لا يولد المتفوقون من رحم الإبداع فقط فالتوازن العائلي للطفل المتفوق يتطلب إلى جانب الأم المثقفة أباً مسؤولاً قادراً على تحمل الدور المنوط به باقتدار وحب، فكل إهمال أو تهرب من حمل المسؤولية قد يخلخل المنظومة الاجتماعية ويفرز أطفالاً مشردين لا هدف لهم في الحياة سوى القيام بأنماط سلوكية تخالف القيم والعادات.

كم من الأطفال الذين بزغ نجمهم مبكراً، ولم يجدوا حضناً دافئاً يأويهم ولا أسرة ترعى تفوقهم، فباتوا من العناصر السلبية التي لا دور لها في صياغة المستقبل أو تطور الوطن، ولأن الأسرة المثقفة المتعلمة هي الأرض الخصبة للإبداع والتفوق كان لابد لنا من البحث في هذا المحور الحيوي والمهم لمعرفة دور الأسرة الحقيقي في تفوق أبنائها؟ وهل التميز والتفوق يمكن أن يتوارثه الأبناء عن الآباء؟

شيخة النعيمي الحاصلة على المركز الخامس في باقة أوائل الثانوية العامة في الفرع الأدبي هذا العام تؤكد ان التفوق لا يأتي صدفة بل إنه نتيجة لأسباب عدة أهمها الأب والأم الشغوفان بالعلم والمعرفة والمسألة تبدأ بقناعة الوالدين بهذا الأمر باعتبارهم نماذج حية لها قوة وسلطة على الأبناء، فالطفل يقلد والديه فإذا كانوا من القارئين بات الطفل مولعاً بالقراءة والاستزادة بالمعلومات.

مضيفة ان الأسرة التي تخطط لتربية ابنائها تربية صالحة تشجع أبناءها على القراءة وحفظ القرآن وممارسة الرياضة وتعلم مهارات الحاسوب ليكون الطفل مع مرور الوقت قاعدة متينة من المعلومات التي تؤهله ليركب قطار المتميزين والسباقين في التعلم بين أقرانه. واشارت إلى وجود حالات تتأثر بالعوامل المحيطة ولا تسير على خطى الوالدين أو تستمع لارشادهما.

وحول الظروف التي وضعتها ضمن باقة الأوائل قالت: إنها سارت في تميزها على خطى والدتها التي كانت من أوائل طلبة الثانوية العامة على مستوى الدولة، فليس غريباً أن تكون محبة للتفوق بل وساعية إليه.

وذكرت أن بيت الشعر القائل: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق

يدل على أن الأم هي مفتاح استقرار وتميز الأسرة باعتبار أن لها دوراً واضحاً وفعالاً في شحذ عزيمة الأبناء نحو التفوق، ووضع اللبنة الأساسية للتفوق، مشيرة إلى أن الأب قائد تعتمد عليه الأسرة في تسيير شؤون الحياة وتدعيم أفرادها، بما فيهم الأم بالثقة بالنفس، فبالتفكير السليم المبني على العلاقة السوية المستقرة بين الطرفين، يشعر الأبناء بأهميتهم ويحملهم مسؤولية التفوق كي يرضوا الأبوين، باعتبار أن تميزهم مصدر فخر وإعزاز.

وأكدت والدة شيخة النعيمي أن الله عوضها في ابنتها، وكانت بمثابة النبتة التي رعتها الأسرة وروتها بالحنان، فترعرعت في جو يسوده الحب يتمتع بالاستقرار، ولديه دوافعه نحو التميز.

وعن أهم ما قدمته لأبنائها قالت: لأني امرأة متعلمة حرصت على أن أنوع مصادر معرفة أولادي حتى لا يلتزموا في المنهاج المدرسي، فأنشأنا لهم مكتبة تحوي أشرطة وكتباً ثقافية وعلمية لنوسع مداركهم ونحفزهم على التفكير والبحث كوسيلة مهمة لتنشيط العقل وركيزة أساسية من أساسيات التفوق.

