في أعقاب الحرب العالمية الثانية أخذت بريطانيا تبحث عن سلاح رادع وأصدرت رئاسة الأركان المشتركة للتخطيط ورقة استراتيجية تعرب عن إدراكها أن «الرادع الفعال الوحيد لأي معتد محتمل هو وجود برهان ملموس على نوايانا وقدرتنا على الصمود ضد الهجوم والرد عليه في الحال».

وكانت مسألة البرلمان الملموس تشغل ـ قبلها بسنتين بال «دينيس وتيلي» قائد الجناح بسلاح الجو الملكي البريطاني الذي ألحق بقسم قيادة لندن. وكان هذا الضابط يغذي رئاسة الأركان المشتركة للتخطيط بأفكار مثيرة ومبتكرة منذ عام 1940 إذ كان يؤمن بأن الخداع العسكري التقليدي لم تعد له قيمة في زمن السلم.

وأن مفتاح إقناع العدو المحتمل بأن عليه أن يخاف بريطانيا يكمن فيما أسماه «الخداع العلمي»، ثم بعث رسالة إلى مساعد رئيس أركان سلاح الجو البريطاني تتضمن أفكاره بخصوص «خداع المستقبل، واقترح في رسالته «إنشاء قاعدة جوية مزيفة، ومنها يمكن نشر سلاح علمي ذي قوة هائلة قد يتيح لبريطانيا قصف موسكو بالقنابل النووية».

قبل ذلك بسنتين بحث الجنرال ليزلي هوليس المشرف على قسم قيادة لندن فكرة مماثلة أو مغايرة قليلا. وكان ذلك القسم يدرس في عام 1947 عملية خداعية تحمل اسم «البحث العلمي النووي والإنتاج» بهدف تضليل موسكو بالنسبة لقدرات بريطانيا في صناعة الأسلحة النووية.

ولكن العملية كانت تفتقر إلى وجود مرشح يتمتع بالمصداقية ـ أي مثل عميل معتمد لدى السوفييت ـ لكي يوصل رسالتها إلى موسكو. وكان إنشقاق إيغور غوزينكو كاتب الشيفرة السوفييتي وهربه إلى أوتاوا في سبتمبر 1945، قد فضح اختراق السوفييت لأهم أسرار المركز الكندي ـ البريطاني للأبحاث النووية في كندا.

وتمكن «آلان نن ماي» من نقل أسرار نووية وبقايا من اليورانيوم ـ 235 إلى السفارة السوفييتية في أوتاوا، فقرر قسم قيادة لندن تأجيل الخطة خوفا من أن يكون اختراق السوفييت قد وصل إلى حد بعيد في كشف الأسرار البريطانية الخاصة بالإنتاج النووي مما يمكن موسكو من كشف خطة الخداع.

وفي يوليو عام 1951 دارت مناقشات برلمانية أثارها اختفاء دونالد ماكلين، وتولى هربرت موريسون وزير الخارجية البريطاني الرد على اتهامات حزب المحافظين للحكومة بالإهمال الذي أدى إلى زرع شيوعيين أو متعاطفين معهم في دوائر الدولة، وأشار الوزير إلى إيقاف 43 موظفا عن العمل عام 1950 و فصل واستقالة 15 منهم ومراجعة أوضاع الباقين ونقلوا إلى وظائف أقل حساسية.

وكان وزير الخارجية يسرد أحدث إنجازات كليمنت أتلي رئيس الوزراء في مجال تعديل السياسة الأمنية القاضية بعدم تعيين أعضاء الحزب الشيوعي أو الذين لهم علاقاتهم بالشيوعيين، وبذلك أطلق أتلي أيدي جهاز الأمن البريطاني وسمح له باستخدام وسائل مكافحة التجسس التي كان قد رفضها من قبل مثل التغلغل في المنظمات الهدامة من وجهة نظر الحكومة. والتنصت على الهواتف والبرقيات السلكية، ومراقبة البريد.

