كثر الحديث عبر شبكة الانترنت بين صفوف الشباب الذين يلجأون إلى غرف الدردشة، بحثاً عن علاقات مع طرف آخر، تكون جادة في أحيان قليلة، لأن معظمهم يريد علاقات وصداقات مشبوهة، يهرب معها من واقعه الذي يرفضه، فيقعون في المحظور.

ولعل التحذيرات والأخبار التي ترد عبر وسائل الإعلام نبهت الكبار والصغار من «الجنسين» من مغبة الانخراط في مثل هذه العلاقات التي تبنى على الوهم لأنها تعتمد على أسماء مستعارة ومعلومات مغلوطة، وقد ترتكب خلالها جرائم أخلاقية أو يحدث الكثير من المواقف الحرجة وصولا للنصب والابتزاز.

«الجيل» تجول في مقاهي الانترنت وسأل فتيات وشباناً عن رأيهم في «الدردشة الالكترونية» فتحفظت آراء بعضهم، وأيدها البعض الآخر مؤكدين أنها مسلية ومفيدة، وانكروا أضرارها التي وصلت إلى حدوث العديد من حالات الاغتصاب الالكتروني ، وهو ما حملنا لإعادة فتح الملف لننبه مرة أخرى للخطر.

الطالبة ميثاء أحمد تؤيد الدردشة عبر الانترنت وما ينتج عنها من علاقات على أن تكون في حدود الأدب وان تدور حول موضوعات مسلية واجتماعية فيها.

مشيرة إلى أن احد أهم فوائد التعرف على شخصيات بعيدة وغريبة هو تبادل المعلومات حول الثقافات وعادات الشعوب وفرصة لإعطاء فكرة صحيحة عن الشعوب العربية خاصة للدول الأجنبية التي تفهم العرب والمسلمين بشكل خاطيء، مؤكدة ان حوار الشباب هو مفتاح السلام والتوافق مع الآخر بدل الندية والتضاد التي تسيطر على العالم.

سلاح ذو حدين

وقالت ميثاء إن الانترنت تكنولوجيا مهمة ومفيدة يجب استثمارها بشكل سليم وعدم استغلالها في الاساءة كما يفعل البعض لافتة ان كل شيء في العالم هو سلاح ذو حدين يمكن استخدامه في أوجه الخير أو الشر وذلك يعتمد بشكل أساسي على شخصية الفرد وأخلاقه والبيئة التي ينحدر منها.

ولم تعارض إيمان الفاتح طالبة في مدرسة سكينة الثانوية في دبي فكرة بناء صداقات في ظل الطفرة التكنولوجية الهائلة التي يشهدها العالم، إلا أنها في الوقت ذاته تحذر من مغبة الانخراط في علاقات غير واضحة ومع شخصيات تثير الاستغراب والريبة، مشيرة إلى أن أصول المحادثة عبر غرف الشات يجب ان تكون مبنية على الاحترام المتبادل وألا تخرج عن حدود الحوار الراقي.

صديق الكتروني

وترى إيمان انه ليس من الضرورة بمكان ان نثق بكل من نقابل عبر الشاشة العنكبوتية لأن الثقة يجب ان تعطى لمن يستحقها ولا يعطي معلومات خاطئة وكاذبة فهناك بعض الأشخاص مهمتهم الوحيدة في الحياة هي تصيد الآخرين عبر الشبكة خاصة الصغار والصغيرات واستدراجهم لمعرفة أسرارهم .

وبالتالي التلاعب بهم وقد يصل الأمر إلى حد تهديدهم بإفتضاح أمرهم وإفشاء أسرارهم. ودعت إلى التروي في انتقاء الأصدقاء لانه ليس سهلاً فهناك مسافة فاصلة بين الطرفين وما يعرفه المتحدث ليس إلا كلاماً لا يدري صحته من عدمه وبالتالي فإن الحكم على الصديق «الالكتروني» يحتاج الى وقت لسبر أغواره ومحاولة معرفته عن كثب وبشكل دقيق.

