«القريب البعيد» باب نطل من خلاله على تجارب الآخرين في أماكن ودول أخرى، نثري من خلاله الميدان التربوي بفئاته وشرائحه، وما يعرض له قد يكون بعيداً عنا لكنه قريب بأفكاره وطروحاته وتجاربه مرادف لما نسعى إليه، ومن المؤكد أن ذلك سيسهم في تقديم ثروة إثرائية تفيدنا وتدفعنا قدماً لمواكبة العصر ومستجداته.
تنتشر في الغرب، أنظمة تعليمية تختلف عن المطبقة في بلداننا، ويناسب بعضها ثقافتنا العربية والإسلامية والبعض الآخر لا يناسبنا من الناحية الثقافية أو الإمكانات المادية أو الظروف الاجتماعية، ويبرز التعليم المنزلي كبديل لأنظمة التعليم الحكومية أو مكمل لها يعتمد هذا على مناهج تعليمية من اختيار أولياء الأمور والإدارات التعليمية المعنية بالاشتراك مع الطالب أو الطفل، إضافة إلى دورات تدريبية في المنزل لصقل المهارات المطلوبة للدراسة.
وفي أحيان كثيرة يكون ولي الأمر مسؤولاً بشكل مباشر عن تعليم الطفل، الأمر الذي يتطلب منه أن يكون مدرسا أو يعمل في حقل التعليم، وفي حالات أخرى يختار مدرسين خصوصيين لتعليم الطفل في المنزل، وفي تلك الحالة ينبغي أن تتمتع العائلة بخلفية تعليمية تمكنها من المتابعة حيث يقوم ولي الأمر في هذه الحالة بدور البيت والمدرسة في آن واحد.
وتعترف الحكومات الغربية رسميا بهذا النوع من التعليم؛ أي أن الطفل الذي يجتاز الاختبارات اللازمة في نهاية الدورة التعليمية التي يتلقاها في المنزل يحصل على شهادة تعليمية معترف بها، ويمكن ان يستكمل تعليمه بهذا الشكل حتى يلتحق بالجامعة.
وعلى الرغم من أن هذا النظام لم يطبق في بلداننا العربية بعد، إلا أنه من المفيد عرض تلك التجربة، على الأقل للآباء والأمهات في المنازل عندما يكونون في حاجة إلى صقل المهارات التعليمية للأطفال والارتقاء بمستواهم المدرسي، في الصيف أو خلال الدراسة.
وترجع الأسباب التي تدفع أولياء الأمور في الخارج إلى هذا التعليم. في كثير من الحالات إلى شعورهم بالخوف على سلامة الطفل لأن يكون محل الإقامة في منطقة غير آمنة أو لعدم الرضا على مستوى التعليم المقدم للطفل في المدارس المحيطة بمحل الإقامة.
فعدد كبير من العائلات يشعر بقلة الحيلة وعدم القدرة على التصرف عندما يفاجأ بالضغط النفسي على الطفل عندما تطلب المدرسة وضعه تحت رعاية خاصة في المنزل وإعطائه أدوية بعينها من أجل السيطرة على توازنه النفسي.
*البراءة من التهم
وقد يكون الطفل بريئا من التهم المنسوبة إليه خاصة عندما يكون هناك تكدس في الفصول التعليمية ولا يجد المدرس الوقت الكافي للارتقاء بمستوى الطالب التحصيلي. ولذلك فإن التعليم المدرسي يمنح العائلة فرصة تعليم الأبناء من دون أي خوف أو قلق قد يساورهم في هذا الشأن.
وقد أوردت دراسة أميركية حديثة الفوائد التي يحملها هذا النوع من التعليم سواء للطالب أو لولي الأمر، وهي أن أعضاء العائلة يجدون وقتا طويلا للتحدث وتبادل الأفكار في مجال اهتماماتهم، الأمر الذي يساهم في تكوين علاقات أقوى من تلك التي تنشأ عندما يقضي الطفل معظم وقته خارج إطار المنزل في المدرسة أو في حضور الدروس الخصوصية.
توضح الدراسة أن نمو العلاقة بين الطفل وولي الأمر هو أمر في غاية الأهمية بالنسبة للتوازن النفسي للطفل وثقته في نفسه، فالطفل في سن المراهقة يكون في أمس الحاجة إلى علاقة قوية وايجابية مع عائلته، حتى يستطيع التعامل مع الضغوط المرتبطة بهذه السن.
وأن قضاء الأب أو الأم جانبا كبيرا من اليوم برفقة الأطفال يساعدهم بشكل كبير على الإحاطة بالمشكلات التي يقابلها الولد أو البنت أثناء تلك الفترات الحساسة من الحياة، ومن ثم العمل على احتواء المشكلات قبل أن تستفحل وتخرج عن نطاق السيطرة. فالقضايا والمشكلات السلوكية تكون عادة من الأفضل معالجتها بهدوء بعيدا عن أعين الزملاء في المدرسة أو في أي مكان آخر.
