فترة حساسة تلك التي يمر بها الطفل عندما يلتحق بالمدرسة لأول مرة في حياته، وكذلك الحال بالنسبة لولي الأمر، فلا شك أن الانفصال عن المنزل والحرمان من الدفء العائلي ولو لفترة بسيطة هو أمر شديد الصعوبة يترتب عليه تغيرات نفسية لدى الطفل لا يمكن الاستهانة بها على الإطلاق.
إن تلك الفترة تمثل بداية مرحلة الاستقلال في حياة الطفل، وهي المرحلة التي ينبغي لولي الأمر أن يوليها اهتماما كبيرا حتى تنعكس إيجابا على السنوات التالية في حياة طفله، في معظم الحالات يشعر الطفل بنوع من السعادة والانتعاش عند ارتداء الزي المدرسي للمرة الأولى، ولكن في حالات أخرى يصاب الطفل بحالة من الدهشة والخوف تدفعه إلى البكاء والعويل لمجرد شعوره بالانفصال عن حضن أمه وأبيه.
ومن هذا المنطلق يتعين على الآباء والأمهات أن يعملوا على تطوير الإحساس بالأمان والثقة بين الطفل والأطراف البالغة الأخرى التي يتعين عليه التعامل معها ولاشك أن تجربة الاحتكاك بالغير في بداية الحياة المدرسية تعد من أصعب التجارب على عدد كبير من الأطفال.
فبعض الأطفال يستمرون في البكاء طيلة شهر كامل بعد التحاقهم بالمدرسة. ولا يمكن أيضا تجاهل حالة الارتباك العاطفي والنفسي التي تصيب المرء عند التحاق ابنه بالمدرسة لأول مرة، كل ذلك القدر من عدم الاتزان النفسي هو أمر طبيعي سواء من جانب الأبوين أو من ناحية الأطفال بل أنه دليل على أن الطرفين يشعران بارتباط وثيق بينهما.
وفي هذا الصدد أبرزت دراسة أميركية حديثة الأهمية الخاصة ببناء علاقة طيبة بين الأبوين والمدرسة من أجل مصلحة الأبناء.. تشير الدراسة إلى أن هذا النوع من العلاقة، أي تلك العلاقة التي ينبغي تأسيسها مع المدرسة، هو الأصعب والأكثر تعقيدا في حياة الطفل لاسيما وأن له أثر مباشر على حياة الطفل في مراحل لاحقة.
وتوضح الدراسة أن الآباء والمدرسين عادة ما يجدون أنفسهم متورطين في علاقة متناقضة، بمعنى أن كل طرف منهما يشعر بأن له دوراً مخالفاً للدور الذي يلعبه الطرف الآخر فيما يتعلق بتربية الطفل، و في الوقت الذي لا يكون فيه هناك أي خاسر في حال وجود علاقة ايجابية بين المنزل والمدرسة، فإن الطفل دائما ما يكون هو الخاسر الوحيد عندما تسوء تلك العلاقة أو تأخذ منحى سلبيا.
وتفيد الدراسة بأن أحد الأساليب التي يمكن من خلالها وضع أسس علاقة ايجابية بين البيت والمدرسة، على الأقل في ذهن الطفل، هو أن يمتنع الأب أو الأم عن الإشارة بالضمير الغائب «هم» عند الحديث عن المدرسة أو المدرسين مع الطفل مهما كانت سنه.
وتبين الدراسة أن الضمير الغائب هنا يولد شعورا لدى الطفل يفيد بأن هناك طرفين يتنازعان على ملكيته :المدرسة والمنزل ، الأمر الذي يكون له أثر سيء على التركيبة النفسية للطفل، وتوصي الدراسة في هذا الصدد باستخدام الضمير «نحن»، وهو ما يعني إعطاء الطفل الانطباع بأن البيت مشارك فاعل في العملية التعليمية نفسها التي تديرها المدرسة خارج إطار المنزل.
وتوضح الدراسة في هذا الشأن أن الأمر يرجع إلى البيت في المقام الأول ورغبة الأب والأم فيما يتعلق ببناء علاقة ايجابية مع المدرسين وإدارة المدرسة، وتؤكد الدراسة أن بناء علاقة ايجابية في هذا الخصوص هو أمر من شأنه أن يترك أثرا جيدا على نفسية الطفل ومدى استيعابه للمواد المدرسية.
و تسرد الدراسة عددا من الأساليب التي يمكن من خلالها إنماء علاقة ايجابية مع المدرسة من قبل الآباء والأمهات ، أولى تلك الوسائل التي توصي بها الدراسة هي أن يتعرف ولي الأمر على المدرسين وطاقم المدرسة الذين يتعين على الطفل التعامل معهم يوميا فتلك الخطوة تعتبر ذات أهمية حيوية على الأقل من وجهة نظر الطفل.