وتعتقد صفية الحواي الطالبة في كلية تقنية دبي ان الصداقات التي تنشأ عبر شبكة الانترنت ستعمل على تغيير منظومة العلاقات الاجتماعية إذا لم تكن قد بدأت بالتغيير فعلاً، فاليوم نرى أن الشباب من الجنسين يفضلون الانزواء في غرفهم منساقين وراء ما تقدمه الشبكة من مغريات أهمها «الدردشة».

وبالتالي باتت العلاقات حتماً بين أفراد الأسرة باهتة وغير مترابطة فالحوار شبه منعدم والكمبيوتر حل مكان الأم، والأخ والأب والصديق، وهي مسألة يجب ان ننظر إليها بعين الاعتبار لأنها ستؤثر وتحدث شرخاً يصعب علاجه، مطالبة بإجراء بحوث ودراسات لوضع آليات وضوابط تحد من تفشي الظاهرة.

وقالت إنه ينبغي على المتعاملين مع الانترنت خاصة الفتيات ان يتخذن الاحتياطات اللازمة حول من يصادقن على الشبكة وتوخي الحذر في أي معلومة تصدر من طرفهن حتى يتجنبن مخاطر الوقوع في المشاكل.

صيادو مواقع

ويرى حارث منير طالب في مدرسة الشروق الخاصة في دبي أن عدم رؤية الطرف الآخر أثناء الحديث عبر شبكة الإنترنت شيء مميز للعلاقات التي تعتمد على الكلام فقط، مؤكداً أن الحديث مع أشخاص من جنسيات أخرى يمنحنا مزيداً من الخبرة والمعلومات عن الحضارات الإنسانية والدول التي لا يتسنى لنا زيارتها كما نقوم بالتعريف عن بلداننا للأصدقاء الجدد .

وفعلاً لقد أسهمت من خلال صداقاتي تغيير العديد من الأفكار المشوهة عن العرب، معتبراً الحذر خير وسيلة للدفاع عن النفس من صيادي المواقع الذين يحاولون إيذاء الآخرين، كما دعا منير الى عدم الإكتفاء بالصداقات التي تنشأ عبر الشبكة لأن الصداقة الحقيقية هي الصداقات المبنية على التحاور والتشاور وتبادل المناهج وتقديم المساعدة لبعضهم البعض حيث يعتبر الصديق الملاذ والحضن الدافيء الذي يلجأ إليه الأصدقاء وقت الشدة.

صداقات دون حدود

ووصفت الطالبة نوال جمال من المدرسة الأهلية في الشارقة مهاجمي العلاقات التي تقام عبر مواقع الدردشة «ضيقي الأفق ومعارضين التقدم والمدنية». وأردفت قائلة لدي صداقات مع العديد من الأشخاص في مختلف أنحاء العالم، بواسطة غرف الدردشة إلا أنني لا أتسرع في انتقاء الأصدقاء لأن ذلك ليس بالأمر الصحي حتى في علاقاتنا العادية.

وذكرت أنه من محاسن الصداقات الإلكترونية هو القدرة على الحديث دون حدود أو خوف أو ضوابط فالأمر بالنسبة لي كالطبيب النفسي الذي استطيع أن أقول له كل ما يدور في داخلي دون أدنى شعور بالشك أو الريبة.

مشيرة الى أنها تعمد الى استخدام أسماء وهمية ليس بدافع الكذب أو الرياء بل لتستطيع قول ماتريد سواء فيما يتعلق بالمشاكل التي تواجهها أو آرائها في قضايا معينة لا سيما السياسية منها. وقالت أنها تلقت العديد من النصائح البناءة والمهمة من بعض الأشخاص لأن الأصوات المتعددة دائماً تعطيك رأياً أصوب وأكثر دقة.

