كان من الضروري أن يصدر هذا الكتاب ليسدل الستار نهائياً على قضية أثارت ضجة لم تهدأ حتى الآن على المسرح السياسي الأميركي هي قضية فضيحة «ووترغيت» التي أطاحت في النهاية بالرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، ليصبح أول رئيس أميركي يضطر إلى تقديم استقالته بعد أن طاردته الفضيحة حتى أخرجته من البيت الأبيض. بل ان هذه الفضيحة أصبحت اليوم تمثل علامة فارقة ورمزاً لقضايا الفساد والسياسات القذرة التي تنتهجها أية حكومة على امتداد العالم.

وقد سارع بوب وودوارد الصحافي الأكثر شهرة في أميركا، الذي تعود أسباب نجوميته في بلاط صاحبة الجلالة إلى تصديه لكشف خفايا هذه الفضيحة مع زميله كارل برنشتاين بنشر هذا الكتاب، بعد أن أصدر مارك فيلت، الذي كان الرجل الثاني في مكتب التحقيقات الفيدرالية الـ «أف بي آي» خلال تطورات الفضيحة، بياناً اعترف فيه بأنه هو المصدر السري الذي ساعد وودوارد وزميله وزودهما بالمعلومات السرية، ليكشف بذلك سراً كتمه وودوارد لأكثر من 30 عاماً، وكان ينتظر وفاة الرجل السري لتفجيره في ضربة صحافية جديدة.

في العاصمة الأميركية واشنطن، من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يظل السر غامضا لفترة طويلة من الوقت، ومع ذلك فقد ظلت شخصية «الحنجرة العميقة»، وهو الاسم الحركي الذي اطلقه الصحافيان الأشهر في أميركا، وهما بوب وودوارد وكارل برنشتاين على الرجل الذي سَّرب لهما معلومات غاية في الأهمية كشفت أبعاد فضيحة ووترغيت في 1972 وأدت في نهاية المطاف الى الاطاحة بالرئيس ريتشارد نيكسون في 1974 حيث ظلت هويته مجهولة لفترة تزيد على ثلاثين عاماً.

وقد انكشف أخيرا سر اللغز الذي حير واشنطن وأميركا كلها على مدى ثلاثة عقود، عندما خرج مارك فيلت من صمته ليعلن في بيان صادر عن أسرته أنه هو المصدر الرسمي المجهول المسمى بالحنجرة العميقة الذي ساهم في تفجير فضيحة ووترغيت.

وقد حرص بوب وودوارد وكارل برنشتاين على عدم كشف هوية المصدر انتظارا لموته. وكان الشخص الرابع في مجموعة «كتمان السر» هو بن برادلي مدير التحرير التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» آنذاك.

وأدى اعلان المصدر نفسه عن هويته من خلال مقال نشرته مجلة «فانتي فير» الشهرية الأميركية وكتبه صديق عائلة فيلت ومحاميها جون اوكونور، الى تفجير قنبلة صحافية سياسية اصابت الجميع بالذهول، خاصة بعد أن أكد وودوارد وبرنشتاين صحتها.

ونظراً لانكشاف السر الذي كان وودوارد وبرنشتاين ينتظران وفاة فيلت للاعلان عنه في ضربة صحافية جديدة، فقد سارع وودوارد لاصدار هذا الكتاب الذي نناقشه هنا، ويبدو ان وودوارد كان قد اعد بالفعل معظم فصوله، الا ان اسرة فيلت كانت الاسبق في الاعلان، وربما يرجع ذلك لاسباب مالية او لاسباب شخصية وسياسية، اذ ان اسرة فيلت لم ترغب في أن يكون كل ما يقال عن فيلت بعد وفاته حكراً على صحافيي «واشنطن بوست» فقط.

يقع كتاب «الرجل السري.. قصة الحنجرة العميقة التي فجرت ووترغيت» الذي اصدرته أخيرا دار «سيمون ان شوستر» الأميركية للنشر، في 250 صفحة، ويضم 16 فصلاً بالاضافة إلى مداخلة كتبها في نهاية الكتاب كارل برنشتاين. وبون وودوارد غني عن التعريف فهو الصحافي الاكثر شهرة في العالم، ويشغل الآن منصب مساعد مدير تحرير «واشنطن بوست» الصحيفة الأكثر نفوذا في العاصمة الأميركية، وكان التحق بها في 1971.