وتوسع استخدام هذه الإجراءات حتى شملت أعضاء الجناح اليساري في حزب العمال أصحاب المقاعد في البرلمان. ويرى مؤلف الكتاب أن هذا التغيير كان نتيجة لموقف حكومة أتلي التي اعتبرت الاتحاد السوفييتي خصما لا يلين في التحدي العلني أو السري كما حدث في أزمة برلين عام 1948. وكانت الحرب الباردة آنذاك على الأبواب، وقد لا يبدو أن هناك خطرا من وجود الحزب الشيوعي أو فروعه بين الموظفين الحكوميين البريطانيين، غير أن المخاطرة تكمن في احتمال وجود روابط بينهم وبين الجاسوسية السوفييتية.

الفيروس الأميركي لم يصل

وفي انجلترا كان البريطانيون يعتبرون الغضب الأميركي من التغلغل الشيوعي أمرا مشينا يشبه مطاردة المشتغلين بالسحر في عصور الظلام، وهو ما يتفق بالضبط مع شعب قليل التحضر يستطيع رجل ديماغوغى مثل السيناتور ماكارثي أن يسوقه إلى حالة من الجنون والهوس المسعور. ويتساءل هامريك مؤلف الكتاب: «أين كان التمدن واللياقة، وأين كانت الحريات المدنية؟!،

وأين ذهب كوب الشاي الهادئ الذي يستطيع شاب التمتع به في غرفة القراءة بالحزب الشيوعي وهو يتصفح جريدة الديلي ووركر؟!»، ولكن حقيقة بعض تلك المحاكمات الأميركية، بتهم التجسس، والتي نشرت على نطاق واسع، قد تظل محاطة بالكتمان عشرات السنين. ويقول المؤلف إن الفيروس الأميركي لم يكن قد وصل إلى لندن بعد، أو هكذا اعتقد الكثيرون.

ولم يكشف علنا عن عمليات تجسس مماثلة لجهاز «كي جي بي» في بريطانيا العظمى باستثناء عالمي الفيزياء البريطانيين آلان نن ماي وكلاوس فوكس اللذين يعتبران من الهواة واعترف كلاهما بجريمته. ومنذ عام 1945 كانت الأولوية الأولى في قيادة الاتصالات الحكومية البريطانية لعمليات اعتراض وتحليل الاتصالات الاستخبارية السوفييتية.

وخلال شهر سبتمبر من ذلك العام تم اعتراض عدد لا يحصى من البرقيات بين موسكو ولندن، ومن ثم تم التسلل إليها على يد خبراء فك الشيفرة البريطانيين. وفي ذلك الشهر وحده كشفت عمليات قيادة الاتصالات عن وجود مالا يقل عن عشرين عميلا سوفييتيا يمارسون التجسس في بريطانيا، فإذا كانت الأسماء السرية لعشرين جاسوساً للسوفييت قد أمكن اكتشافها خلال شهر واحد، فمعنى ذلك أن هناك المزيد من الجواسيس.

وفي عام 1947 ـ 1948 نجح محللو الشيفرة في أرلينغتون هول في استغلال كتاب الشيفرة الخاص بجهاز ا«كي جي بي» السوفييتي لكشف الشبكة السوفييتية في الولايات المتحدة واستراليا وبحلول عام 1948 حققت قيادة الاتصالات الحكومية البريطانية نتائج مماثلة في بريطانيا وتمكنت من بحث برقيات عام 1945 بين موسكو ولندن.

ويعود مؤلف الكتاب مرة أخرى إلى الجاسوس دونالد ماكلين ويذكر أنه عمل في واشنطن لأكثر من أربع سنوات من مايو 1944 حتى بداية سبتمبر 1948 وأسندت إليه مسؤوليات هامة جدا وخاصة في لجنة السياسة المشتركة واطلع على الوثائق المتعلقة بمشروع مانهاتن، ولذلك كان جاسوسا بالغ الأهمية بالنسبة لموسكو،.