وأشارت إلى أن المناخ الأسري يسهم في تنمية وبلورة تميز الأطفال، فإذا حظي الطالب النجيب بالرعاية والحب والدعم أتم مشواره دون خوف وأصبح من العناصر التي يعتز بها الوطن.

ودعت أم شيخة أن يكون الوالدان أصدقاء لأبنائهما إلى جانب المراقبة المستمرة والإشراف الشامل على أمورهم الدراسية وحتى الحياتية العامة وتوجيههم التوجيه السليم. نورة سمير الشيخ نموذج آخر للتفوق الدراسي إذ تنحدر من أسرة هيأت لها ولأخواتها الذين سبقوها واعتلوا مدرج التفوق العلمي سبل طلب العلم وتلقيه.

وذكرت نورة أن الأبوين هما الحلقة الأولى من حلقات التربية العائلية للأولاد، فبرغم مصاعب الحياة والعمل الشاق إلا انهم كانوا يجدون الوقت لمتابعة أمورنا سواء كانت على الصعيد الاجتماعي أم الدراسي، مؤكدة أن والديها بتميزهم الدراسي وهما على مقاعد الدراسة والعمل كل في موقعه شكلا لها القدوة الحسنة للسير على ذات الدرب.

وأكدت الشيخ أنها ليست الوحيدة في درب التميز في أسرتها، إذ سبقها أشقاء وشقيقات تربعوا على عرش أوائل الثانوية العامة، ومنهم شقيقتها سارة التي حصلت على درجة الامتياز من الجامعة الأميركية في الشارقة.

مشيرة إلى أن البيت يمثل القاعدة الأساسية التي ترعى الأطفال وتصقل هواياتهم ومواهبهم، مضيفة أيضاً أن المحظوظين هم أولئك الذين يحظون بمناخ أسري يتسم بالهدوء والمحبة. نورة لها ستة أشقاء هم دائماً على مقاعد دائمة في ميادين التفوق وساحاته وفي أعراس الشارقة للتفوق، بل كانوا بين صفوف المتفوقين في الثانوية العامة على مستوى الدولة، أو الإمارة والجامعات.

ويقول والدها سمير الشيخ: إن تفوق الأبناء يرجع إلى عناصر قيمية يضطلع الوالدان في غرسها في أبنائهما منذ الصغر، وعليه فإن هذا العنصر التربوي يتأثر سلباً أو إيجاباً بالمؤثرات الخارجية والتي تتدفق من ثقافة المجتمع المحيطة وأدواته.

وتزداد معدلات التفوق بين الأبناء كلما كان الحصن التربوي منيعاً ضد هذه المؤثرات إذا كانت سلبية، وكلما فتحت الأبواب والنوافذ بالمعنى التفاعلي أمام المؤثرات الثقافية المجتمعية إذا كانت إيجابية. ولقد كان لأعراس الشارقة وجوائزها للتفوق خير فعل في هذه الآفاق.

ويشير إلى ان قيمة التفوق بين الأبناء عند الآباء هي الأساس، فمن الآباء من يعطي الأولوية الأولى لـ «تربية» المال والعقار، ومنهم من يعطي بالمرحلة المبكرة من تأسيسه لأسرته الأهمية الكبرى، ومنهم من يرى أن تحديه الأكبر في بناء أسرته في أن يكون له أبناء متفوقون.

ويقول: إنه على الأسرة التي يقوم منهجها على أن يكون لها أبناء متفوقين، أن تتكيف في بيئتها مع ما تتطلع إليه من حيث الاهتمامات العلمية والفكرية على صعيد البيئة البيتية والاجتماعية.

كما أن على الأبوين أن يكونا على درجة القلق نفسها فيما يتصل بهذا المنهج، بل وربما إذا كان قلق الأم أكبر في هذا المجال كانت النتيجة أفضل بكثير.