على كرسيها المتحرك تصل إلى مقعدها الروتيني والقريب، تساعدها إحدى الممرضات أو الاختصاصيات في استراحة الشواب في الممزر، الحاجة موزة بلغت من الكبر عتياً، نظرها لا يساعدها كثيراً مثلما سمعها ولسانها، لكن ابنتها الوحيدة عالية كانت تزورها يومياً وتبقى معها لبعض الوقت قبل أن تتركها متوجهة إلى بيتها وأبنائها، وهو ما لم يحصل حالياً بسبب مرضها هي الأخرى وسفرها للعلاج، فحمل من في الاستراحة الوالدة لتزور ابنتها على فراش الشفاء في بيتها بعد عودتها من السفر.
عندما سألنا الوالدة عن شعورها حينما كانت تزورها ابنتها صمتت طويلاً قبل ان تتمتم شفتاها. بحروف متسائلة، كان معناها: هل ستأخذني لأرى عالية؟ ثم انسابت قطرات الدمع من عينيها بهدوء وحسرة.
صورة واحدة ربما كانت الأكثر وضوحاً بين غيرها من الحالات الصامتة على كراسي متحركة في استراحة الشواب في الممزر، وكما تقول شيخة محمد، اختصاصية اجتماعية أولى ومسؤولة الاستراحة، فإن عدد المقيمين فيها يصل إلى 29 حالة، بعضهم قهرتهم الظروف فوجدوا أنفسهم وحيدين، والبعض الآخر لديهم أبناء يزورونهم باستمرار، وحينما ينقطع بعضهم عن الزيارة، تجري على الفور اتصالات معهم لحثهم على متابعة ذويهم، لما في ذلك من أثر كبير في نفوسهم.
الاستراحة هذه انشئت عام 1993، وتقدم خدمات صحية وعلاجية واجتماعية وترفيهية لمنتسبيها، وفيها 74 ممرضاً وممرضة يتابعون المرضى باهتمام، وفي هذا المكان توجد حالات إقامة دائمة، وأخرى مؤقتة، يأتي بعضها بهدف العلاج الطبيعي، وأخرى لظروف قاهرة مؤقتة، وجميع الحالات يتابعها طبيب مختص في طب الشيخوخة.
الزيارات ضرورية
وكما تلاحظ مسؤولة الاستراحة فإن المرضى يشعرون ببهجة كبيرة عندما يزورهم أحد من الخارج، وهم بأمس الحاجة إلى من يسأل عنهم ويجلس معهم، ويوجد بعض المتطوعين يزورون المرضى ويجلسون معهم ويساعدونهم باستمرار، إضافة إلى الزيارات المنتظمة من طلبة المدارس والجامعات على مدار العام الدراسي، وهذه الزيارات تعيد الثقة والطمأنينة إلى نفسية المريض، وتجعله يتفاعل ويتفاءل أكثر حتى وإن كان بعضهم في غير وعي.
العاق مجرم
الحاج وليد عبدالله، الملقب بـ «أبو شمس» كما يقول، وأحد الذين تقطعت بهم السبل بعد وفاة زوجته، ولم يكن أمامه سوى هذا المكان، خصوصاً وأنه ليس له أبناء، فهو لا ينكر الجهود والخدمات التي يقدمها له الممرضون والاختصاصيون في المركز، وهو ما لا يشعره بأي فرق بين مكانه الجديد هذا أو البيت، أما الزيارات فكما يقول، تفرحه كما يفرح الصغير بالعيد، والمسن دائماً يشعر بحاجة إلى من يزوره ويسأل عنه، أما من يترك والده عند الكبر فاكتفى بوصفه بالمجرم، وصمت.
متطوعة تهوى المساعدة
حواء عبدالله إسماعيل، معاون اختصاصي اجتماعي، بدأت العمل في الاستراحة كمتطوعة، كانت تأتي يومياً من الراشدية إلى الاستراحة فقط لتعين العجزة وتقف إلى جانبهم من دون مقابل، فمساعدة الغير وخدمتهم هواية تعيشها هذه الفتاة، وقبل نحو ثلاثة أشهر زار الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع الاستراحة وأمر بتثبيتها كموظفة بعد أن علم بأمرها.