وافترض المحللون وجود عدد لا يحصى في البرقيات التي أرسلها إلى السوفييت، في ملفات فينونا قد تكشف عن المعلومات التي تضمنتها، وتوصلوا إلى وجود اثنتي عشرة برقية من 1944 إلى 1945 كان من بينها ست برقيات من واشنطن أرسلها ماكلين باسم « هومر»، وتأكد المحللون وخبراء الشيفرة من أن أسرار وزارة الخارجية البريطانية نقلت إلى موسكو.

وقد تعرض عدد من برقيات الوزارة المرسلة إلى سفارتها في العاصمة الأميركية لموضوعات حساسة مثل خيانة ستالين لاتفاقات يالطة في فبراير 1945، وتوسلات تشرشل العاجلة إلى الرئيس الأميركي روزفلت لكي ينضم إليه في توجيه رسالة أكثر صرامة إلى ستالين. وكان الزعيم السوفييتي قد وافق في مؤتمر القرم على إعلان بشأن بولندا يطالب بإعادة تشكيل حكومة بولندية مؤقتة على أساس تمثيلي أوسع لكي يشمل قادة ديمقراطية من داخل وخارج بولندا.

وبعد المؤتمر أكد ونستون تشرشل لمجلس العموم البريطاني أن روح يالطة، والتحول إلى حكومة وحدة وطنية بولندية جديدة، سوف يؤديان إلى خضوع بولندا لحكم الأغلبية، ولكن ستالين جعل هذا التأكيد مثارا للسخرية عندما اعترف «بجماعة وارسو» أداة النفوذ السوفييتي .

وفي أواخر فبراير 1945 حرر الجيش الأحمر جميع مناطق بولندا وتقدم نحو نهر الأودر في اتجاه الغرب. واعتبرت موسكو بولندا منطقة معارك ومنعت دخول مراقبين بريطانيين وأميركيين. وكانت لدى واشنطن فكرة ضئيلة عما يجري في ظل الاحتلال السوفييتي ، أما لندن فقد كانت لديها معلومات أفضل من خلال حكومة المنفى البولندي في العاصمة البريطانية.

ومنذ شهر يناير 1945 بدأ الجيش السوفييتي والمفوضية السوفييتية لأمن الدولة حملة منظمة من الاعتقالات، والنفي إلى الإتحاد السوفييتي ، والإعدامات للزعماء البولنديين. وأعضاء الأحزاب الذين يعارضون الحكم الشيوعي وخشي تشرشل من أن تعرقل عمليات التطهير الجارية إقامة حكومة منتخبة انتخاباً حرا في وارسو كما وعدت اتفاقية القرم.

كذلك تجاهل ستالين «إعلان أوروبا المحررة» الذي ألزم موسكو بالامتناع عن اتخاذ أي إجراء منفرد لفرض إرادتها على دول أوروبا الشرقية التي سبق أن انضمت إلى دول المحور، ولكن ستالين أقام في مارس 1945 نظام أقلية شيوعيا في رومانيا بالقوة المسلحة. وقد تعاملت جميع برقيات ماكلين الست مع الأزمة البولندية ولكن كان من الصعب فك رموز الفقرات التي أمكن الحصول عليها في ملفات فينونا، ولم يتيسر ذلك إلا عندما قورنت تلك الفقرات بنصوص برقيات تشرشل التي نشرت في ثمانينات القرن الماضي .

وبناء على اتفاقية يالطة شكلت لجنة لتطبيق بيان بولندا من كل من فياشيسلاف مولوتوف وزير الخارجية السوفييتية، والسير أرتشيبالد كلارك كير سفير بريطانيا في موسكو، وإيفريل هاريمان السفير الأميركي في العاصمة السوفييتية. وبدأ الثلاثة محادثاتهم في موسكو يوم 23 فبراير.

