الإرهاب وليد فكر جنوني يمكن أن يدفع من يتبناه إلى ارتكاب عمل إجرامي دموي يروح ضحيته الأبرياء. هذه الحقيقة تأكدت للبسطاء في عالمنا العربي والإسلامي عندما ابتلي بأعمال إرهابية كتلك التي تعرضت لها أرض الحرمين الشريفين وأرض الكنانة.

ولكن قد يكون الإرهابي غير مؤمن بفكر يدفعه إلى ارتكاب جرائم، بل ربما دفعه التعاطف فقط مع أصحاب فكر ما تعرضوا لقمع السلطات، فجاء رد فعله عنيفاً وإجرامياً إلى حد الجنون.

وهذا ما ينطبق على الإرهابي الأبيض تيموثي مكفاي الذي ارتكب حادث تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة أوكلاهوما الأميركية حيث قاد شاحنة مليئة بالتفجيرات اقتحم بها المبنى المسمى ألفريد بي موراه وكان ذلك في التاسع عشر من ابريل عام 1995.وأسفرت جريمته البشعة عن مصرع 168 شخصاً منهم 19 طفلاً كانوا داخل دار حضانة أطفال بالمبنى إلى جانب 500 جريح.

مكفاي.. لم ينكر ما فعله بل تباهى به، وتبين أن الدافع الرئيسي لارتكابه الجريمة هو تعاطفه مع الطائفة الداوودية المتطرفة التي أراد الانتقام لها بهذا العمل الجنوني الإجرامي. فقد تعرضت تلك الطائفة لحملة أمنية من جانب السلطات التي حاصرت أعضاء الطائفة في مدينة واكو بولاية تكساس عام 1993 وكان ردها على هجوم قوات الأمن عليها هو الانتحار الجماعي بإشعال النيران التي راح ضحيتها 82 أميركياً من أعضاء الطائفة منهم 21 صبياً. وكان مكفاي وقتها من بين من شاهدوا ما حدث على الطبيعة، كان بين الجماهير الذين تابعوا فصول تلك المأساة.

هذا الإرهابي الأبيض رفض أن يقال عنه إنه مجنون، بل سعى جاهداً إلى إثبات أنه متوازن ومدرك عقليا لما فعله.وقع مكفاي في أيدي رجال الأمن قبل مرور ساعتين على الحادث. ولم يكن سقوطه بسبب جريمته البشعة، ولكن لأنه كان يخفي في ملابسه مسدسا ويقود سيارة لا تحمل أرقاما معدنية. ولم توجه إليه تهمة أخرى تتعلق بالتفجير عندما ألقي القبض عليه.

ولكن تم التعرف عليه كمتهم بارتكاب الجريمة عندما عثرت الشرطة في مكان الانفجار على إذن تأجير الشاحنة المفخخة التي تم من خلالها تنفيذ العملية الإرهابية. فقد أبلغتهم الشركة التي قامت بتأجير الشاحنة بأن المستأجر هو مكفاي الذي كان بالفعل مقبوضا عليه بتهمة حمل المسدس وقيادة سيارة بلا أرقام.

لم يكن لدى الشرطة وأجهزة الأمن الأميركية سجلات أو ملفات تفيد بأن مكفاي صاحب سوابق أو أنه مسجل خطر بل ولم يكن له أي نشاط له صلة بالعنف. كان سجله نظيفا. التحق بالجيش الأميركي وشارك في حرب الخليج الثانية عام 1991. بل وحصل على ميدالية عسكرية ونجمة برونزية لأدائه المتميز كجندي مشاة خلال الحرب. وبعد الحرب ترك الجيش بعد أن فشل في الالتحاق بفرق «القبعات الخضراء» الخاصة المتميزة في الأداء العسكري.

حكم علي مكفاي بالإعدام. أما شريكه في الجريمة وهو تيرى نيكولاس، فصدر الحكم بسجنه مدى الحياة، وقيل إنه هو الذي مول العملية الإرهابية وقام بتوفير وسائل التفجير.في العاشر من يونيو عام 2001 تم تنفيذ الحكم بحقنة سامة في ظل إجراءات أمنية صارمة لمواجهة أي غضب جماهيري من المتعاطفين مع مكفاي، فقد أغلقت المباني الحكومية كافة في ولاية إنديانا وألغيت فصول الدراسة الصيفية وجميع الأنشطة الترفيهية بالمدارس.

والمثير أن مكفاي لم يخش الموت، كان متعاونا مع منفذي حكم الإعدام. تمدد بنفسه على سريره ـ دون تدخل ـ حيث تم حقنه بالمادة السامة، وكان ملفوفا في قماش كما لو كان مومياء. وكان هادئا ولم تفارقه روح الدعابة. صحيح أنه أبدى أسفه لضحايا جريمته، ولكنه تمسك برأيه قائلاً إن ما فعله لم يكن خطأ وأنه ينتظر حياة جديدة بعد موته سيسعى إلى أن يتكيف معها حتى لو كانت تلك الحياة في جهنم!!.