تقول حواء إنها تشعر بسعادة لا توصف عندما تجلس مع كبار السن وتسمعهم وتحاورهم وتقدّم لهم ما يطلبون، فهي محظوظة لأنها توظفت في المكان الذي أحبته، لكنها لن تفكر مطلقاً في أن تأتي بوالدتها إلى هذا المكان، ومهما كان الجو الذي يوفره الجميع لهذه الفئة، إلا أنه لا يمكن أن يعوضهم عن البيت بمن وبما فيه، فهو المكان الذي بنوه بعيونهم وأيديهم، ولا يمكن أن يستبدلوه باختيارهم، وربما الظروف تجبرهم على ذلك، إلا أن العاقل لا يمكن أن يحرم نفسه من بركة والديه.
التفكير بترك العمل
محمد عبدالله حسن، يأتي بوالده مرتين في الاسبوع إلى الاستراحة لمدة ساعتين بهدف العلاج الطبيعي، ويبقى معه حتى ينتهي ثم يعيده إلى البيت، ورغم أن والده يحتاج إلى رعاية خاصة، إلا أنه يوفر له مع شقيقه الأكبر ووالدته كل ما يلزمه، ولا يفكر إطلاقاً في تركه في الاستراحة، ووصل معه الأمر وأخيه إلى التفكير بترك أحدهم العمل لرعاية الوالد، وكان له في النهاية التقاعد بعد أن تقدم بطلب الاستقالة ورُفض، وكما يقول فإنه من السهل عليه أن يحرم نفسه من أي شيء إلا من الأجر والثواب وبركة الوالدين في البيت.
بالطيبة والحنان
وكما يلاحظ محمد، فإن جميع المسنين الذين يأتون إلى الاستراحة للعلاج المؤقت يكون معهم إما السائقون أو خادماتهم، وهي صورة حزينة فيها شيء من عقوق الوالدين، كما يرى، ولا يمكن أن يقبلها لوالده، بل إنه يرافقه ويبقى معه حتى ينتهي من العلاج ثم يعيده إلى البيت، وبالنسبة للممرضين والاختصاصيين في الاستراحة، ومن خلال ما يلمسه منهم، فإنهم يعالجون المريض بطيبتهم وصبرهم وحنانهم قبل الأدوية، وهم يبذلون جهداً كبيراً ويقومون بدور يستحق على الأقل الإجلال والاحترام.
شيخة الشامسي، إحدى الطالبات الزائرات للاستراحة، والتي جاءت من مركز الموهوبين التابع لجائزة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، تقول إنه من الخطأ أن يترك الأبناء آباءهم في مثل هذا المكان، فالوالدان منحا كل حياتهما من أجل ولدهما، ويجب على الابن تقدير ذلك واحترام عجز والديه، وإذا فعل ذلك فبالتأكيد لن يأتي بهما إلى الاستراحة لأن ذلك يشعرهما بالإهانة والرفض من قبل المجتمع.
حزن وشكر
مريم طارش المنصوري شعرت بمجرد أن دخلت الاستراحة بمتناقضين هما: الحزن والأسى لما رأته من وجوه المسنين، والفخر والشكر على ما يقدمه العاملون من تضحية واهتمام بالمسنين، واكتفت بوصفها للمركز والعاملين فيه معاً بالابن البار لمن يفتقد ذلك من الشواب.
وأضافت أنها لن تترك والديها مهما كانت الظروف، وستبقى إلى جانبهما وتقدم لهما كل ما تستطيع، فهما من اعتنيا بطفولتها وأحسنا تربيتها، لذا ستدرس هذا العام الطب كتخصص إنساني يبقيها إلى جانب المحتاجين والعاجزين، وترد من خلاله القليل من معروف والديها وعنايتهما بها.
ظروف صعبة
ولفتت الطالبة فاطمة المري إلى أنها وبمجرد أن رأت العجزة في الاستراحة، انتابها شعور حزين لظنها أن هذا المشهد من صناعة الأبناء العاقين، وهو ما تبدّل عندما رأت سجلاتهم، فعرفت أن الأمر تحكمه ظروف أخرى غير عقوق الأبناء، مشيرة إلى أنها لن تفكر قطعياً بأن يكون أحد والديها في مثل هذا المكان، ولو في إقامة مؤقتة، لأن ذلك من شأنه أن يمهد الطريق لتركهم هنا في المستقبل.
