاباما الذي كان ينافس على الرئاسة. ووقع الحادث في أحد مراكز التسوق في ميريلاند. ورغم أن والاس نجا، إلا أن إصابته كانت بليغة وأصيب بشلل في ساقيه. وفي مساء اليوم نفسه اتصل الرئيس نيكسون بفيلت، وليس غراي، الذي كان خارج المدينة، سعياً لمعرفة ما إذا كانت هناك تطورات جديدة. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها فيلت مباشرة مع نيكسون.

قال فيلت للرئيس إن آرثر بريمر، المسلم الذي حاول اغتيال والاس رهن الاعتقال لكنه لا يزال في المستشفى لأنه تعرض لإصابات إثر التعامل معه بعنف خلال عملية إلقاء القبض عليه عقب إطلاقه النار على والاس. رد نيكسون قائلاً وفقاً لما أورده فيلت في مذكراته «كان ينبغي أن يكون التعامل معه أكثر عنفاً» وطلب نيكسون من فيلت تزويده كل نصف ساعة بالمعلومات الجديدة حول التحقيق مع بريمر.

وفي الواقع أن إطلاق النار على والاس وإصابته بالشلل صبت لصالح نيكسون الذي فاز في انتخابات نوفمبر بنسبة تصويت مذهلة بلغت 61% مقابل المرشح الديمقراطي الذي حل محل والاس وهو السناتور جورج ماكفرن الذي حصل على 37% فقط من الأصوات.يقول وودوارد إن «الشائعات سرت بإمكانية وجود صلة من نوع ما بين القاتل ونيكسون أو الحزب الجمهوري أو البيت الأبيض.

وبعد نحو عام من الحادث قمت أنا وزميلي برنشتاين بنشر قصة إخبارية تفيد بأنه في ليلة الحادث أصدر تشارلز كولسون مساعد نيكسون أوامره باقتحام شقة بريمر في ميلووكي لمعرفة ما إذا كانت لبريمر علاقات بأية مجموعة سياسية. وقد اتضح فيما بعد خلال جلسات المحاكمة أن بريمر تعقب مرشحين آخرين للرئاسة وإنه كان يريد قتل أي مرشح وفقاً لنزعة مجنونة انتابته.

وفي يوم 18 مايو، كتبت قصة إخبارية في الصفحة الأولى قلت فيها (إن كبار المسؤولين الفيدراليين الذين استعرضوا تقارير التحقيقات الخاصة بعملية إطلاق النار على والاس ذكروا أمس أنه ليست هناك أية أدلة من أي نوع تشير إلى أن بريمر كان قاتلاً مأجوراً).

ويضيف وودوارد: «قلت (إن 200 عميل بمكتب التحقيقات الفيدرالي أجروا تحقيقات في مختلف أنحاء أميركا ولم يعثروا على دليل بوجود مؤامرة في عملية إطلاق النار على والاس وذلك وفقاً لمصادر في واشنطن). «ورغم أن البيت الأبيض ومكتب «أف بي آي» كانا يريدان إعلان ذلك، فإن كل الدلائل أكدت لي أنه ليست هناك نظرية مؤامرة وراء عملية إطلاق النار على والاس».

وخلال أيامه الأولى في «أف بي آي»، أثار غراي جواً من العداء من حوله خاصة مع فيلت. فقد واصل غراي برنامجة بزيارة جميع المكاتب الميدانية التابعة لـ «أف بي آي» وأصر على استخدام طائرة عسكرية في تنقلاته وقد تحملت ميزانية «أف بي آي» تكاليفها الباهظة. وكان لغراي مطبخه الخاص الذي يعمل فيه كبير طهاة بمرتب سنوي يبلغ 10 آلاف دولار. وكان هذا المطبخ ملحقاً على جناح مكاتبه.

