«ابن الوز عوام»... «باب النجار مخلع»... «يخلق من ظهر العالم فاسداً» أمثلة شعبية متعددة في مختلف الثقافات العربية، لكنها في النهاية تعكس تناقضاً وجدلاً لا ينتهيان.. يتلخص في رؤية البعض ان نجاح وتميز الشخص تلعب الوراثة فيه دوراً أساسياً، وان العبقرية والتفوق تمازج بين الذكاء والموهبة والجرأة في اقتحام مجالات يصعب على اخرين اقتحامها.

ويرى البعض ان المتفوق يحتاج إلى مقومات وبيئة مناسبة ترعاه وتساعد على تميزه، ولابد من أسرة توفر له بيئة تعليمية واجتماعية استثنائية.ومن اللافت في نتائج الثانوية العامة لهذا العام، ان عدداً كبيراً من الاوائل سبقهم اخوتهم الاكبر سنا في اعتلاء قمم الاوائل على الدولة على مدى السنوات السابقة.

وكل أسرة منهم تضم اكثر من متفوق في مراحل مختلفة، فهل نحن مع الفريق الذي يؤيد ان التفوق يرجع للوراثة كما قال العلماء، أم انه إذا توافرت الظروف المناسبة يستطيع الشخص ان يتميز على اقرانه لأنه يتخذ التفوق هدفا أسمى.

وبسؤال ايمان عبيد الاختصاصية النفسية في منطقة رأس الخيمة التعليمية قالت ان الخلاف قديم بين علماء النفس، فيما إذا كان النبوغ والعبقرية موهبة في الإنسان أو أنها أمر يمكن اكتسابه، ويرى معظم الباحثين المهتمين بالقضية أن الذكاء الحاد يأتي بسبب جينات خاصة من نوعها، وأن العوامل النفسية أو الجهود التي يبذلها الإنسان في تطوير ذاته هي عوامل محدودة الأثر، وأن الأداء العبقري في أي مجال لا يمكن اكتسابه لأي شخص يرغب ذلك، وأشارت إلى ان بعض الآراء تؤكد أن كل شخص يمكنه التميز في المجال الذي يريده إذا عمل بما يكفي على تحقيق ذلك وفق ارادة صلبة لا تعرف اليأس او تعوقها العثرات بل تزيدها قوة، في ظل وجود الموهبة، كما تدعي النظريات أن الفرد بإمكانه ان يتحول إلى عبقري إذا شاء ذلك، لأن العباقرة يطورون عادة ذاكرتهم القوية لتخزين المعلومات ذات الأهمية لهم في موضوع ما.

وذكرت ايمان عبيد انه إذا كان من المعروف لعلماء النفس أن ذاكرة الإنسان تنقسم إلى قسمين: ذاكرة نشطة قصيرة المدى، وذاكرة طويلة المدى، فإن العباقرة حسب هذه النظرية يتميزون بأنهم يرتبون المعلومات الهامة لهم بطريقة فعالة في الذاكرة طويلة المدى بحيث يكون على الذاكرة النشطة قصيرة المدى الاستفادة منها عند الحاجة إليها.

ويعتبرون أن هذا النشاط غير العادي للذاكرة هو ما يميز المتفوقين في كل المجالات وهو نشاط يمكن تطويره واكتسابه، مشيرة إلى تجربة قام بها عالم بولندي اسمه «لازلو بولجار» والذي أراد تحدي النظرية التقليدية في تعريف العبقرية.

وقام هو وزوجته بتدريب بناته على لعب الشطرنج حتى صرن من أبطال العالم في اللعبة، مثبتا بذلك أن التدريب وحده يمكن أن ينتج عباقرة في مجال معين، وفي عام 1992م صارت البنات الثلاث من أفضل عشر لاعبات شطرنج في العالم، وحصلت أصغرهن على لقب «جراند ماستر» في تاريخ اللعبة ويتوقع المراقبون ان تصبح بطلة للعالم.

