ماذا نقدم للقارئ الصغير؟ وما واقع القراءة في صفوف الصغار؟؟ اسئلة تحيلنا إلى مضمار الوعي القرائي لدى الأطفال وأهمية تنمية حب القراءة لديهم والدور المنوط بالأسرة والمدرسة على حد سواء، فهل يمكن ان تركن الأسرة في هذا الجانب وتذهب في اعتقادها بعيدا إلى أن الطفل في صغره لا يحتاج إلى المطالعة، بقدر احتياجه إلى الكتاب المدرسي، وإلى متى يبقى مفهوم المطالعة كنشاط ترفيهي فقط؟؟ وكيف لنا أن نقف في وجه ظاهرة العزوف عن القراءة وخلق جيل قارئ لم تصبه عدوى العزوف.
من واقع تجربته يؤكد إسماعيل عبدالحميد اختصاصي اجتماعي أن القراءة هي مفتاح للمعارف جميعها. والمعارف والمعلومات لاتتوقف عند سن معين فهي مطلوبة من المهد إلى اللحد ويقاس تقدم الأمم والشعوب بمدى ثقافة شعوبها ووعيها.
وعن آلية تفعيل عادة القراءة عند الأطفال قال عبدالحميد لابد لنا من الاهتمام في القراءة وتعويد النشء من الصغر، فلكي نعوده على القراءة لابد أن تكون هناك مساحة زمنية على الجدول المدرسي، بمعني حصة في الأسبوع على الأقل خاصة بالمكتبات تشوق الطفل وتحببه في القراءة عن طريق تشجيعه وتكريمه في الفصل وطابور الصباح والبدء معه بالقصص المشوقة المحببة إلى نفسه والمناسبة للمرحلة العمرية للطفل.
وعلى ولي الأمر مساعدة المدرسة في ترسيخ حب القراءة والاطلاع للطفل عن طريق عمل مكتبة خاصة له في المنزل وتحفيزه وتشجيعه وفي المرحلة المتقدمة يقوم الطفل بتلخيص القصة وعرضها على زملائه وذلك كله بالمرحلة التأسيسية وفي المرحلة التالية تشبع رغبات الطفل في المعارف عن طريق توفير كتب تنمي المهارة الإنشائية عنده وترسخ فيه حب الاطلاع والقراءة.
ويصبح بالتالي عند الطفل قاعدة لا يستهان بها في المعلومات مع مراعاة إرشاد التلميذ في هذه المرحلة إلى نوعية الكتب التي ينتقيها وإشراكه بالإذاعة المدرسية لإشباع ميوله ورغباته في حب المعرفة وبذلك نخلق جيلاً واعياً مهتماً بالمعارف وينمي نفسه بنفسه وينمي وطنه ومجتمعه.
لطيفة خميس الاختصاصية الاجتماعية في مدرسة الزهراء للتعليم الثانوي تقول: نعاني من مشكلة جوهرية وهي أننا شعوب لا تقرأ وبالتالي الأطفال ليسوا قراءً، فالقراءة للأسف محصورة في المناهج والواجبات المدرسية وبالتالي الطفل لا يستقبل المطالعة بشغف بل تراه يجبر عليها.
أنماط سلوكية
ونبقى مع المعيقات التي تعترض طريق خلق جيل قارئ والتي تقول عنها ابتسام بو شليبي مديرة مدرسة الشيماء للتعليم الأساسي إن أكبر المعضلات هي زخم المناهج وطولها، الأمر الذي لا يدع مجالا لممارسة نشاطات أخرى كالقراءة مثلا، وانحصارها في حصة أسبوعية وحيدة لا تسهم في تنمية الميول القرائية عند الطلبة الصغار.
وتعترض بو شليبي على لوم الأطفال واتهامهم بالتقصير وتفضيل اللعب وتقول علينا إعطاؤهم الكتاب الجيد والوقت المناسب ليطالعوا.
ليلى الحوسني معلمة لغة عربية تؤكد أهمية السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل حيث تحدد سلوكه وميوله في بقية حياته.
وتلفت إلى أن الأسر تحمل المدرسة وحدها مسؤولية تعليم أبنائهم أسس المطالعة السليمة، مشيرة إلى أن حب الطفل وارتباطه بالكتاب مرهون بالأسرة فالبيت هو المعلم الأول للطفل في عالم القراءة حيث تعطيه الخبرات المنزلية القيمة والبيئة الثقافية الصلبة حصيلة لغوية تميزه عن أقرانه ممن لا يتعرضون لذات الخبرة والبيئة الأسرية الغنية.
واقترحت الحوسني البدء مع الطفل بالقصص القصيرة خاصة تلك التي تحتوي على كم من الصور الجاذبة، كما يمكن للأسرة جعل الوقت المخصص للقراءة مفعما بأجواء الفرح والسعادة.