الطالبة آمنة المراشدة من قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة ومتدربة في الاستراحة أكدت أهمية الزيارات والجلوس مع المسنين، وهؤلاء فاقدون للتواصل ولو نسبياً، ومجرد الحديث معهم يحيي فيهم الأمل والاستمرار، وهي عندما نظرت إلى عيونهم وجدت فيها الحزن والأسى، وكأنهم يبحثون عن شيء افتقدوه، وإذا امتلك الابن جزءاً من الإنسانية فلن يقبل بأن يكون أحد والديه في أي مكان خارج البيت، ومثلما لا يقبل الشخص الأمر لنفسه، عليه ألا يفكر بقبوله لغيره.
الاستراحة إيجابية
بينما اعتبرت الطالبة شذى القاسمي، من جامعة الشارقة أنه لا ضير في أن يأتي المسن إلى هذا المكان مؤقتاً، يجلس مع غيره من المسنين، ويتابعه فريق طبي متخصص، ثم يعود إلى البيت، فالاستراحة ليست مكاناً سلبياً، وتوفر كل الإمكانيات لخدمة من لم تخدمه وتحرمه ظروفه، وبالنسبة لوالديها باستمرار تقدم لهما ما يريدانه، وتخصص لهما قسطاً من يومها، ولا تتردد أو تتذمر في القيام بجميع ما يريدانه على الرغم من طلباتهما الكثيرة.
لا مكان خارج البيت
الطالبان أحمد دشتي وقيس السويدي أبديا شعوراً بالرأفة لما لمساه في الاستراحة، فالموجودون في هذا المكان تغمرهم علامات النقص في العطف والحنان، ووجود الزائرين والممرضين حولهم يخفف عنهم ما يعيشونه، وكلاهما رفضا تقبل مثل هذه الأجواء لوالديهما، متذرعين بأنه ومهما كان المكان خارج البيت يبقى يرمز إلى الإجحاف بحق الوالدين والنكران لما منحاه في حياتهما من أجل أبنائهما.
فيما أشار الطالب عبدالله الشامسي إلى أن طاعة الوالدين هي السبيل الوحيد لنجاح الابن وثقته بنفسه، وعندما يلبي كل ما يطلبانه فيرضيان عنه يشعر بسعادة وانشراح كبيرين، ودائماً يحث أصدقاءه على طاعة الوالدين، وعدم رفض ما يريدانه، وهو شخصياً إذا شعر أنه قصر في حق أحدهما يوماً ما فلن يطيب له نهاره، وتتعثر أموره في أبسطها، لذا فحبه وإخلاصه لهما ليس له حدود، وهو ما يدفعه إلى إبقائهما إلى جانبه عند الكبر، ولن يرضى أبداً عن تركهما في أي مكان من دور الرعاية.
طب الشيخوخة
الدكتور محمد جميل، يعمل أخصائياً أول طب الشيخوخة في الرعاية الصحية الأولية، وهو الطب الذي يتعامل مع المرض فوق سن 65، حيث توجد أمراض لا تظهر إلا في هذه الفئة العمرية، وما ينطبق عليها من أعراض لا ينطبق على غيرها من الفئات.
أسبوعياً يتفقد الدكتور جميل المرضى في استراحة الشواب ويستمع إلى شكاويهم وتقارير الممرضين، حيث يتفرغ هناك 75 ممرضاً وممرضة لخدمة ومتابعة 29 مريضاً. مشيراً إلى أن دور تمريض المسنين تابعة لدائرة الصحة والخدمات الطبية،
كما هو الحال مع استراحة الشواب، وهي تستقبل مرضى يعانون من إعاقات شبه دائمة عضوية أو ذهنية، وهي الحالات الاضطرارية لمن تعجز ظروف البيت عن خدمتهم، أو أصبح وجودهم في البيت يمثل خطراً على حياتهم.
الدكتور جميل اعتبر أن المنزل هو الركن الأساسي في منظومة الرعاية الصحية، والجميع يحرص على ابقاء المريض في البيت، وهو ما يحصل دائماً، حيث تتم متابعة هؤلاء المرضى في بيوتهم عن طريق فريق طبي متكامل، ويبلغ عدد المرضى المتابعين في بيوتهم 375 مريضاً في دبي وهو عدد كبير نسبة إلى 29 حالة فقط في الاستراحة، ولا يمكن نقل أي مريض إلى الاستراحة إلا إذا كانت نسبة العجز عنده كبيرة جداً، حتى أن معظم العائلات في دبي تفضل توفير ممرض مقيم معها في البيت لمتابعة المريض،
واختتم أن العلاقات الاجتماعية بين الجميع لا تزال في إطار العادات والتقاليد والدين الحنيف، والخير لا يزال في أبناء هذا البلد.