بداية الفضيحة

يقول وودوارد إنه في الساعة السابعة من صباح يوم السبت الموافق 17 يونيو 1972، أي بعد مرور ستة أسابيع فقط على وفاة هوفر، كان لدى المشرف الليلي لمكتب المباحث الفيدرالية ما يستحق أن يقوله. ونظراً لوجود غراي خارج المدينة كالمعتاد، فقد اتصل المشرف بفيلت في منزله ليقول له إنه تم إلقاء القبض على خمسة رجال، يرتدون بدلات أنيقة وجيوبهم مليئة بأوراق نقدية من فئة المئة دولار، ويحملون أجهزة تنصت وتصوير وذلك داخل المقر الوطني للحزب الديمقراطي في بناية ووترغيت المكتبية في حوالي الساعة الثانية والنصف فجراً.

تساءل فيلت ما الذي كان يفعله هؤلاء الرجال هناك في مثل هذه الساعة؟ وفي الساعة الثامنة والنصف صباحاً كان فيلت في مكتبه بمبنى «أف بي آي» واستدعى المشرف الليلي للحصول على مزيد من التفاصيل. قال له المشرف إن الرجال كانوا يضعون في أيديهم قفازات من البلاستيك أو المطاط ويحملون 2300 دولار نقداً على الأقل، وأنهم الآن في السجن ولا يتحدثون إلى أحد على الإطلاق، كما إنهم لم يستدعوا محامياً.

رد فيلت قائلاً «إن هذه المسألة بها الكثير من المضامين السياسية وسوف تثير لعاب الصحافة للوقوف على حقيقة الأمر».يقول وودوارد: «وفي الساعة التاسعة صباحاً أيقظني محرر شؤون المدينة بمكالمة هاتفية وطلب مني أن أقوم بتغطية عملية سطو غير عادية في مبنى ووترغيت. لم أكن أنا المندوب الصحافي الوحيد الذي استدعاه المحرر بصحيفة «واشنطن بوست»، فقد كان هناك ثمانية مندوبين آخرين يعملون على قصة ووترغيت من بينهم كارل برنشتاين.

فقد كان المحررون يبحثون عن أي مندوب يرغب في الانضمام لتغطية هذه القضية. وباعتباري مندوباً بأقسام الشرطة على مدى التسعة أشهر الماضية وأبحث عن أي قصة إخبارية مختلفة، فقد طلب مني محرر شؤون المدينة التوجه على الفور إلى المحكمة المحلية لتغطية عملية توجيه الاتهام إلى اللصوص الخمسة».

كانت الفقرة الأولى من القصة الإخبارية التي نشرت في الصفحة الأولى لـ «واشنطن بوست» تشير إلى أن خمسة رجال، قال أحدهم إنه موظف سابق في وكالة المخابرات المركزية «سي آي أيه» اعتقلوا في الساعة الثانية والنصف من فجر أمس في إطار قضية وصفتها السلطات بأنها مؤامرة للتنصت على مكاتب اللجنة القومية للحزب الديمقراطي في واشنطن.

وبعد هذه الفقرة ذكر وودوارد في الخبر «أنه ليس هناك أي تفسير فوري للسبب الذي يريد من ورائه المتهمون الخمسة التنصت على مكاتب اللجنة القومية للحزب الديمقراطي، وما إذا كانوا يعملون لصالح أي فرد أو منظمة».في ذلك الوقت كان الرئيس نيكسون متقدماً بفارق 19 نقطة في استطلاعات الرأي العام، وتقضي الحكمة التقليدية بأن يكون نيكسون على قدر من الذكاء لإبعاد نفسه عن أي طرف متورط في عملية تنصت مثل هذه.

في اليوم التالي الذي وافق يوم الأحد، كان وودوارد وكارل هما الصحافيان الوحيدان بالجريدة اللذين يتابعان قضية السطو. فكلاهما كان منفصلاً عن زوجته وليس لديه أولاد. وبدأ الاثنان يكتبان سوياً للمرة الأولى متابعات هذه القضية. عرف وودوارد من مندوب «واشنطن بوست» بدوائر الشرطة أن المحققين وجدوا في مفكرة هواتف اثنين من المتهمين حرفين أولين يشيران إلى البيت الأبيض.