وفي يوم 28 من الشهر نفسه أرسل تشرشل إلى سفيره برقية تطلب منه الحصول من مولوتوف على موافقة فورية على السماح «لاثنين أو ثلاثة، من المراقبين الموثوق فيهم» بدخول بولندا لإعداد تقرير عن الموقف. وبعد يوم واحد وافق مولوتوف على أن يرسل الحلفاء المراقبين، ولكنه عاد بعد عدة أيام ليبلغ السفير البريطاني بأن الطلب يجب أن يوجه إلى «جماعة بولندا، وهي الحكومة البولندية المؤقتة، لكي توافق عليه».

وأثار ذلك غضب لندن وواشنطن. وفي نفس الوقت أرسل انتوني إيدن وزير الخارجية البريطاني إلى لورد هاليفاكس السفير البريطاني في واشنطن مسودة مذكرة بريطانية ـ أميركية لإرسالها إلى مولوتوف وطلب إيدن أن تراجع وزارة الخارجية الأميركية نص المذكرة المقترحة. ورفض الأميركيون مشروع المذكرة بحجة أنها حادة للغاية وتكشف عن قدر كبير من الشك في النوايا السوفيتية في بولندا.

ورغم إعراب واشنطن عن اتفاقها مع لندن بالنسبة للأهداف التي أشار إليها مشروع المذكرة، إلا أنها أعربت عن خوفها من أنها لن تحقق شيئا لو ظلت لغتها جافة جدا في هذه المرحلة. وذكرت وزارة الخارجية الأميركية أنها تفكر في إرسال تعليمات إلى السفير هاريمان لبذل مسعى على نفس الأسس ولكن مع تخفيف اللهجة وأنها لا تنصح في الوقت الحاضر بمواجهة مولوتوف بمذكرة مشتركة حول الموضوع.

ولم ترض بريطانيا عن هذا الموقف الأميركي واعتبرته غير ذي فائدة لأن لندن كانت تريد إبراز عضلات سياسية لوقف مولوتوف عن إعاقة جهود السفيرين البريطاني والأميركي. ولن يتحقق ذلك إلا بتدخل مباشر من الرئيس روزفلت. وكان إيفريك هاريمان قد بعث مذكرة إلى واشنطن في وقت مبكر يعود إلى يوم 4 مارس، يقول فيها إن السفير البريطاني كلارك ـ كير مكبل اليدين بسبب قيام وزارة الخارجية البريطانية بتوجيهه دائما في كل تحركاته.

وذكر هاريمان أيضا أن «داونينغ ستريت» تنظر إلى عمل اللجنة على ضوء مناقشات مجلس العموم البريطاني لا على ضوء الحاجة الملحة لتحقيق تقدم في تطبيق اتفاقية القرم. وكان السفير الأميركي يعني بذلك أن بولندا بالنسبة لتشرشل كانت أيضا قضية سياسية داخلية ملحة لأن المحافظين البريطانيين تنتابهم شكوك عميقة في نوايا السوفييت في أوروبا.

نفاد صبر

وفي 8 مارس نفد صبر تشرشل فأرسل برقية شخصية بالغة السرية إلى روزفلت من نحو 1700 كلمة يستعرض فيها الموقف في رومانيا واليونان ودول البلقان المطلة على البحر الأسود، وبولندا بشكل خاص جدا. ويقتطع المؤلف من تلك البرقية فقرة تقول:

«لقد استند موقفي في البرلمان على افتراض أن كلمات إعلان يالطة سوف تنفذ نصا وروحا. وسوف ينشأ موقف خطير لدى الرأي العام البريطاني بمجرد العلم بأننا قد خدعنا وأن التكتيك الشيوعي المعروف قد طبق خلف الأبواب في بولندا سواء بشكل مباشر من قبل الروس أو من خلال دمي لهم.

وأشعر بأن ذلك هو الاختبار بيننا وبين الروس في المعاني التي ترتبط بعبارات مثل الديمقراطية، والسيادة، والاستقلال، والحكومة النيابية، والانتخابات الحرة غير المقيدة. وكان تشرشل يرى أن الوقت قد حان لوقف الانتهاكات المستمرة لاتفاقية يالطة من قبل مولوتوف»، ولإرسال رسالة شخصية إلى ستالين تحثه على التوصل إلى تسوية مبكرة لقضية بولندا على أساس قرارات يالطة.