من واقع تجربتها ترى عائشة عبدالله معلمة تاريخ أن انتقاء موضوع القصة يشكل محوراً أساسيا في عملية جذب أو نفور الطفل منها إذ على الأسرة أو المدرسة انتقاء القصص التي تحتوي على مضامين أخلاقية تكرس لدى الطفل بعض القيم والسلوكيات الحميدة.
مؤكدة أن الدور الرئيسي في تفعيل عادة القراءة يقع على عاتق المدرسة وتدعو إدارات المدارس إلى الاهتمام بمحتوى مكتباتها فيما تطالب أسر الطلبة إنشاء مكتبة منزلية وتخصيص قسم للأطفال وتزويدها بالكتب والمجلات الخاصة بهم.
عايدة حسن النقلي ولية أمر شددت على أن مطالعة القصص والكتب المنوعة ما بين الدينية والتاريخية والثقافية تنمي التفكير لدى الأطفال وتساعدهم على الانطلاق في مخيلتهم باعتبار الخيال عنصراً مهماً للطفل فمن خصائص الطفولة السوية سعة التخيل الذي له انعكاسات بالغة الأهمية.
وتطالب أميمة أحمد معلمة رياضيات في مدرسة إشبيلية في الشارقة اختيار القصص المصورة التي من شأنها لفت انتباه الطفل وترغيبه في الاطلاع على محتواها، لافتة إلى ضرورة قراءة القصة من قبل الأهل سابقاً لأن بعضها يحتوي على مفاهيم وقيم تخالف التعاليم الإسلامية والمطلوب هو تعزيز السلوكيات الإيجابية والقيم النبيلة عبر شخصيات القصص البطولية.
وتقول وفاء عبد الله نائبة مديرة مدرسة الرولة الإعدادية في الشارقة:في مدرستنا يعتبر تعويد الطفل على القراءة ومطالعة الكتب على اختلاف أنواعها هدفاً بحد ذاته والأمر المهم بالنسبة للتلاميذ حيث القراءة هي الأداة التي يتعلم من خلالها كافة العلوم والمعارف كافة.
كما نشدد كتربويات على جعل القراءة جزءاً من الجدول الدراسي وذلك من خلال تخصيص حصة إجبارية للمطالعة في المكتبة ومتطلباً رئيسياً للنجاح والاستعداد لخوض غمار الحياة واكتساب هذه المهارة ليستقر في موقع القلب في نظامنا.
بيئة تربوية
وأوضح الدكتور خالد عزايزة المتخصص في مجال تربية الطفل أن معظم الأبحاث تشير إلى أهمية وجود بيئة تربوية في المدرسة وفي البيت تدعم عمل المعلم وتساعده في بلورة شخصيته وتعمل على تقوية ملكاته وقدراته العقلية، فكما هو معروف فإن الطالب يقع تحت تأثير المجتمع الذي يعيش فيه ويتأثر بوسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمكتوبة.
عزايزة قال إن القراءة لدى الأطفال لا تتم داخل إطار الصفوف وضمن أروقة المدارس فقط، كما يجب ألا تنحصر هذه المهمة ضمن مسؤوليات المدرسة، بل المفروض بناء بيئة تدعم القراءة لدى الصغار في البيت والمؤسسات التربوية الأخرى عن طريق إقامة الفعاليات والنشاطات المختلفة خاصة تلك التي تعمل على تشجيع القراءة وتحبيبها لدى الطلبة، وهنا يأتي دور المعلم في توجيه الطلبة للانتفاع من هذه المؤسسات مستغلين مكتبة المدرسة أو مكتبة البيت فضلاً عن توجيههم إلى الكتب الملائمة.
ومضى الدكتور عزايزة قائلاً: المدرسة المعاصرة بالتعاون مع الأوساط التربوية المحيطة يجب أن تبني إطاراً شاملاً لتنمية الوعي القرائي لدى الطلبة وزيادة وعيهم، إضافة إلى توفير مكتبة صفية تحتوي على المصادر والقصص والمجلات.
وخلص الدكتور خالد عزايزة إلى أن تفعيل سلوك المطالعة لا ينحصر فقط في إطار الصفوف المدرسية فهناك مصادر تلعب دوراً مهماً إلى جانب المدرسة في تنمية الوعي القرائي.
وترى فوزية صالح مديرة روضة الأمل في الشارقة أن تهيئة الطفل للقراءة يجب أن تبدأ وعمره سنة ومن خلال سرد القصص المصورة له ضمن وقت اللعب، داعية أن تكون الكتب في متناول أيدي الأطفال مع الحرص على تنويعها لتشمل المجالات الدينية والمغامرات والتاريخ والثقافة.