وكانت تلك هي اللحظة التي ينبغي فيها أخذ رأي مصدر أو صديق في وكالات التحقيق الحكومية يقول وودوارد: «اتصلت على الفور بصديقي فيلت في «أف بي آي»، ووصلت إليه عبر سكرتيرته، وكان ذلك أول حديث بيننا عن ووترغيت. ذكرني بمدى كراهيته للمكالمات الهاتفية في المكتب، لكنه أبلغني بأن قضية ووترغيت سوف «تشتعل» لأسباب لا يستطيع توضيحها ثم أغلق الخط على نحو مفاجئ.

«كان من بين الأسماء المدونة في مفكرة هواتف أحد المتهمين اسم هوارد هنت المساعد في البيت الأبيض، حاولت الاتصال به هناك فلم أجده وعرفت أنه يعمل في إحدى شركات العلاقات العامة ككاتب بها وعندما رد علي أخيراً سألته عن سبب وجود اسمه في مفكرة أحد المتهمين فصاح في وجهي ثم أغلق الخط. وبعد ذلك علمت أنه حزم حقائبه على الفور وغادر واشنطن ليختبئ في مكان ما.

اتصلت بعد ذلك برئيس شركة العلاقات العامة ويدعى روبرت بنيت وكان عضو مجلس الشيوخ عن ولاية يوتاه، فقال لي «أعتقد إنه من المعروف أن هوارد كان يعمل مع وكالة «سي آي أيه». لكني لم أكن أعرف ذلك، إلا بعد أن أكد متحدث باسم «سي آي أيه» أن هنت كان يعمل بالوكالة خلال الفترة من عام 1949 حتى عام 1970».

ويمضي قائلاً: «اتصلت بفيلت مرة أخرى في مكتبه. وقلت له إن أي شخص يمكن أن يدوّن في مفكرة هاتفه اسم أي شخص إنني أريد أن أكون دقيقاً في التعامل مع مثل هذه الأمور. بدا صوت فيلت متوتراً وطلب مني عدم استخدام المعلومات التي سيقولها لي في النشر. ثم قال إن هنت هو أحد المتهمين الرئيسين في ووترغيت لأسباب عديدة تتجاوز مجرد وجود اسمه في مفكرة أحد المتهمين. أدركت من حديث فيلت أن هناك أموراً خطيرة في خلفية هذه القضية. وكتبت مع زميلي أيجين باشينسكي مقالاً نشر بالصفحة الأولى في «واشنطن بوست» بعنوان «مستشار بالبيت الأبيض له علاقة بالمتهمين في قضية ووترغيت».

غضب البيت الأبيض

رداً على ذلك المقال صرح رونالد زيجلر السكرتير الصحافي للبيت الأبيض قائلاً: «قد تسعى عناصر معينة إلى توسيع دائرة القضية، لكن ووترغيت هي مجرد عملية سطو من الدرجة الثالثة ولا تستحق أي تعليق آخر من البيت الأبيض».مضى أكثر من عامين قبل أن يصبح معروفاً من خلال التسجيلات التي أجبرت نيكسون على الاستقالة أنه بعد يومين، أي في 23 يونيو 1972 أصدر الرئيس أوامره لـ «سي آي أيه» بأن تحاول إيقاف وتقليل التحقيقات التي يجريها «أف بي آي» متحججاً بأسباب غامضة تتعلق بالأمن القومي.

يقول وودوارد «انه لم تكن لديه في ذلك الوقت أدنى فكرة عن حجم التهديدات التي يتعرض لها فيلت. وفي يوم السبت الموافق 24 يونيو 1972 استدعى غراي العميل الخاص المسؤول عن مكتب واشنطن الميدانية و26 عميلاً يتعاملون في قضية ووترغيت واتهمهم بالثرثرة.

ومع ذلك استمر تسريب المعلومات، وقال فيلت في مذكراته «إن وودوارد وبرنشتاين واصلا تزويد قراء «واشنطن بوست» بمزيد من التفاصيل حول التحقيقات، وأحياناً بعد ساعات فقط من معرفة «أف بي آي» بها. فانتابت البيت الأبيض موجة من الغضب وتم استدعاء غراي وطُلب منه وقف هذه التسريبات بأي ثمن. حاول فريق من الرقابة الداخلية في «إف بي آي» اكتشاف المصدر لكنه فشل. وفي مواجهة ذلك شكا غراي إلى فيلت من هذه التسريبات وطالبه بخطوات جدية لوقفها لكنه رفض.

