أيامهم ذات بأسٍ

من صلب الحاجة تأتي التضحيات، التنازلات، ويأتي الكفاح، الحاجة التي أثقلت كاهل الساعين لها، التي غرّبت الإنسان عن وطنه وجوهره! التي وقفت كالحصن بين أشواق وحنين العائلة، الحاجة التي أظمأت الريق، وتَجَوَّعَ أصحابها، التي جعلت مَنْ يسعون خلفها يقفون تحت أشعة الشمس الحارقة لساعات طويلة، ليس تشمُّساً ولا حُباً للسمار! إنما هو عجز يأكل القلب، وقلق عشعش بالرأس، ولخاطر ابتسامة، تشق ظهر التعب مِن شفاه مَن هم مسؤولون عنهم، ابتسامة تعلوها الراحة، وتغمرها الفرحة مغلفة بالرضا.

الحاجة التي من صلبها تخرج همة لا تعرف الاستسلام، وإحساناً بكل ما يعملونه ويصنعونه، الساعون إليه يتجرعون الصبر يومياً، ويُجاهدون قسوة الحياة بوجه بشوش، يُخفي مرارة حالِهم، وشدة كفاحهم.

ما أود أن أقوله: مَن نحن كي نعامل الآخرين بكبرياء، يحتقرهُ الشيطان بنفسه! مَن نحن كي نحكم على الآخرين والنظر إليهم بدونية واستصغارهم؟ كلٌ يسعى نحو حاجته، بما يتناسب مع ظروفه ومعطياته، بما يتناسب مع قدراته، والكثير منا يرضى بالقليل ليس ضعفاً أو جهلاً بل إيماناً بأن الله قد فتح طريقاً، وأتاح الفرص، فسيأتي بالأفضل أيضاً بالمقابل، إيماناً بأنه لكي تصل لا بد أن تبدأ في مكانٍ ما لا بد من نقطة البداية، فمَن نحن كي نعامل الناس باستعلاء! فقط لأننا نظن بأننا أفضل وأحسن منهم حالاً ومكانة! خلف كُلَ ساعٍ قصة، أجبرته على الرضوخ والقبول بأقل مما يستحقه.

عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، يبلغ به النبي، صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحمون يرحَمُهمُ الرحمنُ، ارحموا أهلَ الأرضِ، يرحمْكم مَن في السماءِ». [صحيح.] [رواه أبو داود والترمذي وأحمد]، ارحموا عباد الله يا عباد الله، ارحموا ضعفهم وحاجتهم، ارحموا قلوبهم المملوءة بالآمال الكثيرة والأحلام والطموحات المعلقة، ارحموا عيونهم، التي غضت بنظرها عن ملذات الحياة فاكتفت وتقبلت، ومن ثم رضت بأقل القليل.

وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، يَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ يَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ يَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا) (رواه الطبراني، وحسنّه الألباني)، كن نافعاً لغيرك ولو بالنية الحسنة، كن خيراً بأن تكف عن أحكامك المسبقة عنهم، وعن قراراتهم، ولا سامح الله من كان في موضعٍ يستطيع به تسهيل، وتيسير أحوال الناس، ولكنه أبى وعاثت به الأنانية فساداً، لا غفر الله لمن انتزع لقمةً مِمن هو بأشد الحاجة لها، وأعطاها لمن يتوسطون لهم!

عليكم أن تُدركوا أنّ الحياة قاسية، وأنّها لم تأتِ على مقاسِ أحد، ثمّ لا تنسَوا أن تحترموا أوجاع النّاس من حولكم، تلك الصّدور المحشوّة بالنّدوب، وألا تقلّل من وجعِ أحد، فلربّما نقطة من بحر وجعه ذاك كانت ستُغرقك لو صادفتها! ومهما ساءت الأمور في حياتهم لا تَتعجب من أمرهم، ولا عملهم ولا ماذا يفعلون وما يعملون، كُن الزاوية الألطف في هذا العالم، فقلوبُ النّاس تميل للتفاصيل الطيّبة على بساطتها، كلمة كانت أم فعلاً، ولو بشكل عابر.

طباعة Email
#