كشف تقرير لجان تطوير التعليم الديني أن المناهج المطبقة حالياً في المعاهد الدينية تشكل عقبة كبيرة لأنها غير منهجية وليست موحدة، وأنها لا تتمتع بأية استقلالية كمدارس التعليم الفني التي كانت تتبع الإدارة المركزية في وزارة التربية والتعليم إضافة إلى عدم الوعي بأهميتها، ما أدى إلى تراجع إقبال المواطنين والوافدين عليها بالرغم من أهمية التعليم الديني.

كما كشف التقرير أن العلوم الشرعية التي تدرس بهذه المعاهد تعاني من الحشو والتكرار ولا تواكب المتغيرات الحديثة ما يستوجب تطويرها، مع تعديل نصاب الحصص الذي يخضع للاجتهاد دون وجود لوائح تحدد عدد الحصص، ولا يحصل الطلبة على شهادات دراسية، مما يجعلهم سواسية مع طلبة التعليم الخاص الذين تدنى اهتمامهم بالتعليم الديني.

أشار التقرير الذي حصل «الجيل» علي نسخة منه لإلى أن الواقع الحالي للمعاهد الدينية في الدولة يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر قبل التطوير، وخاصة بالنسبة لمواد العلوم الشرعية لأن هذه المواد جامدة منذ فترة طويلة.

ولم تقم على وثيقة منهجية متخصصة وأن كتبها بها حشو كبير من المعلومات المكررة، ولا تواكب الحداثة في العرض والأسلوب والنمطية والتقليدية وخاصة كتب الأصول والأحكام، كما أن منهج الفقه يدرس على ثلاثة مذاهب منفردة في الدولة، ما يعرض الطلبة لتجسيد فكرة الاختلاف والفرقة دون أسباب جوهرية تقتضي ذلك.

* عدم استفادة الطلاب... وأشار التقرير إلى أن درجات التقويم في العلوم الشرعية اجتهادية وغير رسمية، حيث تخضع للزيادة والنقصان حسب توجه كل معلم، وكما تخضع الخطة الدراسية لنصاب الحصص في تلك المواد إلى الاجتهاد، وهناك خمس مواد شرعية تفرض على الطالب من الصف السابع، وحتى الحادي عشر أدبي وعلمي، ثم ينقطع عن تدريسها في الصف الثاني عشر في كلا القسمين دون ان تثبت له في استمارة الشهادة الثانوية العامة كوثيقة رسمية ما يجعله يتساوى مع أي طالب في مدرسة ثانوية بالتعليم الخاص.

ومن ناحية أخرى فإن مثل هذه النهاية لا تفيد الطالب بأنه درس علوماً شرعية وخصوصاً طلبة البعثات الدراسية بالمعهد الإسلامي في العين، حيث يعانون من هذه المشكلة لأنهم يرجعون إلى أوطانهم غير حاملين للشهادة الشرعية التي جاؤوا من أجلها، كما يتساوى في ذلك تدريس العلوم الشرعية كماً ونوعاً في التعليم الأساسي والثانوي في المعاهد الدينية في الوقت الحالي دون مراعاة الفروق الفردية وسن المراهقة بين الطلبة في المراحل العمرية في المرحلتين الدراسيتين ذاتهما.

وطالب المشاركون في لجان تطوير التعليم الديني بضرورة تقنين الاختبارات الفصلية للعلوم الشرعية من أجل توحيدها بين المعاهد الدينية الموجودة في الدولة، ووضع نماذج للاختبارات من أجل التدريب عليها والبدء بها اعتباراً من العام الدراسي المقبل.

كما طالب الموجهون بضرورة تحليل المناهج الحالية ومقارنتها مع التربية الإسلامية واللقاء بمعلمي المعاهد الدينية للاستئناس بآرائهم ووضع معايير للورقة الامتحانية ونماذج للتجريب قبل بدء التطبيق الفعلي بالإضافة إلى وضع آلية محددة لتوزيع الدرجات على ورقة الإجابة والاتفاق عليها وعدم ترك الأمر للأهواء الشخصية.

* المناهج تشكل عقبة

وذكر التقرير ان قسم التعليم الديني في وزارة التربية والتعليم تبنى مشروعاً وبرنامجين من بينها مشروع التطوير، مشيراً إلى أن المناهج تشكل عقبة لأنها غير منهجية وغير موحدة بشكل كامل لذا فمن الضروري توحيدها بعد تعديلها.