ومع حلول أوائل يوليو وصلت الأمور إلى مرحلة حرجة، وبناء على تعليمات نيكسون حاولت «سي آي أيه» وقف تحقيقات «أف بي آي» بشأن شيكات مكسيكية بمبلغ 89 ألف دولار سحبها محام يدعى مانويل أوجاريو. وكانت هذه الشيكات مودعة في بنك ميامي بحساب أحد المتهمين في قضية ووترغيت وهو برنارد باركر.

وفي 5 يوليو حدد فيلت موعداً مع غراي للاحتجاج على ما يحدث وقال له إن سمعة «أف بي آي» على المحك، وانهم لا يستطيعون أن يؤجلوا إجراء مقابلة مع أوجاريو أكثر من ذلك. وإذا لم يحصلوا على طلب مكتوب من مدير «سي آي أيه» بالتغاضي عن هذه المقابلة فإنهم سيمضون قدماً فيها.

كان هذا التهديد أقرب إلى التمرد، وما كان فيلت سيتحدث بهذه اللهجة لو أن هوفر مازال على قيد الحياة. أذعن غراي لكن فيلت كان قد مضى قدماً في التحقيقات مع المتهمين وعندما سأله غراي هل ستقتصر التحقيقات عليهم رد فيلت قائلاً «إنني مقتنع أننا سنوسع هذه التحقيقات. هؤلاء مجرد مخالب ونريد أن نعرف من الذي يحرك هذه المخالب». وبتتبع مصادر الشيكات المصرفية والأشخاص الذين أودعوها والحسابات التي دخلت فيها، بدا واضحاً أن هناك علاقة بين حملة نيكسون الانتخابية وما يجري.

وفي أول أغسطس تم نشر قصة خبرية كانت الأولى التي ربطت بين حملة نيكسون وقضية ووترغيت.يقول وودوارد: «حاولت الاتصال بفيلت في مكتبه لكنه لم يرد وحاولت الاتصال به في منزله ولكن دون جدوى. فذهبت إلى منزله في فيرجينيا حيث بدا عصبياً ربما نتيجة لنشر القصة الأخيرة. قال لي: لا مكالمات هاتفية بعد الآن، ولا زيارات لمنزله ولا أي مقابلات في الأماكن العامة».

حيل التجسس

«لم أكن أعرف في ذلك الوقت الضغوط التي يتعرض لها فيلت والمحاولات التي تقوم بها «سي آي أيه» لعرقلة تحقيقات المكتب، كما لم أعرف حينئذ أنه في أيام فيلت الأولى في «أف بي آي» خلال الحرب العالمية الثانية كان قد تم تكليفه بالعمل في الإدارة العامة لقسم التجسس. وتعلم فيلت الكثير عن حيل التجسس الألمانية كما نجح في فك الكثير من رموز وشيفرات العملاء الألمان. وبعد الحرب أوكلت إليه مهمة العمل ضد جهاز التجسس السوفييتي، وقضى وقتاً في تعقب ومراقبة العملاء السوفييت».

وفي ضوء هذه الخلفية، قال لي فيلت في منزله بفرجينيا في ذلك الصيف إنه إذا كان لنا أن نتحدث فإنه يتعين أن يكون ذلك وجهاً لوجه حيث لا يمكن لأحد أن يراقبنا. قلت له أي شيء سيكون مناسباً بالنسبة لي. رد قائلاً إننا سنحتاج إلى نظام إشعار مسبق التخطيط، نظام يعتمد على إشارات لا يمكن أن يلاحظها أو يفهم أحد معناها.

لم أكن أعرف عما يتحدث.

شعرت بأنني تحت نوع من الضغط، فقلت له إن لدي راية حمراء اللون تقل مساحتها عن قدم وهي من النوع الذي يستخدمه سائقو الشاحنات وهي موضوعة في أصيص زهور فارغ على شرفة شقتي. اتفقت أنا وفيلت على الفور في أن أقوم بنقل أصيص الزهور بالراية إلى آخر الشرفة بدلاً من مكانه بالقرب من السور إذا ما كان الأمر يتطلب لقاء عاجلاً. وقال على نحو صارم إن مثل هذا الإجراء لابد أن يكون نادراً ولا يتكرر كثيراً.