مشيرة إلى أن الآباء والأمهات الذين يدخلون في حوارات مع أبنائهم حول ما يقرؤونه في القصص يحقق أهدافاً جمة أهمها تعزيز سلوك القراءة كفعل يومي وإثراء محصلة الطفل اللغوية وزيادة ثقته بنفسه نتيجة لاقتناعه بأهمية رأيه واستماع الآخرين له.
وتنصح دينا محمد معلمة لغة عربية بإتاحة الفرصة للطفل للإمساك بالكتاب معتبرة هذه الخطوة وسيلة لاكتشاف الكتاب كمادة محسوسة مؤكدة أنه إذا أردنا لأبنائنا تنمية مواهبهم وإبداعاتهم فعلينا أن نوفر لهم المناخ الديمقراطي والبيئة الثقافية الغنية التي تترعرع فيهما قدراتهم الكامنة في جميع المجالات.
وأشارت إلى ضرورة تنمية الإبداع لدى الأطفال من خلال برامج تعليمية تحفزهم وتتيح لهم فرصة الإبداع في مختلف المجالات وذلك بإثراء البيئة التعليمية بحيث تلبي حاجاتهم وتنمي مواهبهم وتصقلها.
وتدعو هناء شعبان ولية أمر إلى الاهتمام بعملية القراءة باعتبارها من أعقد الأنشطة العقلية إضافة إلى إعداد برامج تثقيفية تعنى بالطفل وتركز على ممارسة القراءة كسلوك إبداعي.
وتقول نعمات طه وهي ولية أمر:نعاني من مشكلة جوهرية وهي أننا شعوب لا نولي المطالعة وقراءة الكتب أي أهمية وهو ما ننقله إلى أطفالنا دون وعي أو قصد، معتمدين في عملية تثقيفهم على المدرسة في حين ان دور الأسرة أكثر تعقيداً وأهمية إذ يقلد الطفل أبويه فإذا كانا من المهتمين بالمطالعة اليومية تشجع الطفل وجعل القراءة في حياته سلوكاً يومياً.
الإنترنت وسيلة حديثة للمطالعة
ختام سليم ولية أمر تقول:أعتمد على أطفالي في تثقيف أنفسهم عبر الإنترنت وأخذ ما يبتغونه من صنوف العلم والمعرفة.
من جهتها قالت وعد عبد الرحمن موظفة:بصراحة لا أملك متسعاً من الوقت لتثقيف أطفالي فأنا امرأة عاملة أقضي ما يزيد على أحدى عشرة ساعة خارج البيت وبالتالي يقتصر اهتمامي على نجاحهم وتحصيلهم أعلى الدرجات.
وتقول سوسن غوانمة معلمة في مدرسة الشارقة:إن ثالوثاً يتحكم في تشجيع الطفل على القراءة وتنمية هذا الجانب في شخصيته «البيت والمدرسة والمجتمع».
خلود الملا وكيلة مدرسة الرولة الإعدادية في الشارقة ترى أنه بالرغم من الدور الحيوي الذي تلعبه المدرسة في تنمية هواية القراءة لدى الطلبة الصغار إذ يعتمد عليها في تعليمهم مبادئ وأسس القراءة، إلا أن الدور الأكبر يجب أن يكون للأسرة فإذا لم يكن أهل البيت مشغوفين بحب القراءة فإن علاقة الطفل بالكتاب ستكون شبه معدومة.
وتعتقد الملا أن الفترة الأخصب لتعلم الطفل مطالعة الكتب هي فترة ما قبل دخول المدرسة حيث يتعلمها الطفل بعيداً عن ضغوط الدراسة والواجبات، وبصورة أشبه إلى اللعب من الإجبار، مشيرة إلى أن الأسرة التي تقوم بذلك تعطي ابنها سلاحاً قوياً سيستفيد منه مستقبلاً ويبلغ أهدافه بقوة.
القصص المصورة
ومن الطرق التي يعول عليها التربويون في تنمية هذه الهواية وتكريس أهميتها في نفوس الطلبة استثمار القصص المصورة التي تعرض على شاشات التلفزيون لأن الطفل ببساطة يشده هذا الجهاز بل ويكاد يسيطر عليه وبالتالي فإن تطويع هذه الأداة بشكل إيجابي وسيلة فعالة وناجحة في هذا المضمار مشددة على أن يكون اختيار هذا النوع من القصص دقيقاً ويلي المرحلة العمرية المحددة.
ودعت المدارس والأسر لتكثيف الجهود من أجل خلق جيل قارئ مدرك لأهمية المطالعة وتوسيع المدارك عبر الاطلاع على أكبر كم من المعلومات التي تتيحها الكتب، مبدية حزنها من حالة العزوف عن القراءة التي تعتري المجتمع بمختلف شرائحه وطبقاته.
