نجم الكتابة

عرش الوهم

تصل مراكب الوهم إلى مرسى الحقيقة، حتى يصبح الغوص في أعماق تلك البحار، التي تحمل بين أمواجها العاتية سجلات الواقع، أفضل من العوم على سطح كسَتْه أنياب الزمان بمعتقدات وأوهام تجعل من العقول أشباحاً تتراقص على هيئة بشر في نقطة اختلط بها الواقع والوهم.

كثير من الناس يلتفت لخلق صورة وهمية حتى يبعد عن ناظره مرارة الحقيقة؛ ليشعر أنه يجلس في صالة السينما، ويبدأ بتناول ذلك الفشار مستمتعاً، لأنه رسم في مخيلته النهاية السعيدة، وحينما تأتي النهاية بطريقة لا تتناسب مع توقعاته تجده يسرع لإعطاء تقييم ضعيف لذلك الفيلم!

في الأفلام نجد أن سندريلا توقع حذاءها وهي تهرب من الحفلة، وفي الحقيقة تهرب بعض النساء من قساوة الزمان عليهن، فليست كل امرأة ولدت سندريلا في عصر زمانها، بل وراء كل حذاء سقط في زاوية ما قصة تحكي عن دائرة الأوهام التي سقط بها البعض.

نحن نعيش في عالم يتقمص به البعض أكثر من شخصية، حيث إن وجهاً واحداً لا يؤدي الغرض بالنسبة إلى هؤلاء الذين يرتدون أقنعة مزيفة حتى يصلوا إلى مرحلة يمسكون بها الزناد إلى أن يطلقوا النار على أعناق الحقيقة التي لا يستطيعون أن يهضموها بأي شكل كان.

هناك فرق شاسع بين ما نعتقد أنه حقيقة وبين الحقيقة فعلاً! هناك من يبني الحقائق على تصوراته وقناعاته، وهناك من يُخرج الحقائق من جيبه حتى يظن أنه أفلاطون زمانه!

لكي يعترف الشخص بينه وبين ذاته عليه أن يميز بين الألغام الفكرية التي يسيطر عليها الوهم، وبين الواقع الذي يظهر كل شيء بمرارته وحلاوته، وإذا لم يستطع أن يفرق بينهما فهو يبحر من وهم إلى آخر، وحينما لا يتناسب مضمون الواقع مع رغباته ومصلحته تجده يسرع لتشويه الحقيقة!

في بعض الأحيان نبني أحلاماً مترتبة على خيالات وتصورات حتى تتكدس وتذهب من حيث أتت؛ لأننا استصعبنا أن نواجه الحقائق التي من الممكن أن توجعنا، ولكن أن تؤلمك الحقائق الآن أفضل من أن تصاب بسكتة قلبية لاحقاً! إن الاستمرارية في الوهم تغتال أرواحنا أكثر من الحقائق المخفية، وتقبل الحقائق قد يستغرق بعضاً من الوقت حتى يتقين الإنسان أن الواقع لا مفرّ منه، ولو ذهب إلى آخر نقطة على سطح الكرة الأرضية.

ليس كل ما يُرى بالعين يصدَّق بالعقل، فالبعض يتفنن في إظهار الصور بطريقة لافتة وكأنه يملك شهادة «أوسكار» في تزييف الحقائق! والبعض يبحث عن الحقائق بين سطور الأوهام حتى يجد لنفسه حجة مقنعة تعيده إلى صفحة البداية التي كُتب عليها مثل شعبي معروف، وهو «عادت حليمة لعادتها القديمة».

طباعة Email