وقال إن الإشارة تعني أننا سنلتقي الليلة ذاتها في حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل في الطابق الأسفل من مرآب تحت الأرض عند جسر «كي بريدج» في روسلين بفرينيا. كان المرآب يقع تحت بناية شاهقة وضخمة بشارع ويلسون. أما المرآب الذي أستخدمه الآن فيوجد في شارع «نورث ناش». وتضم منطقة روسلين العديد من البنايات المكتبية والفنادق على جانب فرجينيا من نهر بوتوماك وتقع شمال مدافن أرلينغتون ومبنى البنتاغون.

قلت له: اتفقنا.

قال فيلت: إنه سيتعين علي أن ألزم بأساليب تمويه مضادة صارمة. وسألني كيف أخرج من شقتي؟

قلت له: استخدم المصعد الذي يؤدي إلى الرواق.

سألني هل في البناية سلم خلفي يؤدي إلى شقتك؟

قلت: نعم.

فقال: استخدمه عندما تكون متوجهاً للقائي. وسألني هل هي مفتوحة على زقاق؟ قلت: نعم.

قال: استخدم هذا الزقاق ولا تستخدم سيارتك الخاصة استقل سيارة أجرة تنقلك لمسافة عدة بنايات بالقرب من فندق تتوفر فيه سيارات أجرة بعد منتصف الليل. بعد أن تمشي على قدميك إلى الفندق استقل سيارة أجرة ثانية توصلك إلى روسلين. لا تهبط من السيارة أمام المرآب مباشرة. أعبر آخر البنايات سيراً على قدميك. وإذا شعرت أن هناك من يتعقبك لا تدخل المرآب وسوف أتفهم سبب عدم حضورك.

كل ذلك كان بمثابة محاضرة. وكانت النقطة المحورية في هذه المحاضرة هي عدم التسرع لإنجاز المهمة. إذ ينبغي أن أتحلى بالصبر وبالثقة في الترتيبات المسبقة. لم يكن هناك موعد للقاءات وإذا لم يحضر أحدنا فإن معنى ذلك أنه لن يكون هناك لقاء.

قال فيلت إنه إذا ما كان هو يريد أن يتصل بي فسوف يعتمد على ما يصلني من بريد. كانت الرسائل التي تصل إلى بيتي توضع في صندوق خارج باب الشقة. وكنت مشتركاً في صحيفة «نيويورك تايمز» وهناك عدد من الجيران القاطنين في البناية ذاتها يتسلمون الصحيفة نفسها. وعادة ما تترك الصحف في رواق على رقم الشقة على كل منها. كان رقم شقتي هي 617 وكان ذلك بشكل واضح فوق الصحيفة بقلم حبر.

قال فيلت إنه إذا كان هناك شيء مهم يريد أن يبلغني به فسوف يتمكن من الوصول إلى نسختي من «نيويورك تايمز». لم أعرف حتى الآن كيف كان يقوم بذلك. وسوف يترك علامة عبارة عن دائرة وعقربي ساعة في النصف الأسفل من الصفحة العشرين لتشير إلى وقت الاجتماع في تلك الليلة وغالباً ما سيكون الثانية بعد منتصف الليل في المرآب نفسه. وطلب مني عدم البوح بهذه العلاقة لأي كان أو بحثها مع أي شخص آخر.

لم أكن قد سمعت من قبل بمثل هذه الإجراءات الاحترازية المشددة، إنها إجراءات غير مألوفة بالنسبة لي. لكنني كنت في أمس الحاجة للمعلومات التي يقدمها لي، خاصة وأنه صاحب تجربة ثرية ويتمتع بحاسة سادسة بحكم عمله. قال لي إنه لن يعطيني معلومات محددة من تحقيقات «أف بي آي»، ولكنه سيعطيني رؤوس موضوعات يمكن أن تساعدني على الانطلاق في الاتجاه الصحيح.