*المربي والمعلم
فائدة أخرى تتمثل في أن الوالد عندما يقوم بدور المربي والمعلم في الوقت ذاته تكون لديه الفرصة في أن يتعرف على مواطن القوة والضعف الموجودة لدى الطفل وبالتالي يتمكن من علاج أي قصور ويستطيع أن ينمي المواهب الموجودة لدى الطفل في مراحل تكوينه التعليمي.
وتتطرق الدراسة إلى الجانب الأكثر أهمية بالنسبة لنا في البلدان العربية والنامية التي لا تطبق فيها، مثل تلك الأنظمة التعليمية، وهذا الجانب يتمثل فيما إذا كان من الممكن الجمع بين التعليم المدرسي والمنزلي بنجاح، وتقول الدراسة إن هناك إمكانية كبيرة للجمع بين هذين النظامين بشكل ناجح يعود بالنفع على الطفل وعلى العملية التعليمية بشكل عام.
وتعرض الدراسة للوسائل التي يمكن من خلالها أن يحدث تكامل بين هذين النوعين من التعليم، أولها أن يلجأ ولي الأمر الذي يختار هذا النوع من التعليم لأبنائه إلى فتح قنوات تواصل بينه وبين إدارة المدرسة التي يدرس فيها الطفل ويحاول التنسيق في هذا الشأن وذلك حتى يكون هناك نوع من التكامل الدراسي بين المنزل والمدرسة.
هذا التنسيق بين الجانبين يمهد الطريق أمام التعرف على العائلات التي قد تنتهج المجال نفسه ومن ثم أمام تبادل الخبرات والتجارب من أجل صالح الطفل، ولاشك أن التفاعل بين الأطراف المختلفة من شأنه أن يشجع التلاميذ المعنيين بالأمر.
الوسيلة الثانية التي تعرض لها الدراسة في هذا النطاق هي التفاعل بين أولياء الأمور وأمناء المكتبات المتاحة في المنطقة، حيث أنه بإمكان أمناء المكتبات أن يلعبوا دورا ايجابيا في هذا الشأن لاسيما فيما يتعلق بمد الطالب بالكتب التي تساعده على مسايرة مناهج الدراسة بشكل مناسب، كما أن أمين المكتبة يمكن أن يساعد العائلة على التعرف على الكتب التعليمية التي قد يستفيد منها الطالب في مشواره الدراسي.
وتبين الدراسة أن ولي الأمر الذي يقرر الإقدام على تلك التجربة ليس بالضرورة أن يكون مدرسا معتمدا أو لديه شهادات تعليمية معترف بها حتى يمكنه إفادة طفله بالشكل المطلوب وإنما يشترط أن تكون هناك الرغبة القوية لمنح الطفل القدر المناسب من التعليم داخل المنزل.
وتشير الدراسة إلى أنه بناء على عمر الطفل فإن ولي الأمر يمكنه اللجوء إلى الأشرطة المدمجة والكمبيوتر كأفضل وسيلة يمكن من خلالها البدء في تلك التجربة التعليمية، وأن تلك الوسائل الحديثة في التعلم تساعد على تنمية روح الإبداع لدى الطفل وتدفعه إلى إخراج كل ما لديه من طاقة.
*قراءة القصص
وتضيف الدراسة أن قراءة القصص بمختلف أنواعها هي أحدى الوسائل الأخرى التي يمكن من خلالها غرس حب التعليم في نفوس الأطفال بعيدا عن الأجواء المتوترة للمدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى. فمن خلال تلك القصص يمكن للطفل أن يتعرف على أساسيات المعرفة وأدب السلوك وينتقل منها بالتدريج إلى تفاصيل العلوم المتقدمة والاكتشافات العلمية ومعرفة التطورات الأخيرة في مختلف المجالات.
ولا تغفل الدراسة كذلك أهمية الوسائل المرئية والسمعية في العملية التعليمية بوصفها من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها اكتساب المعلومات بشكل سريع وممتع، حيث تورد عدداً من المحطات الفضائية التي تقدم العديد من البرامج الهادفة التي يستطيع من خلالها الطفل اكتساب الكثير من المعلومات، مثل قناتي Animal Planet و Discovrey .
ونخلص في هذا الصدد إلى القول إنه على الرغم من أن هذا النظام التعليمي ليس له وجود في بلداننا العربية إلا أننا يمكنا الاستفادة من معطياته بشكل أو بآخر من أجل الارتقاء بالمستوى التعليمي لأطفالنا.
حاتم حسين