هناك ما بين 100 و200 شخص في المتوسط سيتوجب على الطفل التعامل معهم أثناء سنوات مدرسته، ولا ريب أن وجود نوع من الصداقة بين أبيه أو أمه مع هذا العدد من المدرسين والاختصاصيين سيكون له أثر مفيد جدا على مستوى تحصيله الدراسي.
وتوصي الدراسة في هذا الشأن ولي الأمر بالذهاب ولو مرة شهريا إلى المدرسة من أجل توطيد العلاقة مع تلك الأطراف التي تلعب دورا أساسيا في تنشئة طفله.
وتشدد الدراسة أيضاً على الحفاظ على قنوات اتصال ايجابية مع هؤلاء المدرسين الذين قد يشعر الطفل معهم بشيء من الصعوبة أو عدم القدرة على التكيف، وتوضح الدراسة في هذا الصدد أن اكتساب ود هؤلاء المدرسين هو أمر في غاية الأهمية للطفل من شأنه أن يفرز نتائج مبهرة إذا تم على الوجه الأمثل لأن الأمر في تلك الحالة يعني التغلب على عائق كبير قد يكون بمثابة حجر العثرة الذي قد يحول بين الطفل والتحصيل الدراسي السليم.
وسيلة أخرى عرضت لها الدراسة تتمثل في المشاركة بايجابية في أنشطة المدرسة من قبل أولياء الأمور، لاسيما تلك المتعلقة بلجان اتخاذ القرار ووضع خطط لأساليب التعامل مع الطلبة والتلاميذ.
فمثل تلك الاجتماعات من شأنها المساعدة على توفير مناخ مناسب للدراسة إذ إنها تجمع عددا كبيرا من الأطراف المشتركة في هدف واحد وهو رسم خريطة ايجابية للعملية التعليمية.
أمر آخر تعرض له الدراسة يتمثل في عدم إبداء اعتراض على أنظمة المدرسة أمام الطفل والحرص دائما على تأييد سياسة المدرسة وأنشطتها، وحتى في حالة عدم الاتفاق مع الآلية التي تتبناها المدرسة أو القرارات التي تصدر عنها، فإن ولي الأمر لا ينبغي له التعرض لتلك القرارات بالنقد تحت سمع وبصر الطفل لأن هذا الأسلوب يولد شعورا سيئا لدى الأخير يجعله غير مستعد لتقبل أي قرار يُفرض عليه من جانب المدرسة .
وفي حالة الاختلاف مع المدرسة فيما تتخذه من قرارات فإن ولي الأمر مطالب بأن يذهب إلى المدرسة ويناقش الأمر مع الإدارة هناك من دون أن يعلم الطفل شيئا في هذا الصدد، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق فإنه يتعين على ولي الأمر أن يلتزم بكل ما تأتي به المدرسة من قرارات وتوضيح هذا للطفل بشكل أو بآخر.
يتعين على ولي الأمر أيضا «أن يُعلم الطفل كيف يعبر عن شكره للمدرس ولكل من يسدي له خدمة من طاقم التدريس؛ حيث إن مثل هذا السلوك عادة ما يكون له وقع طيب على المدرس المعني.
وفي هذا الصدد تتعرض الدراسة إلى العلاقة بين ولي الأمر والمدرسين الخصوصيين الذين قد يلجأ إليهم ولي الأمر في حال أن يكون الطالب في حاجة لمساعدة أضافية في بعض المواد المستعصية عليه. وتوصي الدراسة بعقد اجتماعات منتظمة مع هؤلاء المدرسين والتعرف دائما من خلالهم على نقاط القوة والضعف لدى الطفل.
وتعرض الدراسة لعدة معايير من شأنها مساعدة ولي الأمر على انتقاء المدرس الخصوصي المناسب لطفله حتى يكون القرار صائبا من البداية .
وتوصي الدراسة في هذا الصدد بأن يكون هناك لقاء بين ولي الأمر والمدرس الخصوصي قبل الاتفاق على الحصول على خدماته، هذا اللقاء ينبغي أن يشتمل على طرح عدد من الأسئلة على المدرس من أجل التيقن مما إذا كان يصلح فعليا للطفل أم لا، لاسيما أن هناك مدرسين قد ينجحون مع أطفال ويفشلون مع آخرين لمجرد أنهم لا يستطيعون التعامل مع شخصية الطفل على الرغم من إمكاناتهم التدريسية الجيدة.
من ضمن تلك الأسئلة الاستفسار عن الأسلوب الذي ينتهجه في الدراسة وكيفية لجوئه لأسلوب الثواب والعقاب وما إذا كان أسلوبه يتماشى من التركيبة النفسية للطفل أم لا، وتشدد الدراسة على أهمية المتابعة المستمرة من جانب المنزل لمستوى الطفل وما يحققه من تقدم لاسيما في سنوات دراسته الأولى.
حاتم حسين