اللواء المتقاعد ناصر عبدالرزاق مساعد القائد العام لشرطة دبي سابقاً يؤمن بأن نعمة الأمان التي تتمتع بها دولة الإمارات على مدار السنين كانت مفتاح الطريق لبناء النهضة الحضارية الكبرى التي تعيشها الدولة بصفة عامة، ودبي بصفة خاصة والتي أرسى دعائمها المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بفضل الحكمة والشجاعة والفكر السديد الذي كان يتمتع بها.
ويثق ناصر عبدالرزاق أن النجاح الحقيقي في الانضباط وحب العمل والعطاء وخدمة الوطن وليس بالحصول على الشهادات فقط كما يثق بأن الماديات أدت إلى تراجع مكانة المعلمين وتفكيك الأسرة على عكس الفترات السابقة التي كان المعلمون يتمتعون فيها باحترام وتقدير كبيرين.
وقال اللواء ناصر في حوار مع «الجيل» حول ذكرياته القديمة ومراحله التعليمية الأولى إنه التحق بالعمل الشرطي بدافع شخصي معارضاً بذلك رغبة الأهل الذين كانوا يرغبون في استكمال دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن دراسته في مصر حافلة بالذكريات الجميلة، حيث درس الإعلام والأدب والإدارة، كما تأثر بالحقبة الناصرية والمد القومي.
واستطاع بالحكمة التي ورثها وتعلمها من أصحاب السمو الشيوخ أن يرتقي إلى وضع المسؤولية في تلك اللحظات بتفان واقتدار، كما تأثر بوالده الذي كان ممثل بريطانيا العظمى في الإمارات المتصالحة فبدأ العمل منذ مراحل مبكرة من عمره حيث التحق بالعمل في المحكمة أثناء الاجازة الصيفية.
«الجيل» في هذا الحوار يستعرض أهم الذكريات والمحطات في مسيرة اللواء ناصر عبدالرزاق التي أمتدت لأكثر من 35 عاماً في العمل الشرطي.
* كيف كانت بدايتك التعليمية وهل تختلف المرحلة التعليمية الأولى قديماً عن الوقت الحالي؟
ـ كانت البداية بسيطة منذ بدأت حياتي التعليمية في «الكتاتيب» لحفظ القرآن الكريم، التي كانت السمة السائدة للحياة التعليمية في ذلك الوقت إلا أن فترة الدراسة فيها لم تستمر طويلاً حيث انتقلت إلى المدرسة الأحمدية التي تعلم فيها الرعيل الأول من المواطنين على أيدي مجموعة من المعلمين مازلنا نذكرهم بالخير، ونقدرهم ونجلهم على ما قدموه لنا من عطايا من بينهم زهدي الخطيب والكيالي وأبوملحه وغيرهم ممن ساهموا في صنع النهضة التعليمية في الدولة.
فكان هؤلاء المعلمون يختلفون كلياً عن واقع المعلمين حالياً حيث كان الاحترام والتقدير للمعلمين سمة أساسية على عكس الأبناء الآن فقد انهارت تلك القيم وتراجعت عمليتا الاحترام والتقدير اللتان كان يحظى بهما المعلمون في الماضي.
كما كان المعلمون يبحثون عنا خارج المدرسة وفي حالة غياب أي طالب من الدارسين كان المعلم يبحث عنه ويتواصل معه في المنزل بعيداً عن الدروس الخصوصية وغيرها من الأشياء التي أصبحت تسيطر على المعلمين والأبناء الآن.
تراجع مكانة المعلمين
* ما هي أسباب تراجع قيمة المعلمين في المجتمع رغم الجهد الكبير الذي تقدمه هذه الفئة لأبنائنا الطلاب في المراحل الدراسية كافة؟
ـ اعتقد أن التطوير الذي حدث في العالم أجمع وليس دولة الإمارات انعكس سلباً على وضع المعلمين في علاقاتهم مع الطلبة، فسيطرت النواحي المادية على كل شيء وهي التي تربط علاقة الناس بعضهم ببعض، مما أدى إلى تراجع العلاقات الانسانية بعد ما غاب الحب وتوارت الاخلاق والصفات النبيلة.
كما شهدت الأسرة في معظم دول العالم حالة من التفكيك وأصبح التواصل بين الناس عملة نادرة، فلا شك أن كل هذه المؤثرات أحدثت فتوراً في العلاقة بين المعلمين والأبناء على عكس ما كانت تتمتع به في الماضي لذا نأمل أن يتجه أبناؤنا الطلبة للحفاظ على العلاقة الطيبة مع المعلمين وكذلك مع الأسرة.