وبدأ صعوده الى القمة منذ قيامه مع زميله برنشتاين بتفجير فضيحة ووترغيت التي كسرت رئاسة ريتشارد نيكسون عام 1974 وأدت الى استقالته من الرئاسة، ومن يومها راح نجم وودوارد يلمع في سماء صاحبة الجلالة، اصبح الآن عميد التحقيقات الصحافية بامتياز.

ألف وودوارد 12 كتاباً، دخلت قوائم الكتب الأكثر مبيعا في أميركا، ومن بينها كتابان بالمشاركة مع زميله كارل برنشتاين هما «كل رجال الرئيس» الذي صدر في 1974 والذي قدم لأول مرة شخصية «الحنجرة العميقة»، وقد تحول إلى فيلم سينمائي حقق إيرادات ضخمة، وكتاب «الأيام الأخيرة» الصادر في 1976.

وكتاب «الحجاب» عن الحروب السرية للمخابرات الأميركية ما بين 1981 ـ 1989 وكتاب «القادة» عن حرب الخليج وكتاب «الأجندة» داخل أروقة البيت الأبيض في عهد الرئيس كلينتون عام 1994، وكتاب «الاختيار» عن السجال بين الرئيس كلينتون وزعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ الأميركي السيناتور «بوب دول» وكتاب «الظل» حول خمسة من رؤساء الولايات المتحدة وتداعيات فضيحة ووترغيت، وأخيراً كتاب «خطة الهجوم» ويتناول قرار إدارة بوش بغزو العراق.

يسرد كتاب «الرجل السري» التفاصيل الدقيقة للصلة بين فيلت «الحنجرة العميقة»و ووداورد، وهي الصلة التي بدأت في البيت الأبيض، وامتدت من خلال مقابلات سرية كانت تجري في مرآب تحت الأرض، حيث كان وودوارد يحصل على معلومات مهمة وخطيرة من الرجل الثاني في مكتب التحقيقات الفيدرالية «اف بي آي».

أصل الحكاية

يوضح وودوارد انه في صيف 1969 كان يخدم في سلاح البحرية الأميركية برتبة ملازم، حيث كان يعمل في مكتب رئيس العمليات البحرية الأدميرال توماس مورر الذي أصبح فيما بعد رئيساً لهيئة الأركان وهو أعلى منصب عسكري أميركي، ويقول: كنت في بعض الأحيان أعمل مراسلاً وأنقل وثائق للبيت الأبيض، ولكن لم أكن أتعامل مع تقارير الاستخبارات التي كان يجري نقلها بقنوات اتصال مفصلة.

ويعترف وودوارد بان عمله هذا كان روتينياً ومملاً، حيث كان يقضي دوامه الذي يستمر لثماني ساعات واقفاً في أروقة وزارة الدفاع «البنتاغون» يشرف على الاتصالات الخاصة برئيس العمليات البحرية وسكرتارية البحرية وأفراد البحرية. ويقول: «زعم كثيرون في كتب عديدة ان واجباتي تضمنت كتابة تقارير ورفعها إلى الكسندر هيغ الذي كان في ذلك الوقت نائباً لهنري كيسنغر مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس نيكسون.

وبالتالي فقد ظن كثيرون، خطأ، ان هيغ هو الحنجرة العميقة ولكن كما أوضح الأدميرال مورر مراراً وتكراراً فإنني كنت مجرد ناقل لرسائل ووثائق أخرى ضمن مظاريف مغلقة إلى البيت الأبيض، وبالتالي فلم تكن هناك أي فرصة سانحة لي للاطلاع على مضمون هذه الوثائق.

يقول وودوارد: في إحدى الليالي كنت أحمل طرداً إلى الدور الأرضي من الجناح الغربي في البيت الأبيض، حيث توجد غرفة انتظار صغيرة بالقرب من غرفة المتابعة. كان الأمر يستغرق في بعض الأحيان وقتاً طويلاً لحضور الشخص المناسب ليتسلم الطرد، وفي بعض الأحيان كان الأمر يستغرق ساعة أو أكثر ومع ذلك فقد كنت مفتوناً بالمكان، وغالباً ما كنت أنتهز فرصة انتظاري للاستمتاع بمعالم قاعات البيت الأبيض ودهاليزه، وبالتالي فقد كنت أشعر بالابتهاج خلال فترة الانتظار.

وفي تلك الليلة التي كانت في الربع الأخير من 1969 أو على الأرجح النصف الأول من 1970 على ما أتذكر، تطوعت للقيام بهذه المهمة بعد نوبة مراقبة روتينية. كنت في ذلك الوقت أبلغ من العمر 26 عاماً أو دخلت لتوي في السابع والعشرين. وكنت أرتدي بزتي العسكرية، وكان البيت الأبيض يمتليء في ذلك الوقت بالعديد من العسكريين والذين يقومون بمهام محددة أو ينتظرون مثلي.

