أنامل صغيرة تداعب آلات وأجهزة ليست بسيطة، وبعيون بريئة محدقة يتطلعون إلى معلميهم ليقلدوهم في ما يفعلون، ولا يتردد أحدهم في أن يحمل ما بحوزته من أجزاء وآليات بسيطة ويتقدم إلى المدرس ليسأله ماذا عن الخطوة المقبلة.
ومتى سيكون مشروعه منجزاً، وأيادٍ أخرى لا تقل نضارة تحاول بحركات بسيطة رسم ما يحلو لها من الإبداع الطفولي، هذه المشاهد وغيرها الكثير تجدها في نادي الإمارات العلمي في دبي، وتحديداً في قسم «الشطار الصغار» الذي يضم أطفالاً من كلا الجنسين، من أعمار 7 ـ 11 سنة.
هذا النادي التابع لندوة الثقافة والعلوم، وهي جمعية ذات نفع عام يموّلها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، يجتمع فيه الأطفال في كل يوم صباحاً بتوزيع محدد للذكور والإناث، ويذهبون في خمس مجموعات، بتناوب منظم، وهذه المجموعات هي:
النجارة والالكترونيات والحاسوب والخط العربي و«الشطار الصغار»، وفي كل مجموعة يوجد مدرّس متخصص، يتابع معهم أدق التفاصيل ويعلمهم بصبر وعناية، والهدف الأسمى تخريج طلاب متمكنين من العمل اليدوي ويملكون مهارات مختلفة تساعدهم في التأهل للإبداع والاستمرار.
وفي قسم النجارة لكل طفل أدواته الخاصة يعمل فيها بقدر من الأمان والمتابعة اللصيقة، وجميعهم يحاول بهذه الأدوات صناعة الأشكال المفضّلة عندهم، وتطبيق ما يرسمونه خيالاً على أرض الواقع، وفي عناية وبطء الأصابع الصغيرة يدوّرون قطعهم وينشرونها، ويستمتعون مع أول مناظر صناعتهم، وبكل فخر يرتب كل منهم أدواته ومنجزاته، ليستكمل العمل فيها في الحلقة المقبلة، والإرادة والتصميم شعارهم حتى يتعلموا أكبر قدر ممكن من الحركات التي ينسجمون معها، ربما لبراءة الطفولة عندهم.
أجهزة تسبق اعمارهم
أما الجناح الثاني، فلا يقل أهمية عن سابقه، بل إن الأطفال على صغر أعمارهم يجدون المتعة والفائدة في استعمالهم وتعرفهم على أجهزة قد تسبق أعمارهم. والتجارب البسيطة والتي اعتاد الأطفال أنفسهم على القيام بها في حركات جادة، من توصيل لأسلاك كهربائية، وتجهيز لمصابيح وآلات لحام، ربما ستكون فاتحة معرفة وأفق أوسع أمامهم ليخوضوا مع مثل هذه الأجهزة بشكل أوسع وأكثر إدراكاً مستقبلاً.
ومما لا شك فيه فإن هذه المرحلة ستشكل عندهم دافعاً كبيراً في التعمُّق أكثر في تخصص الالكترونيات، كمحطة استقطاب لعدد من تلك الأيادي العابثة ربما بأجهزة وأدوات أكبر وأقوى منهم، لولا وجود ذلك المدرّس الذي لا يملّ أو يكلّ في آن، يوفر لهم كل ما يستطيعون هضمه من معلومات.
الحاسوب ركن آخر يتعلّم من خلاله الأطفال قواعد أساسية في التعامل معه، وعلى الرغم من أن حجم الكمبيوتر يفوق حجم الطفل الذي يتسلّق كرسيه حتى يرى الشاشة، إلاّ أن معظم الأطفال لا يجدون صعوبة في قيادة تلك التقنية، ولا يتوقفون عن طرق أبواب المواقع المختلفة.
والتي على الأقل تضيف لهم آلية أخرى في سبيل الإبحار مع موجة التكنولوجيا، فلم يعد الكمبيوتر حكراً على جيل أو مستوى معين، وصار ابن الثمانية أعوام قادراً على استغلال هذا الابتكار على أكمل وجه، في نادي الإمارات العلمي.
ولا تقل أهمية تلك الزاوية التي يسير فيها الأطفال مع الخطوط العربية وتعلّمهم لفن الكتابة، ففي ركن الخط العربي يرسم أولئك الأطفال أروع ما ينطق به جيلهم من الخطوط، ونتيجة لجهد متواصل يتعلّم صغار النادي العلمي آلية سليمة في الكتابة من أجل تجميل ما ترسمه أناملهم، وتعويدهم وتدريبهم على التميّز دائماً.
ركن الشطار
ركن «الشطار الصغار» هو المحور الأخير والجديد الذي يتعامل معه الجمهور الصغير من الأطفال، ومن خلاله يتعرّفون على تجارب علمية مختلفة، وينفذون بأيديهم الصغيرة بعض تلك التجارب، التي يبدأ الطالب في التعامل معها في المرحلة الثانوية، مثل آلية عمل الفرامل والرافعات.