وكان تشرشل يأمل أن ينضم إليه روزفلت ويرسل رسالة مماثلة إلى ستالين، ووعد بأن يؤخر برقيته حتى يسمع رأي روزفلت. وفي نهاية رسالته إلى الرئيس الأميركي قال تشرشل: «أرجو أن تظل هذه البرقية بينك وبيني». وقد نقلت تلك المراسلات إلى موسكو عبر جاسوسها «هومر» أو دونالد ماكلين السكرتير الأول في السفارة البريطانية في واشنطن.

وفي يوم 10 مارس بعث تشرشل برقيتين أخريين إلى روزفلت بشأن الأزمة البولندية. ويقول هامريك مؤلف الكتاب إن الشيء الذي دفع رئيس الوزراء البريطاني إلى كتابة البرقية الأولى هو: «التعليمات البلهاء» التي أرسلتها وزارة الخارجية الأميركية إلى سفيرها هاريمان، والتي بعث السفير البريطاني بنصها إلى لندن.

وقد طلبت تلك التعليمات الأميركية. «أن تبرم الأحزاب البولندية المنافسة هدنة سياسية». ويعلق هامريك على ذلك بقوله «لابد أن تشرشل صعق عندما قرأ تلك التعليمات ولكنه كبت غضبه، وحذر روزفلت قائلا له «إن هدنة كهذه سوف تفيد السوفييت فائدة قصوى في قهرهم للمعارضة غير الشيوعية.

وإذا سمحنا بفترة طويلة من التأخير أو بالهدنة فسوف يضمن لهم ذلك تصفية العناصر غير المؤيدة لهم أو للدمي التابعة لهم «وتوسل تشرشل إلى روزفلت بأن يولي أهمية قصوى لبرقيته الطويلة التي أرسلها بتاريخ 8 مارس لكسب تأييده لإجراء اتصال مباشر مع ستالين، وتعليق التعليمات الصادرة إلى هاريمان حتى يتلقى تشرشل الرد من الرئيس الأميركي. وفي 11 مارس رد روزفلت عليه ببرقيتين صيغ نصها في وزارة الخارجية الأميركية. وقد تم تجاهل رغبة تشرشل في طلب رد شخصي من روزفلت» .

وأصر روزفلت في إحدى البرقيتين على التمسك بطلب إبرام هدنة سياسية عامة، ولكنه وافق على خفض مستوى المراقبين، أما البرقية الثانية فقد اقترحت عدم الاتصال شخصيا بستالين، وترك الأمر لسفيري البلدين في موسكو للاستمرار في محاولتهما إيجاد حل للطريق المسدود مع مولوتوف. وكانت الإجابة غير منطقية مثلها مثل المطالبة بالهدنة.

لماذا يستسلم مولوتوف بينما تنجح مناوراته التكتيكية ؟ وفي يوم 13 مارس كان تشرشل في حيرة من أمره ولكنه أجاب على روزفلت وحذره من أنهما أصبحا يواجهان فشلا ذريعا وانهيارا تاما لما توصلا إليه في يالطة». وأصر كذلك على أن «الضغط المشترك العنيد والإصرار على ما كنا نعمل من أجله، ومسودة الرسالة المقترحة مني إلى ستالين قابلة جدا للنجاح ولما كان تشرشل وحده يفتقر إلى القوة فإنه ـ ومع ذلك ـ كانت مخاوفه وهواجسه مختلفة عما يشعر به روزفلت.

ولما كان الرئيس الأميركي مازال يثق في أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يمكن أن يكونا شريكين في السلم مثلما كانا في الحرب، فإن الفريق المسؤول في وزارة خارجيته أعد ردا على رئيس الوزراء البريطاني في يوم 16 مارس ورفض مقولة «مواجهة الدولتين لانهيار كامل لاتفاقية يالطة إلى أن نكون قد بذلنا جهودنا للتغلب على العقبات التي تعترض المفاوضات في موسكو» .