كما أكد التقرير على عدم بدء عمليات التطوير من الصفر لوجود دراسات سابقة ومتعددة في هذا المجال يمكن الاستعانة بها وبتجارب الدول الخليجية الأخرى مثل الكويت والبحرين والأزهر الشريف في مصر، بحيث يتم تشكيل فريق عمل للسفر إلى هذه البلاد للاطلاع على تجاربها ودراستها على أرض الواقع.

* تراجع الإقبال على التعليم الديني

وبالنسبة لمواد التعليم العام أوضح التقرير أنه يفرض على طالب المعهد الديني دراسة جميع المواد الدراسية المقررة في المرحلتين الإعدادية والثانوية بمدارس التعليم العام بالموضوعات نفسها وأنصبة الحصص، بجانب دراسته للمواد الشرعية الخمس دونما استثناء أو تمييز لطالب المعهد عن غيره من طلبة التعليم العام، مما يشكل عبئاً دراسياً ضاغطاً على طالب المعهد، إما باستمراره بالبقاء أو انتقاله إلى مدرسة أخرى.

كما أن من أهداف إنشاء المعاهد في الدولة (ترسيخ وتعميق المفاهيم الإسلامية في نفوس الناشئة وتزويدهم بثقافة إسلامية واسعة الأفق)، وهي أولاً وأخيراً لأبناء الدولة ومواطنيها.

ولكن الواقع أن المعاهد الدينية تضم في صفوفها الدراسية طلبة من المواطنين والوافدين، بل وغير العرب، وهذه ظاهرة صحية تحقق هدفاً عاماً يترجم الغاية من إنشاء هذه المعاهد، إلا أنه بالدرجة الأولى يجب أن يتحقق هدف التوطين قبل غيره من الأهداف، وهذا على أرض الواقع غير متوفر.

إذ ان نسبة الطلبة المواطنين إلى الوافدين تشكل ما بين 25 ـ 30 في المئة من إجمالي أعداد الطلبة في المعاهد الدينية، قابلة للانخفاض سنوياً، وإذا استمرت المعاهد على هذا الواقع فسوف تواجه بعاملين سلبيين هما:تزايد عزوف الطلبة المواطنين عن الالتحاق بالمعاهد، وانخفاض أعداد الطلبة عامة (وافدين ـ مواطنين)الملتحقين بالمعاهد نتيجة قرار عدم قبول أبناء الوافدين بالمدارس الحكومية.

ونتيجة لهذين العاملين فسوف يؤول الأمر بها إلى الإلغاء أو التحويل إلى مدارس تعليم عام فقط. وذلك بناء على الدراسة التي أجرتها اللجنة وفق الجداول الإحصائية المعدة من قسم التعليم الديني المرفقة .

* الوضع الإداري

وأفاد التقرير أن المعاهد الدينية تتبع إدارياً وفنياً المناطق التعليمية الواقعة فيها جغرافياً، وهذا الوضع بقدر ما فيه من إيجابيات إلا أنه لا يسلم من سلبيات كثيرة، من أهمها:أن الوزارة والمنطقة التعليمية تتعامل مع هذه المعاهد كأية مدرسة من مدارس التعليم العام، من حيث تطبيق اللوائح والنظم المتعلقة بالشؤون الإدارية والفنية على مستوى الإدارة المدرسية والهيئة التعليمية والطلبة.

ولا تجد المعاهد نوعاً من التمييز أو الاستثناء في أنصبة المعلمين من الحصص ويسري عليها نظام الانتداب والنقل من وإلى المعهد بصورة مستمرة، كما لا تتمتع المعاهد الدينية باستقلالية مثل مدارس التعليم الفني التي كانت تتبع الإدارة المركزية بالوزارة مباشرة، مما وحد الرؤية فيما بينها وجعل لها نظاماً لائحياً خاصاً بها.

وتعاني من عدم وجود توعية كافية بأهمية هذه المعاهد ودورها في إعداد النشء إعداداً دينياً وسلوكياً متميزاً، الأمر الذي يجعل إقبال الطلبة المواطنين على هذه المعاهد ضعيفاً للغاية، ورغم هذا الواقع، تبقى المعاهد الدينية ذات طابع متميز في نتائج طلابها وسلوكياتهم إلى جانب ما تتصف به من بيئة تربوية ناجحة يحصد فيها طلابها مراكز التفوق على أقرانهم من طلاب مدارس التعليم العام بصورة مستمرة.