والتعرّف على وظائف أعضاء الكائن الحي، وغيرها من الأمور الكثيرة التي لا تصعب على «الشطار الصغار» إضافة إلى قيامهم أنفسهم بإعادة تركيب قطع وأجزاء إلكترونية صغيرة لتكوين آلية معينة أو جهاز مختلف، وكل الأيادي تعمل بلا توقف، أما عيونهم فأكثر ما تشدّها يدا معلمهم في صناعته لتلك الأجهزة والتجارب البسيطة.
وبالنسبة لنادي الإمارات العلمي فإنه يمثل جواً تعليمياً ليس بعيداً عن جو المدرسة، فيه النظام نفسه من الفسحة والراحة، ولكن الحصص يتناولها الأطفال في مجموعات وليس المدرّس، أما الاختلاف الأكبر فهو إعطاء هؤلاء الصغار أكبر مساحة ممكنة للعمل اليدوي، والتركيز الكبير منصب على التدريب العملي وليس النظري، وهو ما جعله يتميز في جذبه للصغار والكبار وأولياء الأمور أيضاً.
أما المجموعة الثانية، في نادي الإمارات العلمي فهي فئة من عمر 11 حتى 17 سنة، وهؤلاء لهم وقت محدد في المساء، ويكون أيضاً بنظام يوم للذكور وآخر للإناث، وما يتعلّمونه لا يقل أهمية وقيمة عما يفعله زملاؤهم الصغار، فهم يتدرّبون ويدرسون في مجالات متعددة: الكمبيوتر والفلك والإلكترونيات والنجارة والتصوير والزراعة والخط العربي والكهرباء والتبريد والتكييف.
في ذلك النادي ترتسم مشاهد كثيرة مغايرة عما اعتاد رؤيتها الآخرون، وطلاب المدارس على اختلاف أعمارهم لا يترددون في القيام بشتى الأعمال، والتي إن لم تؤهلهم علمياً وتدفعهم إلى إنجاز المزيد من المشاريع المفيدة، فإنها تخدمهم في التعامل مع بعض ما يلمسونه في حياتهم اليومية.
في هذه الدورة الصيفية في نادي الإمارات العلمي أبدى الجميع انسجاماً وتفاعلاً كبيرين، وفي كل ركن يتعلم الصغار ما لم يتعلمه غيرهم من تلك الأعمال اليدوية المختلفة، وأخرى تقنية والكترونية، وبكل تأكيد سيجد هؤلاء الصغار في نهاية المطاف ما يقرون به كمنتج.
النجارة ورشة أخرى للفئة هذه، فيها يتعاون الجميع في الحفر على الخشب، ونشره بأدوات ليست عادية، ثم ترتب تلك القطع المهملة لتنتج عنها بعض الأدوات المفيدة والجميلة والتي يتمتع صانعوها بالنظر إليها.
وغير بعيد في الساحة تجد مجموعة أخرى تحرث وتزرع، وتسير بكل ثقة حاملة الأدوات المتنوعة، والتي لم تعد تشاهد إلا في أيدي العمال الأجانب، ومن خلال هذه الأعمال يصر هؤلاء الأطفال على زراعة بعض النباتات، وتعلم كيفية خدمة الأرض والعناية بها.
ولا تقل أهمية أيادٍ ليست بالقوة الكافية تداعب مكيفاً ضخماً لتصلح ما فيه من خراب، ثم تضعه في مكانه صالحاً، وتلك لقطات مختلفة، على ما يبدو فضلها عدد كبير من الطلبة، والذين آثروا أن يكونوا أبطالها بدلاً من الجلوس في البيت، وفي النهاية يبقى المطلوب من ذلك الصغير أن يتعلم على الأقل كيف يتعامل مع تلك المشكلات التي تواجهه مستقبلاً، وإنجاز أفكار من الممكن أن يستفيد منها المجتمع.
هذه الأفكار جسدها مجموعة من الشباب الطلاب في كليات التقنية، والذين كانوا سابقاً من رواد النادي العلمي، أما اليوم فهم يسبحون في نفس البحر، ولكن بعمق أكبر، وينجزون بعض المشاريع في ركن الالكترونيات، والتي بكل تأكيد تساهم في التطوير والتحديث في مختلف الصعد، إذ انها مشاريع تؤهلهم للانتقال والمشاركة بها في مسابقات دولية.
محمد مصطفى، مدير نادي الإمارات العلمي، أكد أن النادي والذي يتمتع بإمكانيات لا يستهان بها، بفعل جهود الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، يهدف إلى رعاية الموهوبين من الشباب، واستغلال أوقات الفراغ عندهم، وتسليح طلبة المدارس بالعلم والتكنولوجيا، وهو مشروع مفتوح ويخدم الجميع، لا سيما أولياء الأمور من خلال الدورات التي تستهدفهم، فالنتيجة إيجابية والفائدة عامة.
عنان كتانة