وعلق الرد على عدة نقاط تفاوضية أشار إليها تشرشل في رسالة 8 مارس، واقترح الرد نقاطا أخرى وطلب منه الإجابة العاجلة حتى يتمكن سفيرا الدولتين من اتباع تعليماتها، وقد بعث تشرشل في نفس اليوم رده إلى روزفلت مفتتحا رسالته بإبداء امتنانه لأن خلافهما يتصل بالتكتيكات لا بالمبادئ الأساسية، وقال له إنه سيترك الأمر للسفير هاليفاكس «ليشرح له بالتفصيل» وجهات نظره حول العديد من النقاط الجوهرية.

ولكنه أعرب عن شكوك خطيرة بشأن المستقبل وضمن رسالته تعليقا حذرا على تدهور أمور الدولة في بولندا التي أصبحت السرية التامة تلفها. وكان تشرشل مقتنعا - بسبب نغمة ردود روزفلت - أنها كتبت على يد أشخاص آخرين أحبطوا توسلاته، ولذلك أتبع ذلك برسالة شخصية يوم 18 مارس يعبر فيها عن أمله في «ألا تكون رسائلي العديدة نوعا ما بشأن الأمور الكثيرة الصعبة والمعقدة، قد أثقلت عليك.

إن صداقتنا هي الصخرة التي اعتمدت عليها من أجل مستقبل العالم» ورد روزفلت برسالة تقدير يوم 20 مارس، فأجاب عليها تشرشل في اليوم التالي. وسرعان ما علم الرئيس الأميركي أن مولوتوف لن يحضر المؤتمر التأسيسي لهيئة الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو وهي الصخرة التي بنى عليها روزفلت آماله الخاصة من أجل المستقبل. وخشى أن يفسر غياب مولوتوف بأن الاتحاد السوفييتي يرفض إنشاء الأمم المتحدة.

ولذلك أرسل برقية إلى ستالين يوم 24 مارس طالبا منه حضور مولوتوف واستاء كثيرا من رفض الزعيم السوفيتي فقرر يوم 29 مارس أن، الوقت قد حان لمناقشة مباشرة مع ستالين حول الجوانب الأوسع للموقف السوفيتي مع الاهتمام الخاص ببولندا. وأرسل النص إلى تشرشل الذي وافق عليه رغم أنه لا يعبر عن وجهات نظره تعبيرا كاملا، فأرسلت البرقية في أول شهر أبريل.

وكان روزفلت قد غادر واشنطن يوم 29 مارس لقضاء أسابيع قليلة للراحة والاستشفاء في «وورم سبرينغز بولاية جورجيا، قبل رحلته في يونيو إلى إنجلترا والقارة الأوروبية. وفي مساء يوم 12 أبريل أصيب بنوبة قلبية حادة وتوفي نتيجة نزيف في المخ بعد ثلاث ساعات.

وفي يوم 22 أبريل وقعت موسكو معاهدة للمساعدة المتبادلة مع نظام الأقلية في وارسو. وهكذا خسر تشرشل معركته. وفي بدايات شهر مايو عاد إلى الهجوم وأخذ يحث الرئيس الأميركي هاري ترومان لكي يحتفظ بالجيوش الأميركية في مواقعها في يوغوسلافيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا لمواجهة وجود الجيش الأحمر وإحباط طموح موسكو إلى فرض الحكم الشيوعي في دول أوروبا الشرقية التي تحتلها القوات السوفيتية.

ولكن ترومان ومستشاريه تجاهلوا طلبه وانسحبت قوات الحلفاء إلى مناطق احتلالها. وفي نهاية الأمر تحققت مخاوف تشرشل. وفي يوم 5 مارس 1946 اعتزل الحياة السياسية بعد هزيمته في انتخابات يوليو 1945، وأذاع في حديث له إلى العالم النتائج المترتبة قائلا: «من سنتين أسدل ستار حديدي عبر القارة الأوروبية من البلطيق إلى تريستا على البحر الأدرياتيكي .