وأوضحت ان بولجار كان في تدريبه لبناته يطبق نظرياته التي نشرها في كتابه «تربية عبقري» وصار متخصصا بعد ذلك في قضايا التربية غير العادية للأطفال. ولكن السؤال القديم يبقى قائما: هل كل طفل يتلقى التربية نفسها يمكن له أن يصبح عبقريا أو متفوقا؟

العديد من الاسر متميزة دراسياً في الامارات وتاريخ ابنائها العلمي حافل بالنجاحات المتواصلة خلال مسيرة التعليم الأساسي والثانوي وكذلك الجامعي، عبد الله المناعي نائب مدير تعليمية رأس الخيمة السابق حصل احد أفراد فريقه الأسري على المركز الثاني على مستوى الدولة في التعليم الفني القسم الصناعي.

وسبقته لهذا التفوق ابنته الكبرى مريم التي تدرس حاليا بقسم الهندسة المعمارية في جامعة الشارقة، وكذلك حصة المتفوقة في الصف التاسع بمدرسة الغب، وسلامة في الصف الثامن، إلى جانب تميز الابنتان في الأنشطة المدرسية.

سألناه: هل تعتقد أن تفوق الابناء يرجع إلى العوامل الوراثية أم انه مكتسباً من البيئة المحيطة؟ فقال ان التفوق يعتمد على الوراثة بنسبة بسيطة، لكن البيئة المحيطة لها الدور الاكبر في تنمية الموهبة واستغلالها بشكل صحيح.

وأوضح انه اكتشف قدرات ابنه فوجهه الى الناحية الميكانيكية، ولقناعته بأن التعليم الفني هو ركيزة وثروة أي مجتمع، فلم يتردد في إلحاقه بالمدرسة الصناعية في رأس الخيمة، بالرغم من أن نظرة معظم الناس لأي تعليم غير التعليم العام يعتبر نظرة قاصرة، وتحتاج الى مزيد من الاهتمام من المسؤولين ووسائل الإعلام.

وأشار المناعي إلى أنه على الوالدين توجيه أبنائهم بصفة مستمرة، مع الفهم الصحيح الواعي لاتجاهاتهم وميولهم ورغباتهم دون ضغوط، ومساعدتهم على اتخاذ القرار الصائب في حياتهم الدراسية، وبالمحبة والقدوة نضمن لهم مستقبلا متميزا دراسيا واجتماعيا ونفسيا في حياتهم العملية، موضحا إلى أن ضغط الأسرة على الابناء لتغيير المسار التعليمي تكون نتيجته أنهم يصابون بشعور بالظلم والاحباط وغالبا ما تكون حياتهم فاشلة وغير سعيدة.

قدرة العقل والخبرات

عبيد البريكي مدير مواصلات الامارات فرع رأس الخيمة يقود سفينة أسرته الى بر الامان فكل أبنائه متفوقون دراسيا، فاطمة متفوقة في دراستها بقسم المختبرات في كلية العلوم الصحية، وخالد حصل مؤخراً على المركز الثاني على مستوى الدولة في الثانوية الفنية بالقسم الصناعي.

مريم في الصف التاسع بمدرسة الريادة وتقديرها الدراسي امتياز، محمد في الصف الثالث الاساسي في مدرسة الوطنية حصل في نتيجة آخر العام على معدل 99% ودائما من الأوائل على مدرسته، والابنة الصغرى عزة في الصف الثاني الاساسي في مدرسة حراء من المتفوقات دراسيا ومعدلها 98%.

ويقول البريكي ان التفوق الدراسي للابناء يكمن في قدرة العقل الذي وهبه الله سبحانه وتعالى للانسان وخصه به عن سائر المخلوقات، وذكاء الإنسان هو أساس تفوقه بالمشاركة مع الوراثة ونتيجة تأثره بالبيئة المحيطة به والتي يكتسب منها الفرد خبرات كثيرة، مشيراً إلى ان هناك عوامل عديدة تسهم في عملية التفوق الدراسي .

وهي أولاً توفيق من الله عز وجل للعبد، وحسن إدارة الوقت، والمتابعة المستمرة من الأهل والتنسيق الدائم مع ادارة المدرسة ومعلمي المواد المختلفة لمتابعة مستوى الابناء الدراسية، وتوفير البيئة التعليمية المناسبة لدراسة الابناء ووسائل الراحة الضرورية والاهتمام بتغذيتهم تغذية صحية وتنظيم برامج ترفيهية لهم.