عطلة الصيف مع السقاف
*كيف كنتم تقضون أوقات الفراغ وخاصة اجازة نصف العام في ظل غياب الألعاب الترفيهية المتعددة التي تتواجد حالياً عكس أيامكم؟
ـ كنت أقضي وقتاً كبيراً من عطلة الاجازة الصيفية في العمل وكان عملي خلال إحدى الاجازات الصيفية هو الطريق نحو عملي في الشرطة حيث كنت أعمل في الاجازة بمحكمة دبي، وكان بها قاض واحد يطلق عليه السقاف من أصول يمنية وكان هذا القاضي يتمتع بروح الفكاهة وعلاقتي به جيدة، فعرفني إلى قائد الشرطة وقتها.
وكان بريطاني الجنسية ويدعى جاك بركس وكان القاضي سليط اللسان فقال لقائد الشرطة ان والد ناصر كان المعتمد السامي البريطاني، حيث كان ممثل بريطانيا العظمى في الإمارات المتصالحة قبل قيام الاتحاد، وعلى الفور قال لي قائد الشرطة البريطاني إننا في حاجة إلى أشخاص متعلمين للعمل في الشرطة حيث كان ضباط الشرطة قلة حينها.
أما بالنسبة للألعاب الترفيهية الحالية فلم يكن موجوداً أي شيء منها، وإنما كانت علاقة الود والمحبة التي تربط بين الناس ومساعدة الآخر هي مصدر السعادة.
* هل اخترت العمل في الشرطة برغبتك أم نزولاً عند رغبة الأهل؟ وما هو الدافع نحو الالتحاق بهذا العمل رغم تعدد الفرص؟
ـ اخترت العمل الشرطي بمحض إرادتي وليس بناء على رغبة الأهل، فقد كان الأهل يرغبون في استكمال دراستي الجامعية أسوة بإخواني الآخرين، إلا أنني أصررت على دخول المجال الشرطي حباً في هذا العمل، فذهبت إلى الشرطة وأجريت لي مقابلة شخصية وتم تعييني وإرسالي للتدريب في دولة قطر.
وذهبت إلى معسكر انجليزي ودخلت في دورة لمدة سنة، وكان معي شخصان آخران، نجح اثنان ورسب الثالث، وبعد عودتنا من دورة قطر تم تكليفنا بإنشاء مدرسة الشرطة وبدأت أنا وضابط فلسطيني في مشروع إنشاء مدرسة الشرطة وكنت أدرس عدة مناهج منها الواجبات العامة وقانون المرور وكنت في الوقت نفسه مدرباً للرياضة، حيث كنت لاعباً في فريق دبي.
مؤسس لثلاثة مراكز للشرطة
* ما هي مساهمتك الأخرى في دعم جهاز الشرطة في ذلك الوقت؟
ـ كنت أول ضابط قام بتأسيس ثلاثة مراكز للشرطة وأول ضابط لها، وهي مراكز شرطة المطار ونايف وبر دبي، وبعد الانتهاء من مركز شرطة بر دبي ذهبت إلى القاهرة لحضور عدة دورات تدريبية من بينها دورة إعداد القادة، وكان لهذه الدورة حكاية غريبة، حيث كانت مخصصة لكبار الضباط فقط من رتبة مقدم فأعلى، لذلك اعترض بعض المشاركين في الدورة على حضور ضابط برتبة أقل من ذلك.
إلا أنهم تفهموا بعد ذلك الأمر بعدما علموا انه لا يوجد لدينا رتب كبيرة، وأن قائد الشرطة لدينا برتبة رائد، ثم التحقت بعد ذلك بعدة دورات في مكافحة المخدرات والأدلة الجنائية وغيرها من الدورات الأخرى، إلا أن دورة إعداد القادة كانت الأهم، حيث كانت بمثابة الماجستير في علوم الشرطة.
* ما هي ذكرياتك عن تلك الفترة، وخاصة التي قضيتها في مصر، وتأثرك بالأصوات التي تعالت منادية بالقومية العربية؟
ـ القومية العربية والوحدة بين دول العالم العربي أمر مغروس في نفوسنا منذ الصغر، فكنا متأثرين بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر، فكان يلقي خطابه فنخرج في اليوم التالي بمظاهرات مؤيدة له ولتوجهه القومي والعربي، كما تأثرت في الفترة التي قضيتها في مصر بعدد من القادة العاملين في الشرطة وعلى رأسهم ممدوح سالم وزير الداخلية وقتها.
كما أتاح لي تواجدي في مصر فرصة كبيرة لدراسة الإعلام، فكنت أستمع إلى محاضرات للدكتور عبدالقادر حاتم نائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام، كما كنت أدرس في المساء الأدب على يد الكاتب المصري الشهير يوسف السباعي.
وفي الإدارة كنت أستمع إلى محاضرات مهمة من الدكتورة ليلى تكلا، فقد أتاحت لي هذه الفترة الامتزاج مع القادة والمفكرين من المجالات الحياتية كافة لدرجة أنني أصبحت ملماً بالكثير من العلوم مما أفادني بشكل كبير في عملي الشرطي منذ التحقت في عام 1965.