بعد الانتظار فترة، حضر رجل طويل القامة شعره أشيب، مصفف على نحو جيد، وجلس بالقرب مني كان يرتدي سترة رمادية وقميصاً أبيض ويضع ربطة عنق عادية. كان يكبرني بما يتراوح بين 25 ـ 30 سنة، ويحمل حقيبة أوراق كان وسيماً للغاية ويوحي بالثقة، من خلال ما يتسم به من هدوء وهيئة ينمان عن شخص تعود على إعطاء الأوامر وإطاعته مباشرة وبدون طرح أية أسئلة.

راح يراقب الموقف بعناية، وكانت عيناه تتفقدان المكان بطريقة مهذبة. وبعد بضع دقائق قدمت نفسي «الملازمك بوب وودوارد» وأعقبتها بكلمة «سيدي»، بعدها قدم نفسه قائلاً «مارك فيلت» بصوت يومي بثقة كبيرة، ولم يقدم أية تفصيلات عن نفسه، فيما بدأت في اطلاعه على وضعي، وبأن هذه هي سنتي الأخيرة في سلاح البحرية وانني أحمل وثائق من مكتب الأدميرال مورر. وفي المقابل لم يكن فيلت مهتماً بشرح أي شيء عن وضعه أو سبب وجوده في المكان.

كانت تلك فترة من حياتي تتسم بالقلق، بل بالخوف بشأن مستقبلي. فقد تخرجت من جامعة يال في 1965 بمنحة تقدم لضباط الاحتياط في البحرية تقتضي الانضمام للبحرية بعد التخرج. وبعد أربع سنوات من الخدمة تم تمديد فترة خدمتي لمدة عام آخر بسبب حرب فيتنام. وخلال ذلك العام بذلت جهداً كبيراً للعثور على أشخاص يمكنهم مساعدتي. وكان أحد زملاء الدراسة يعمل في مكتب كبير القضاة وارن بيرغر، وبذلت محاولات لتطوير علاقة صداقة معه.

وقمعت قلقي وإحساسي بالضياع بالالتحاق بدورات دراسية في جامعة جورج واشنطن، إحداها كانت حول شكسبير والثانية في العلاقات الدولية. وعندما أبلغت فيلت بهذه الدورات، بدا عليه الاهتمام، وقال إنه التحق بالدراسة المسائية في جامعة جورج واشنطن خلال الثلاثينات، وذلك قبل الانضمام إلى مكتب التحقيقات الفيدرالية، وهذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها مكان عمله.

وقال إنه خلال دراسته في كلية الحقوق كان يعمل بدوام كامل في مكتب سيناتور مسقط رأسه ولاية إيداهو. قلت له بدوري إنني أقوم ببعض الأعمال التطوعية في مكتب جون ايرلنبورن عضو الكونغرس الجمهوري من منطقة وايتون بولاية إلينوي حيث نشأت.

انطلاقاً من هذه البداية، رأيت أن هناك ما يربط بيننا، الدراسة بعد التخرج في جامعة جورج واشنطن، والعمل مع أعضاء منتخبين بالكونغرس في الولايتين اللتين ينتمي إليهما.

دردشة لها ما بعدها

كنت أنا وفيلت مثل راكبين يجلسان متقابلين على متن طائرة في رحلة طويلة، لا شيء يفعلانه سوى محاولة إزجاء الوقت، لكنه لم يكن يرغب في الدخول في مناقشات طويلة بعكسي تماماً. وفي النهاية تمكنت من استخلاص معلومات عنه، وعرفت أنه مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الـ «اف.بي.آي» المسؤول عن قسم التدقيق، وهو منصب مهم تحت قيادة مدير المكتب الشهير ادغار هوفر. وهو ما يعني أنه كان يشرف على فرق من العملاء يراقبون مكاتب «اف.بي.آي» الميدانية لمعرفة مدى التزام هذه المكاتب بالإجراءات وبتنفيذ أوامر هوفر.