كما أكد ان الاستقرار الأسري والاحترام المتبادل بين افرادها عامل مهم من عوامل التفوق، إضافة إلى تفهم حاجات ومتطلبات الابناء في كل مرحلة عمرية، وتوفير الحوافز التشجيعية لهم عند التفوق في دراستهم.

وقال: كافأت ابني خالد على نتيجته المشرفة على مستوى الدولة واشتريت له سيارة جديدة لأنه امر مهم ان يتم تحفيز الابن لتفوقه مشددا على أهمية تربية الأبناء على العقيدة الاسلامية السليمة والمحافظة على الصلاة وحفظ القرآن الكريم وتعويدهم على الرقابة الذاتية لأنفسهم.

القدوة ووعي الأسرة

محمد السويدي الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة غليلة للتعليم الاساسي الحلقة الثانية للبنين يعزو اسباب التفوق الدراسي لابنائه الاربعة الى البيئة المحيطة وتشجيع الأهل مؤكدا ان الوراثة احد عوامل التفوق فقط، ولابد من توافر العوامل البيئية المناسبة.

وتقول زوجته أم مروان ان اولادها منذ صغرهم من الأوائل على دراسهم ،فمروان في الصف السابع الأول على صفه والثاني على مدرسته ومن المكرمين لمدة 5 سنوات متتالية في جائزة الشيخ خالد للتميز في راس الخيمة.

كما حصل على جائزة حمدان للأداء التعليمي المتميز منذ سنوات، وعلى المركز الثاني على مستوى المنطقة في مسابقات القرآن الكريم، وتلخيص القصة وشخصيات وطنية، والسادس على الدولة في مسابقة «مباني تاريخية»، أما الابن الثاني أحمد بالصف السادس، فهو من الاوائل على المدرسة .

وضمن المكرمين في جوائز التميز الدراسي في المنطقة، وحصل على المركز الأول على مستوى الدولة في مسابقة «قطرة مياه تساوي حياة» التي نظمتها بلدية دبي بالتعاون مع التربية واعلنت نتائجها خلال الاسبوع الماضي، ومروة وفيصل في الصفين الرابع والثاني فمثل أخويهما من المتفوقين دراسياً ومن الاوائل دائما على الصف والمدرسة ومعدلاتهما لا تقل عن 98%.

وتوضح أم مروان ان أسباب التفوق الدراسي تعود الى إدارك الأسرة لأهمية توفير الجو المناسب للتميز، فالاهتمام بعوامل القراءة وزرع الطموح في الابن والتحصيل من خارج المناهج التعليمية وفي مجالات متعددة تتناسب مع عمره، لها تأثير قوي علي تنمية مدارك الطفل .

كما أن اهتمام الآباء أنفسهم بالقراءة يعتبر قدوة ومن أهم العوامل التي تجذب الابناء الى القراءة والاطلاع حتى ولو كان ذلك في البداية من باب التقليد، ويجب ان لا ننسى هنا دور التأثر والاقتداء في هذا الصدد، فمن الملاحظ أن كثيرا من جهابذة الفكر والعلم احتكوا أو تعرفوا في سنواتهم الأولى على نماذج عظيمة تأثروا بها حتى أصبح من المسلم به أن يكون لكل عالم استاذ ولكل عبقري قدوة ولكل قائد نموذج يحتذى.

كما أشارت إلى التحدث باستمرار مع الأطفال، والتشجيع القوي لمتابعة الأداء الدراسي، وخلق بيئة محفزة ومساعدة داخل البيت، ومتابعة طريقة قضاء الأطفال لأوقاتهم وتوجيههم المستمر من اهم اسباب التفوق.