وأشارت الى أن هامش التسلية وقضاء الوقت يمثلان أحد أهم الأسباب التي تدفع الشباب الى غرف الدردشة للحديث وتبادل النكات وآخر وأحدث الرسائل الالكترونية .

وعادة ما يتطرق الحديث الى آخر صيحات الموضة والمأكولات وأخبار النجوم وكل هذا من شأنه أن يدخل السرور الى قلوبنا، مؤكدة أن الأحداث السياسية المهمة تأخذ جزءاً مهما من الحوارات على الشبكة خاصة تلك التي تتعلق بالعراق وفلسطين ولبنان.

وتعزو حذر الأهل وتشديدهم على الأبناء الى إساءة بعض الأفراد في استخدام هذه الخاصية الجميلة كهرب فتاة قاصر مع شاب تعرفت عليه عبر أحد المواقع الإلكترونية ـ أو تعرض شخص للقتل من خلال تعقبه بواسطة الشبكة مؤكدة أن هذه أحداث فردية وتعود إلى ضعف شخصية وإيمان صاحبها.

مبررة القيود التي يضعها الأهالي بخوفهم على ابنائهم من العلاقات غير الواضحة والمشبوهة على الشبكة. من جانبها قالت سعاد علي حماد ولية أمر ان إدمان ابنائها على الانترنت مشكلة تؤرقها، وتجعل الكوابيس ملازمة لها فهي تخاف على ولديها المراهقين من الالتفاف على شخصيات غير سوية قد تستغل بساطتهما وصغر سنهما مؤكدةً أن تخضع الكمبيوتر الخاص بهما إلى المراقبة الأسرية الدائمة ليس شكاً فيهما أو تجسساً على حرياتهما بل هو نوع من الحماية والرعاية والاطمئنان.

وأشارت إلى ضرورة عدم الوقوع في الخطأ الذي تقع فيه غالبية الأسر حيث تعمد إلى منع ابنائها من الدخول إلى غرف الشات الأمر الذي يدفعهم إلى القيام بذلك خلسة ودون نصح أو ارشاد من قبلهم.

يشاركها الرأي جمال الرمحي وهو موظف في شركة للعقارات الذي أكد على أن منع الأبناء من استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة ضرب من الخيال والجنون، حيث لا يمكن كبح جماح الشباب الراغب في اكتشاف هذا العالم المحيط ودورنا كأسر واعية أن ننبه اولادنا وأن نغلق عليهم الأبواب لكن بشرط أن نعطيهم المفتاح ليكون لهم حرية الانتقاء.

وفاء عبدالله مساعدة المديرة في مدرسة الرولة الإعدادية في الشارقة أكدت أن الهيئات الادارية والتدريسية تسعى إلى تنبيه الطالبات من افشاء اسرارهن عبر الشبكة لاي كان أو الخوض في علاقات غير معروفة مع اشخاص قد لا يكون لهم وجود فكم من شاب ادعى أنه فتاة ودخل مواقع الانترنت وعبث في عقليات فتية ليس لها من خبرة في الحياة.

ودعت إلى تضافر جهود الأسرة مع المدرسة للحيلولة دون وقوع الأبناء ضحايا للاستغلال عبر الانترنت وتوجيههم لاستخدام هذه التكنولوجيا في الأوجه السليمة والمفيدة. واضافت ان بعض الطلبة من الجنسين يؤثرون قضاء ساعات طويلة جالسين في حديث مع أصدقاء وهميين على أن يزوروا أقرباء لهم أو يدخلوا في حوارات حية مع أفراد الاسرة مؤكدة ان ذلك مؤشر على ضعف العلاقات وعدم تماسكها.

ناصحة الشباب من الجنسين توخي الحذر واحترام القيم والعادات والتقاليد المستمدة من ديننا الاسلامي الحنيف في أحاديثهم على ألا تخرج عن حدود الأدب والاخلاق.

نورا الأمير