تلهفت لمد جسور صداقة مع مارك فيلت، خاصة انه رجل يتمتع بخبرة واسعة، ويحتل مركزاً مرموقاً في الـ «اف.بي.آي». طرحت عليه العديد من الأسئلة عن عمله وعالمه. كان الانتظار طويلاً، لكنه كان أقصر مما كنت أتوقع. أفضيت له بما يدور بخاطري، وأسهبت في رواية تجاربي وكيف أنني كتبت رواية مطولة في الكلية لم تكن واعدة، ولم تستحق النشر. كما حاولت أن أصبح روائياً أو أستاذاً جامعياً أقوم بتدريس اللغة الانجليزية أو العلوم السياسية.

وقد أصبح محامياً مثله أو مثل أبي الذي تخرّج في إحدى كليات الحقوق في الثلاثينات. وبالمناسبة فقد كان فيلت وأبي من العمر نفسه، وكلاهما ولد عام 1913. يقول وودوارد إنه لم يكن أمام فيلت خيار سوى الاستماع إليّ، وأنني طلبت استشارته في ما يتعلق بمستقبلي، وطرحت عليه العديد من الأسئلة حول ما ينبغي عليّ القيام به وأي طريق أسلك.

لم أكن أعرف سبب انتظار فيلت في البيت الأبيض، إلا أنه من المحتمل انه كان بانتظار شخص ما فيما يتعلق ببرنامج إدارة نيكسون السري للغاية الخاص بالتنصت على هواتف 17 صحافياً ومساعدين بالبيت الأبيض. كان الهدف من التنصت هو الإيقاع بالمسؤولين الذين يسربون للصحافيين معلومات عن الأمن القومي.

وقد كشفت تحقيقات ووترغيت فيما بعد أن مكتب التحقيقات الفيدرالية بعث 37 رسالة إلى هنري كيسنغر تتعلق بنتائج عمليات التنصت الالكتروني خلال الفترة من 13 مايو 1969 وحتى 11 مايو 1970. وربما كان فيلت يحمل واحدة فقط من هذه الرسائل السرية للغاية التي كان يتعين تسليمها بحذر بالغ.

وقد نفى فيلت لاحقاً أنه يعلم بمثل هذه الأجهزة الإلكترونية. وبعد ذلك بأعوام كانت التسجيلات الصوتية السبعة عشر من بين أكثر القضايا إثارة للجدل ضمن فضيحة ووترغيت. ومن بين أولئك الذين تم تسجيل مكالماتهم الهاتفية وليام سفاير كاتب خُطب نيكسون في البيت الأبيض، الذي أصبح فيما بعد كاتباً في صحيفة «نيويورك تايمز»، وأنتوني ليك أحد كبار مساعدي كيسنغر الذي استقال فيما بعد بسبب غزو كمبوديا وأصبح بعد ذلك مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس بيل كلينتون.

كما تم التنصت على هاتف المساعد العسكري لوزير الدفاع ميلفين ليرد الذي دخل في مناوشات عديدة مع كيسنغر. وكانت الـ «اف.بي.آي» هي الجهة التي اضطلعت بتنفيذ برنامج التنصت. لكن كل هذا وغيره الكثير، لم يكن معروفاً في ذلك الوقت، بل لم يكن أحد يتصور حدوثه، ولم يكن يخطر ببالي أي شيء من ذلك وأنا جالس أمام فيلت الذي كان يملك صوتاً ينم عن الثقة ويتمتع بحضور جذاب وأبدى اهتماماً بي فسرته على أنه شعور أبوي. كان ودوداً معي حتى انه أعطاني هاتفه المباشر في «اف.بي.آي» عندما طلبت منه ذلك.

يواصل وودوارد سرد تفاصيل صلته بفيلت قائلاً: أعتقد أنني التقيته مرة أخرى في البيت الأبيض. وكنت بالفعل قد نصبت الشرك وفتحت المصيدة، إذ أنه سيصبح واحداً من الأشخاص الذين استشرتهم كثيراً بشأن مستقبلي الذي كنت أشعر بالقلق حياله خاصة مع اقتراب موعد تسريحي من سلاح البحرية.

وفي بعض المناسبات، اتصلت به أولاً في الـ «إف.بي.آي» ثم في منزله في فيرجينيا. كنت أشعر بشيء من اليأس فقد تقدمت بطلبات الى عدد من كليات الحقوق، ولكني كنت أشك، وأنا في السابعة والعشرين من عمري، أنني على استعداد لتمضية ثلاث سنوات في كلية الحقوق قبل أن أبدأ في ممارسة عمل حقيقي.