مفتاح التفوق

فاطمة خلفان معلمة اللغة العربية في مدرسة جلفار للتعليم الثانوي وحاصلة على جائزة حمدان للأداء التعليمي المتميز، لديها ابنتان متفوقتان هما شيماء عيسى عبد الكريم وتدرس في الصف الثالث في مدرسة الأفق واختها مريم وتدرس في الثاني الابتدائي في مدرسة القلعة وهما من الاوائل على المدرسة والمنطقة، وعن سر تفوقهما تقول الأم :

نحن لا نستطيع تحميل الوراثة المسؤولية الأساسية في التفوق، فإذا كان التلميذ ذكيا ووجد البيئة المناسبة لرعايته ومتابعته سيكون متفوقا، بينما إذا لم يتوافر لاقرانه الأذكياء البيئة المناسبة للابداع والتفوق ينتكسون وبالتالي يفشلون، فبيئة الأسرة المحيطة بالابناء لها دور كبير في مساعدتهم على التفوق.

واضافت خلفان: مفتاح النجاح والتفوق الدراسي بيد الوالدين، فتفوق الأبناء وتميزهم ليس مستحيلاً إذا أدرك الوالدان أن للنجاح المدرسي عادات يمكن اكتسابها بغض النظر عن مستوى المدرسة ومستوى المدرسين، فعن طريق المشاركة الإيجابية.

والالتزام وتكريس الوقت والطاقة، ممكن ان يكتسب الابن عادات النجاح التي تؤدي إلى التفوق الدراسي وهي المثابرة والعمل الجاد، والتحديد الجيد للأوقات والأولويات، والقدرة على مواجهة المواقف الصعبة دون ارتباك، وكذلك الثقة بالنفس.

حسن عبد الله غزلان مدير مدرسة طنب في رأس الخيمة يختلف مع الرأي السابق ويعلق : بالتأكيد الوراثة من عوامل وأسباب التفوق، لكن إذا كان الطفل ذكيا بفطرته ولم يجد البيئة المناسبة التي تنمي هذا النبوغ الفكري وترتقي به فلن يجد هذا الطفل طريقه للتفوق، والعكس صحيح فإذا كان هناك طفل له قدرات عقلية متوسطة ولديه استعداد للاستجابة،ووجد من يهتم به ويشجعه ويطور مهاراته باستمرار فقد يصبح من المتفوقين البارزين على الساحة التعليمية.

محمد يوسف الشرهان من أسرة متميزة ومتفوقة دراسيا وهو منقول إلى الصف الثاني عشر في مدرسة سعيد بن جبير في رأس الخيمة وطوال فترة دراسته يحتل المراكز الأولى على مستوى المدرسة والمنطقة، وأخوته فاطمة وراشد يدرسان في كلية الطب جامعة الإمارات وحصلا على تقدير امتياز العام الحالي، ومريم نجحت في الصف العاشر بمعدل متميز.

ويعرب محمد الشرهان عن رأيه في اسباب التفوق قائلا: في رأيي ان التفوق صفة وراثية ومكتسبة في آن واحد اذا تهيأت لها الظروف والامكانيات اللازمة، والتفوق عموما هو حصاد العمل الدؤوب والجهد المبذول بصدق واخلاص.

ويقول محمد الشرهان عن اسباب تفوقه وأخوته: يتحقق التفوق بالتمسك بالدين الاسلامي والمحافظة على اداء الصلاة في اوقاتها وطاعة الوالدين، والاستجابة لنصائح المعلمين والتركيز والانتباه أثناء الدرس، والمراجعة المستمرة أولا بأول مع توسيع دائرة الادراك.

والفهم من خلال القراءة والمطالعة وتوظيف التقنيات الحديثة بمختلف أنواعها مع العمل والبحث عن المعلومات من مصادر متعددة، وليس الاكتفاء بالكتاب المدرسي فقط، وكذلك حسن تقسيم الوقت بين المذاكرة وممارسة الهوايات التي تعود بالنفع على الطالب، مع الاشتراك في الدورات التي تنمي الفكر وتطور المهارات.

وأضاف : نحن ولله الحمد اسرة متميزة دراسيا وعلميا وتوجنا جهودنا بالعديد من جوائز التميز التربوية ومنها جائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز فئة الاسرة المتميزة،كما حصلت انا واختي فاطمة على لقب الطالب المتميز في نفس الجائزة.