وعلى مدار العام الدراسي، مما يجعل الاهتمام بهذه المعاهد أمراً ضرورياً ومطلباً ملحاً نحو التطوير في موادها وبرامجها والتوسع في إعدادها لتشمل البنين والبنات في كل المناطق التعليمية في الدولة.

* معهد لكل منطقة

وأكد التقرير أن الهدف من تطوير التعليم الديني هو بناء الشخصية المسلمة الواعية بمصير أمتها الإسلامية والعربية، وغرس القيم الإسلامية وفهم تعاليم الدين الحنيف فهماً صحيحاً بعيداً عن التعصب والتطرف، وتحسين عناصر الجودة والنوعية في النظام التعليمي الديني وتطوير طرق التدريس والوسائل التعليمية وأساليب تنظيم المعاهد لتوفير بيئة تعليمية جاذبة ومحفزة وتطوير المناهج لمواكبة المخرجات التعليمية الحديثة.

وجعل نظام التعليم الديني منفتحاً في قنواته ومتكاملاً مع التعليم العام والتعليم العالي معاً، وتخريج طلبة حملة شهادة دبلوم الثانوية الشرعية وتوسيع رقعة المعاهد الدينية، بحيث يكون في كل منطقة تعليمية معهد ديني، وتخريج طلاب متخصصين في الإمامة والخطابة والدعوة والإرشاد.

كما طالبت لجنة التطوير بضرورة تشكيل لجنة خاصة من الجهات المختصة في الوزارة لتقييم الدراسات المقدمة من إدارات المعاهد للخروج بخطوات إجرائية تصب في مجال تطوير هذه المعاهد وضرورة الاطلاع على تجارب الدول والمؤسسات ذات الطبيعة المشابهة للمعاهد الدينية القائمة في الدولة للاستفادة منها .

* توحيد التوجيه الديني

كما طالب بإعداد وثائق لمناهج العلوم الشرعية المطورة وإعداد خطة متوازنة بين مواد التعليم العام والعلوم الشرعية، فيما يتعلق بالأوزان النسبية وأنصبة الحصص لكل المواد الدراسية التي تدرس في المعاهد والاستمرار في دراسة الأسس والمعايير التي تحدد مجالات التطوير وإعداد لوائح خاصة بالمعاهد الدينية تتعلق بالقيد والقبول والتقويم والامتحانات وطلاب المنح الدراسية والعمل على توسيع رقعة المعاهد الدينية في الدولة لتشمل البنين والبنات في كل منطقة تعليمية بمستوى معهدين على الأقل.

وضرورة الموافقة على اقتراح إدارات المعاهد القاضي بتوحيد التوجيه الفني في العلوم الشرعية للمعاهد الثلاثة، بما تقتضيه المصلحة العامة وما يتفق مع رؤية التطوير حول المتابعة الفنية والتدريب لمعلمي هذه المواد، كما يجب أن يتم تعيين مدرسي المعاهد عن طريق قسم التعليم الديني للمحافظة على توفير الخبرة والتخصص إلى جانب الصفات اللائقة في مدرسي هذه المعاهد.

واستطاعت لجنة تطوير التعليم الديني التي تم تشكيلها بقرار إداري العام الماضي أن تقدم تشريحاً لواقع التعليم الديني في الدولة والمشاكل التي يعاني منها،وتقديم دراسة تقييمية شاملة ووضع أسس ومعايير للتطوير.

وتضم اللجنة كلاً من حسين معين الحوسني رئيس قسم التعليم الديني في وزارة التربية رئيساً، وعضوية عبدالواحد الكمالي رئيس قسم تنظيم وتطوير التعليم العام، وعبدالله الكمالي موجه أول التربية الإسلامية، وسالم راشد تريس مدير المعهد الإسلامي في عجمان، وإبراهيم الأنصاري من مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية، بالإضافة إلى عدة لجان فرعية أخرى تضم كل منها عدداً من الموجهين والقائمين على التعليم الديني في الدولة.

وتنتظر هذه اللجان توجيهات معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم لاستكمال مشروع التطوير وخاصة أن التعليم الديني لم يعد محل اهتمام العاملين في الميدان التربوي فقط وإنما أصبح محل اهتمام الساسة أيضاً.