كان فيلت يبدو متعاطفاً مع الأسئلة التي أطرحها عليه والتي تكشف عن إحساس بالضياع، وقال لي إنه بعد أن نال شهادة الحقوق كان أول عمل له مع لجنة التجارة الفيدرالية. كان ذلك في أوائل الأربعينات من القرن العشرين، وكان في أواخر العشرينات من عمره. وكانت المهمة الأولى التي اضطلع بها هي ما إذا كان ورق التواليت الذي يحمل علامة الصليب الأحمر يتمتع بميزة تنافسية غير عادية، لأن الناس تعتقد أن هيئة الصليب الأحمر الأميركية قد أقرته.

كانت لجنة التجارة الفيدرالية مثالاً كلاسيكياً على البيروقراطية الفيدرالية، فإجراءاتها تتسم بالبطء، وشعر بالكراهية تجاهها. وخلال عام تقدم بطلب للعمل في الـ «إف.بي.آي»، وبالفعل حصل على وظيفة هناك. كان التدريب شاقاً ويستمر على مدار الساعة، لكن العمل بعد ذلك كعميل ومشرف تركز حول قضايا مهمة لم يتم التوصل لحلول لها، أو جرائم أو وسائل يكتنفها الغموض. قال لي إن دراسة القانون تفتح معظم الأبواب، ولكن عليك أن تختار العمل القريب إلى قلبك، وكانت هذه أثمن نصيحة وجهت إليّ.

يقول وودوارد: كان أبي شريكاً في شركة قانونية في الينوي، وكان يريدني دخول كلية الحقوق ثم الانضمام للعمل معه في الشركة. ومع ذلك فقد تقدمت بطلبات لجهات عديدة وأجريت العديد من المقابلات في شركات من بينها «بروكتور وغامبل» التي توظف شباباً لتسويق منتجاتها وخاصة الصابون ومعجون الأسنان. وبالطبع تقدمت بطلب لمدرسة الحقوق ولقي طلبي القبول في نهاية المطاف، وهو الأمر الذي أبهج فيلت.

في بلاط صاحبة الجلالة

يقول وودوارد إنه خلال أيام تخبطي وأنا أبحث عن وظيفة مناسبة، أرسلت خطاباً إلى صحيفة «واشنطن بوست» أطلب فيه العمل بوظيفة مندوب صحافي. ووافق هاري روزنفيلد محرر شؤون العاصمة على مقابلتي. وعندما التقيته في أحد أيام أغسطس 1970، حدّق فيّ عبر عويناته، وسألني عن سبب رغبتي في العمل كمندوب صحافي.

وعندما قلت له إنه ليست لديّ أي خبرة سابقة، ردّ قائلاً إنه في درج مكتبه عشرات الطلبات لمتقدمين لوظائف لديهم فترات خبرة تتراوح بين خمس سنوات وعشر. وعندما شعر روزنفيلد بيأسي ورغبتي الشديدة في العمل وافق على وضعي تحت الاختبار لمدة أسبوعين، وأن أعمل تحت إشراف نائبه اندرو بارنز الذي أصبح فيما بعد رئيساً لتحرير صحيفة «سان بطرسبرغ» في فلوريدا.

كان بارنز يجلس أمام مكتب في وسط قاعة التحرير. تطلّع إليّ بقدر من الاستهجان، وكأنه يقول «تجربة أخرى من تجارب هاري!». بدا بارنز كضابط «سي.آي.إيه» كبير طُلب منه أن يقود رجلاً أعمى (أنا) لقراءة خرائط العدو. كانت أول مهمة صحافية أسندت لي هي كتابة قصة خبرية محلية عن محطات التزود بالوقود التي كانت تعاني في ذلك الوقت من سرقات ليلية، وابتكرت وسيلة لوقف هذه السرقات بأن يقوم العملاء بإيداع نقود الوقود في خزينة كبيرة أثناء النهار ويقومون بصرفها ليلاً، وبالتالي لن تكون هناك نقود لدى العاملين ليلاً ليسرقها اللصوص.

وبعد يومين من تقصي الأمر عدتُ إلى بارنز الذي سألني في الحال «هل قرأت (نيويورك تايمز)؟». وعندما أجبت بالنفي ألقى بنسخة في وجهي. لأجد مقالاً كبيراً بالصفحة الأولى المحلية يصف الأسلوب الجديد الذي اتبعته محطات التزوّد بالوقود في نيويورك. كان وجه بارنز يقول: لقد فقدت الثقة فيك. بعد ذلك أعطاني المزيد من المهام الصحافية، وبعد أسبوعين كتبت نحو عشرة تقارير إخبارية لم ينشر منها شيء، بل لم تجد واحدة منها طريقها إلى التحرير.