أحمد يوسف من الطلبة المتفوقين يرى أن المطالعة تشكل ركناً أساسياً في تفوق الطالب ونبوغه، داعياً إلى تسليط الضوء على هذه النقطة التي يراها مهمشة نوعاً ما.
* برامج لتنمية الوعي «القرائي»
اقترح الأديب الدكتور خالد عزايزة عبر أحد مواقع الإنترنت مجموعة من الخطوات التي من شأنها بناء بيئة داعمة للقراءة، أهمها استغلال المكتبة المدرسية والمكتبة العامة، حيث يرى أنه من المهم جداً وجود مكتبة مدرسية ومكتبة عامة في محيط الطالب، تكون غنية بالكتب والقصص والمجلات، وتكون في متناول يد الطالب للاطلاع عليها واستثمار أوقات فراغه بما هو نافع ومفيد.
أما الاقتراح الثاني فهو التعاون مع البيت، حيث الدور الكبير والمهم لها في تطوير القراءة لدى التلاميذ، لذا يجب أن يقوم المعلم بخلق الصلة المباشرة مع الأهل لإيجاد مكتبة بيتية وتوجيه الأهل لاقتناء الحاسوب ووسائل الاتصال الأخرى.
كما تستطيع المدرسة أيضاً تنظيم ورشات عمل للأمهات وللآباء حول كيفية سرد القصة للأبناء في البيت كذلك يمكن دعوة الأهل للمشاركة في فعاليات مختلفة تقوم بها المدرسة في مجال تنمية الوعي «القرائي».
واقترح إقامة زاوية للإصغاء يمكن إقامتها بالإضافة إلى الصفوف الدنيا في المكتبة المدرسية والمكتب العامة أو في مختبر اللغة أو الاتصال وبواسطة «المسجل»يستمع الطلبة إلى أشرطة سماع تحتوي على قراءات أدبية، قصص محلية، حوارات ومناقشات وقصائد مغناة بهدف تدريب الطلبة على القراءة.
* "الفيديو كليب" يسرق أنظار الكبار قبل الصغار
اعتبر موقع الكتروني أن التلفزيون من أهم قنوات الاتصال الرئيسية في عصرنا الحاضر وهو مصدر مهم ورئيسي في توصيل المعلومات كما يشكل عاملاً مركزياً في العملية التربوية والاجتماعية عند الجيل الجديد.
ويعي الجمهور في وقتنا الحاضر مدى تأثير وسائل الإعلام على الفرد والمجتمع خاصة الأطفال وطلبة المدارس حيث يقضون ساعات طويلة من حياتهم أمام شاشة التلفزيون.
استحواذ التلفزيون وخاصة «الفيديو كليب» على أوقات الفراغ لدى الأطفال أصبح يشغل بال العديد من المسؤولين في التربية والتعليم حيث يتركز الانتقاد حول مدى تأثير التلفزيون على عادة القراءة عند الكبار والصغار كذلك مدى تأثير التلفزيون على الدراسة وعلى التحصيل العلمي.
ويدور جدل بين المختصين يتعلق بتأثير التلفزيون السلبي على القراءة لدى الأطفال أهمها ما أوردته الدكتورة دفنه لميش المتخصصة في أدب الأطفال التي ترى أن الطفل الذي يميل الى القراءة يستمر في تحقيق هذه الرغبة.
ومهما عرض التلفزيون من برامج جذابة فلن يؤثر ذلك على عادة القراءة لديهم وبرأيها يخطئ من يظن ان قراءة الأطفال كانت أكثر وأوسع انتشارا قبل وصول التلفزيون إلى البيوت وبرأيها إذا كان معدل المشاهدة اليومية ساعتين فهذا الوقت لا يؤثر على عادة القراءة كما لا يسبب في تحصيل دراسي متدن.
ويذهب بعض الباحثين إلى التأكيد أن التلفزيون لا يشكل مصدر الفشل لدى الطلبة وليس السبب الرئيسي في عزوفهم عن القراءة بل يساعد التلفزيون على تطوير الوعي القرائي لدى الأطفال.
أما الأديب المصري عبدالتواب يوسف فيشير إلى أهمية التلفزيون ودوره الفعال والناجح في تكوين عادة القراءة لدى الأطفال شريطة ان تكون هذه البرامج جيدة الإعداد والإخراج والتقديم وأن تشتمل البرامج على مسابقات في القراءة وعرض لبعض القصص والمسرحيات بالعرض والتحليل والتمثيل.
وأوصى بعض الباحثين معلمي الأدب والتربية بتسجيل البرامج المناسبة على أشرطة لاستغلالها في الدروس التعليمية لتكون حافزاً لتشجيع الطلبة وتنمية ميولهم القرائية.
نورا الأمير