* ماذا تمثل حرب أكتوبر بالنسبة لك، والأحداث التي جرت بعد ذلك؟
ـ أحدثت حرب أكتوبر تغييراً كبيراً في حياة كل العرب، فقد أخرجتنا من الحالة النفسية السيئة إلى حالة مغايرة تماماً، فكانت السعادة والفرح هما السمتان اللتان تسودان كل المواطنين العرب في ذاك الوقت لما حقق الجيش العربي من بطولات مشرفة وتحطيم الأسطورة الإسرائيلية التي قيل عنها إنها لا تقهر، واستطاع الرئيس الراحل محمد أنور السادات الاستفادة من هذا الموقف، فقد تعامل معه بذكاء، فحقق مكسبين، الأول عسكري في نصر أكتوبر، والثاني سياسي في توقيع اتفاقية السلام.
* الألوية العشرة
* ما هو سر التفوق الذي يتمتع به العاملون في شرطة دبي وخاصة الأوائل منهم؟
ـ الشرطة مدرسة تعلّمت فيها وترعرعت داخلها منذ الصغر، وكنت أحب عملي بشكل كبير، فأعمل منذ الصباح الباكر حتى ساعات متأخرة من الليل، ولم يتوقف العاملون في شرطة دبي عند حد معين من المعرفة، وإنما قام كل منهم بتطوير نفسه بشكل مستمر حتى أصبحت تضم نخبة من الخبراء، بل إن الألوية العشرة المتقاعدين يشكلون نحو 350 سنة خبرة في العمل الشرطي، حيث أمضى كل واحد منهم 35 سنة من عمره في هذا المجال.
وكان بعض رجال الشرطة في ذلك الوقت ينظرون إلى آفاق بعيدة، وبالرغم من أن أفكارهم آنذاك لم تكن قابلة للتطبيق، إلا أنها أصبحت بعد ذلك واقعاً مطلوباً، وكان من هؤلاء العقيد عبدالله بالهول، كما تأثر العاملون في الشرطة بفكر وتوجيهات قيادات دبي الحكيمة الذين وفروا الخدمات اللازمة والإمكانات كافة التي يحتاجها العمل الشرطي، ولم يكن الدعم قاصراً على الجوانب المادية، وإنما كان في النواحي المعنوية أيضاً، لذلك أصبحت شرطة دبي تملك عناصر غير موجودة في العالم العربي ككل.
واستمرت مسيرة التعليم داخل الشرطة، فكانت الانتدابات للضباط للتعليم في الخارج من مختلف التخصصات مما أثرى جهاز الشرطة بالخبرات العلمية المتفوقة.
* ماذا تقول لأبنائنا الطلاب والشباب.. وما هو سر النجاح الذي يمكن أن تقدمه لهم بعد هذه الخبرة الطويلة؟
ـ نتمنى أن يحذو الشباب حذو الآباء والأجداد ويتمسكوا بالقيم والتقاليد الراقية التي يتمتع بها الوطن، وأن يقدر الأبناء التعليم والمعلمين ولا يعتقدوا أن الإنسان الحاصل على شهادة ناجح، بل إن النجاح الحقيقي هو الإنجاز والانضباط في العمل والعطاء والتفاني وتقدير الخدمات التي يقدمها لنا الوطن، وعليهم أن يسعوا إلى الحفاظ على السمعة الطيبة التي تتمتع بها الدولة في كل مكان.
* نكسة يونيو
في عام 1967 خرج الشباب في مسيرات سلمية متعاطفين مع قضايا القومية العربية والحكومة المصرية على هذه النكسة، التي أصابت العرب جميعاً، في الوقت نفسه كنا كمسؤولين في الشرطة متعاطفين جداً مع هذه الأصوات.
وكنا نتعامل مع الشباب المتظاهرين انطلاقاً من القواعد الراسخة التي أرسى دعائمها أصحاب السمو الشيوخ وسياستهم في التعامل والتي كانوا يؤكدون عليها دائماً في أن هذا البلد للجميع، ولابد أن يعيش فيه الكل في محبة وسلام، فلم يكن القمع يوماً وسيلة للقضاء على هذه المظاهرات، وإن كنا نتواصل معهم ونوجههم بحكمة بعيداً عن الانفعال.
وفي الوقت نفسه يتمتع أهل الإمارات بطيبة وهدوء، فهم ليسوا شعباً دموياً أو مخرباً، وإنما هم شعب محب للسلام، يستجيب للتوجيهات، لذا مرّت الأزمات بسلام دون حدوث أي توتر ودون منع الناس من التظاهر والتعبير عن رأيهم.
رمضان العباسي