قال لي بارنز إنني أعتقد أنه من الأفضل لك الحصول على وظيفة في صحيفة صغيرة لتتعلّم أصول المهنة. وأضاف أن هناك مجلة أسبوعية صغيرة، ولكنها محترمة في ماريلاند هي مجلة «سينتينيل» رئيس تحريرها يُدعى روجر فاركوهار وكان محرراً في «الواشنطن بوست» ويعرف كيفية تدريب المندوبين.

وبعد أن رأى فاركوهار إصراري على العمل في الصحافة ورغبتي في الحصول على وظيفة وافق على تعييني بأجر أسبوعي يبلغ 155 دولاراً في الأسبوع. وعندما اتصلت بفيلت لأبلغه بأنني تركت مدرسة الحقوق وحصلت على وظيفة صحافية، وصف ذلك بالجنون، وقال إن الصحافة تتناول القضايا بطريقة ضحلة ولا تبدي اهتماماً بالتغلغل في أعماق الأمور.

قضيت عاماً في «سينتينيل» تعلمت فيه الكثير من خفايا مهنة الصحافة، ومنحني روجر فاركوهار حرية متابعة تحقيقاتي الصحافية، ونجحت في نشر العديد من التحقيقات. وخلال ذلك العام ظللت على اتصال هاتفي مع فيلت في بيته ومكتبه، ويمكن القول إننا أصبحنا أصدقاء إلى حد ما. كان هو بمثابة المرشد الذي يقدم لي النصائح ويحرضني على الابتعاد عن تحقيقات أوراق التواليت. وفي إحدى عطلات نهاية الأسبوع توجهت إلى منزله في فيرجينيا والتقيت بزوجته أودري.

شعرت بدهشة عندما وجدت أن فيلت من المعجبين بشخصية أدغار هوفر الذي كان يدير مكتب التحقيقات الفيدرالية بيد من حديد. قال فيلت إنه معجب بالرجل وبصرامته، مشيراً إلى أنه يصل إلى المكتب في الساعة 30,6 صباحاً ليبدأ مهام عمله في فترة تشهد ضغوطاً سياسية هائلة، خاصة في ظل إدارة نيكسون، التي أعتقد أنه وصفها بالإدارة الفاسدة. وفي الواقع فقد كانت هناك خلال عامي 1970 و1971 لعبة شد وجذب عنيفة بين البيت الأبيض وال«أف بي آي».

فعلى سبيل المثال وضع مساعد شاب بالبيت الأبيض يدعى توم تشارلز هيوستون خطة يتم بموجبها تفويض وكالة المخابرات المركزية من ال«سي آي أيه» ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووحدات المخابرات العسكرية بتكثيف عمليات المراقبة الإلكترونية لمواجهة تهديدات للأمن المحلي، وبتفويض عمليات فتح غير مشروعة للبريد ورفع القيود على دخول عملاء لأماكن بهدف جمع معلومات.

وقد وافق نيكسون في بداية الأمر على الخطة لكن هوفر عارضها بشدة من منطلق أن مثل هذه العمليات يقوم بها الـ «أف بي آي» بشكل منفرد ولا يرغب في دخول منافسين معه. وبالتالي اضطر نيكسون بعد أربعة أيام إلى التخلي عن خطة هيوستون. وفي الأول من يوليو 1971 أي قبل عام تقريباً على وفاة هوفر وظهور فضيحة ووترغيت اتخذ هوفر قراراً بترقية فيلت ليصبح ثالث أهم شخصية في ال«أف بي آي».

وعلى الرغم من أن كلايد تولسون، صديق هوفر، كان من الناحية الفنية المسؤول الثاني في مكتب التحقيقات، إلا أنه كان مريضاً ولا يحضر إلى المكتب إلا لماماً مما يعني أنه كان يفتقر إلى السيطرة العملية على المكتب، وهو ما يعني أيضاً أن صديقي مارك فيلت أصبح المسؤول الكبير الذي يدير الشؤون اليومية وكل المسائل المتعلقة بالمكتب طالما ظل يزود هوفر وتولسون بكل المعلومات والتطورات ويحرص على الحصول على موافقة هوفر في المسائل المتعلقة بالسياسات. وعلى الصعيد الشخصي وبعد عام من فشل محاولتي الالتحاق بصحيفة «واشنطن بوست» قرر روزنفيلد محرر شؤون العاصمة الاستعانة بي، وكان ذلك بالتحديد يوم الجمعة الثالث من سبتمبر 1971.